زيارة مادورو في زمن الدولار والأورو

زيارة مادورو في زمن الدولار والأورو

لاشك أن العالم أصبح أكثر قرفا من قبل، ولايختلف إثنان أن أغنية “ديسباسيتو” التي صالت وجالت العالم بأسره لاتختلف كثيرا عن أغنية “لزرق سعاني” للشاب مامي سوى أن الزمن اصبح يسمح بالرقص بملابس السباحة على الشاشات المسطحة باسم الحرية والتكنولوجيا، إن من يحكم العالم اليوم يريد أن يجعل منه مسخًا مشوهًا موحدًا لايخضع لا لقيم ولا لمعتقد ولا لدين ولا سيادة، فيعتبر الدين رجعية والقيم تخلف وتحفظ والمعتقد انغلاق ويعتبر السيادة دكتاتورية وشمولية .

مثلما شكلت المنطقة العربية من محيطها لخليجها تميزا واختلافا بحضارتها ودينها وشعبها وعاداتها ,كانت أمريكا الجنوبية كذلك نموذجًا آخر في الاختلاف والتميز وعدم الإنصياع لهذا الوحش العالمي فكان جنوب الكاريبي غير شماله، لقد شكلت هافانا وكراكاز والكثير من دول أمريكا الجنوبية الاختلاف الجميل، الاختلاف الذي يسمح بارتداء قبعة غير قبعة الراعي الأمريكي والرقص على أنغام التانغو والسامبا حتى قبل تبلور مفهوم الشيوعية كنظام حكم فلقد شكل الاستعمار المتعاقب في هذه القارة وكل ما مارسه من اضطهاد في حق السكان شكل رفضا ومقاومة تناقلتها الأجيال، كما شكل من جهة اخرى تعاطفا مع كل الشعوب التي لاقت ذات المصير من المستعمر .

إن صورة فيدال كاسترو وتشي جيفارا وبومدين وبروستيتو وماو، كونت في حقيقة الأمر وقتها حلفا طبيعيا ومنطقيا، حلفا ضد الجلاد مهما كان جنسه أو لونه، لقد كان هذا الحلف وبعيدا عن خياراته السياسية يمثل حاجز مقاومة يمثل كل العالم حتى وأن استوعبته الشيوعية لأغراض سياسية، إلا أن الحلف كان أكبر بكثير من توجه سياسي أو اقتصادي لقد كان الحلف الذي يقول ” لا ” ، لقد كان الحلف الذي رفض الهومبورغر ورفض الروك ورفض سجائر المالبورو مدخنا السيجار .

إنها انتصارات النظام العالمي والرأس مالي والمتوحش التي تركت هذه الثقافات مصادفة للرقي والتطور وجعلت كل العالم يسير وفق هذا الاتجاه، لأن المسألة تتعلق بالتنظير لهذا العالم وتوجيهه، هناك دائما شيء بداخلنا يتقزز من حال العالم اليوم ففرنسا تشبه بلجيكا وألمانيا لاتختلف كثيرا عن السويد، وكل الفنادق متشابهة، نفس آلات الرياضة ونفس الأنشطة , وحديث العالم وشغله الشاغل أسعار العملات، إنها منعكسات شخصية من يحكم العالم، أشخاص ميكانيكيون لايؤمنون إلا بالمال، ولهذا فإن الاكتفاء أو اختصار  ماسمي بالأنظمة الشمولية أو الشيوعية أو القومية أو أي تسمية أطلقت عليهاـ إنها أنظمة تعكس دكتاتوريات سياسيا وتعكس الاشتراكية اقتصادا هو جزء صغير من الحقيقة ، لأن أصل الصراع هو أن هذه الأنظمة وبعيدا عن فشلها سياسيا أو اقتصاديا وبعيدا عن تقييم فترات حكمها، فإنها شكلت الاختلاف والمقاومة وحاجز الصد لهذا الوحش الذي يريد أن يطمسنا جميعا .

إن مايمكن أن نلوم عليه هذا الحلف انه كان ضعيف المردود قليل التخطيط وأكبر أخطائه أنه لم يعتمد على الفرد بل اعتبره دائما جماهير وحشود لايحق لها التفكير تحت غطرسة النرجسية أحيانا وتضخيم الآنا في أحيان أخرى، ولهذا كان مصيره الفشل الذي لاغبار عليه سياسيا واقتصاديا.

إن زيارة مادورو للجزائر واستقباله الباهت هو نتيجة منطقية ومنتظرة، فمادورو يشكل صورة صديق قديم كنت تمارس معه الركض يأتيك في أرذل العمر ليطلب منك فعل نفس الشيء، إن اسم المطار الذي حط فيه مادورو يكاد يصيح فيه أنجو بنفسك فالعالم قد تغير , والسيجار وحده لم يعد يرمز للرجولة، انت غريق يامادورو وأكبر مانملكه لك هو أن ندعك تفعل ذلك .

تنويه: هذا المقال يعبّر عن رأي صاحبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي الموقع 

التعليقات (4)

  • Algé rien

    très bel article, mais ça fais mal au cœur(khlassou erjal) dommage

  • chakib halime

    أشكر الكاتب شكرا جزيلا و أقول له جزاك الله كل خير و وفقك و سدد خطاك في زمن الرداءة و الجهل و انعدام الأخلاق و موت الضمير

  • أم نهال

    أشكرك على هدا المقال الرائع نتمنى لك مواصلة موفقة ،
    فعلا زمن الرجولة قد ولى

  • Benedjar

    تحليل جيد و لكن صراحة هل ان تحس بحرية تامة في قناة النهار وهذا بالطبع في الميدان المهني

أخبار الجزائر

حديث الشبكة