الفوز الحقيـقي بمفهوم الشرع الحـنيف

يغيب عن أذهان كثير من الناس اليوم، الفوز العظيم عند لقاء رب العالمين، فيذهب معظمهم إلى الحديث عن الفوز بحطام الدنيا، وينشغل به أشد الانشغال، إلى درجة أن بعضهم يعتبرونه فوزا عظيما، وأنه الغاية القصوى والهدف المرجو، فيتناسون الفوز الأكبر الذي وعد به الله عزّ وجل عباده المؤمنين، وقد وصف الله الحياة الدنيا بقوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}، فجعل الله هذه الدنيا لعبا ولهوا إلا ما كان منها خالصا لله عزّ وجل، فيجعله الإنسان نصب عينيه دائما، بأن يتذكر في كل أعماله الإخلاص والثواب الذي يُعدّه الله له، وأنه الطريق الذي سيؤدي به إلى الفوز الأكبر .

ويجري الحديث بين الناس اليوم، عن الفوز بشتى مجالاته، كل حسب الموضوع الذي يتطرق إليه، وينحصر الفهم عن الفوز وعن معانيه لدى بعض الأفهام، في مُتَعٍ زائلة وأُمورٍ فانية، فهناك حديث عن فوز في مسابقات تجارية، وعن فوز في مباريات رياضية، وعن فوز في تعاملات محرّمة، كالقمار والميسر، وهكذا تتنوع الأحاديث عن الفوز، وعن ماهيته وحقيقته، وعن مجالاته وأسبابه، فَتَاهَ كثيرون عن الفوز برضا الرحمن والنجاة من عذابه والفوز بجنته، وذلك في غمرة الانهماك في متاع الدنيا وملذاتها وشهواتها.

وفي تعريف الفوز الحقيقي للمرء، سواء في الدنيا أو في الآخرة، يقول عزّ وجل {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}، ولهذا ينبغي لكل واحد منا أن يتذكر هذا الموقف العظيم، وكلنا صائرون إليه، كما جاء في صحيح «مسلم» من حديث «أبي سعيد الخدري»، رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ)، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟، قَالَ: (دَحْضٌ مَزِلَّةٌ فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلاَلِيبُ وَحَسَكٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوسٌ فِى نَارِ جَهَنَّم).

فالواجب على كل واحد منا، أن يتأمل هذا الموقف، الذي هو صائرٌ إليه لا محالة، والناس على هذا الصراط أقسام ثلاثة، حدّدها رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وتوهّم حالك وأنت على هذا الصراط، الذي جاء في بعض الأحاديث أنه أدقُ من الشعر، وقد وضعت قدمك عليه وبين أيديك الناس ومن خلفك ناجٍ مسلم ومخدوش مرسل ومكردس في نار جهنم، ومن نجا منهم يتفاوتون في سرعة المرور عليه، فمنهم من يمرّ كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل، على قدر تفاوتهم وتباينهم في طاعة الله عزّ وجل في هذه الحياة، فتفكَّر في حالك وأنت من هؤلاء وأنت صائرٌ إلى هذا المقام {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}، فهل أنت من هؤلاء النّاجين الفائزين أم لا؟

وإذا قلت أيُّها المؤمن: ما هي صفات هؤلاء الفائزين، وما هي أعمالهم التي نالوا بها هذا الفوز العظيم؟، تجد الجواب في كتاب الله عزّ وجل، بل تجده في آية واحدة في القرآن، جمعت لك أسباب الفوز والغنيمة، يقول الله تعالى في سورة «النور»: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}، إنَّها صفاتٌ أربع إذا اجتمعت في العبد كان من الفائزين: 1 - طاعة الله، 2 - طاعة رسوله «صلى الله عليه وسلم»، 3 - خشية الله والوقوف بين يديه سبحانه وتعالى، 4 - تقوى الله جلّ وعلا بالبعد عن المعاصي والآثام.

 

فمن كان بهذا الوصف وعلى هذا الحال، فإنه من الفائزين، ثم تذكّر حال المؤمنين الفائزين ماذا لهم بعد نجاتهم من النار، وفكاكهم من عذابها وسلامتهم من الدخول فيها؟، وماذا أعدَّ الله لهؤلاء الفائزين؟، يقول الله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا، وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا، وَكَأْسًا دِهَاقًا، لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا، جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا}، فما أعظمها من حال وما أطيبه من مآل، فكافأهم الله عزّ وجل وأجارهم من النار، فجازوا الصراط ودخلوا الجنة وحازوا هذا النعيم المقيم، فتفكر في هذا المقام وأهل الجنة يدخلون الجنة من بابها فائزين، أعظم فوز نائلين أعظم غنيمة {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، فهل هناك فوزٌ يطلب أعظم من هذا؟!

موضوع : الفوز الحقيـقي بمفهوم الشرع الحـنيف
0 من 5.00 | 0 تقييم من المستخدمين و 0 من أراء الزوار
0

(0 )

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة: