“النهار” تخرج في رحلة صيد رفقة البحارة…”البحري المسكين.. كي يخطب ما يعطولوش”

“النهار” تخرج في رحلة صيد رفقة البحارة…”البحري المسكين.. كي يخطب ما يعطولوش”

“الديناميت” يسبّب انقراضا في السردين ويحرمه من التكاثر على مدار 20 سنة

“احذر من البحري!”، الجملة التي لطالما التصقت بذلك الرجل الغامض غموض الأمواج ولازمته في البر والبحر… البحري ما هو إلا سكير وإنسان لا يؤتمن… هي أوصاف أيضا ينعت بها الرجل، لكن “النهار” أبت إلا أن تقتحم عالمه وتزيح ذلك الغموض، لتجده رجلا مقاتلا يخرج كل صباح ليواجه “شبح الموت” ويقتلع منه قوت يومه.
الخرجة التي قامت بها “النهار” رفقة مجموعة من البحرية في سفينة صيد، دامت 14 ساعة، جعلتنا نقترب من عالم الصيد أكثر فأكثر…

فتح سوق دلالة للسردين بالميناء والصيد بالديناميت ليكون أوفر

وصولنا إلى ميناء الجزائر كان على الساعة الخامسة وأربعين دقيقة صباحا، أين كان موعد وصول سفن وقوارب صيد السردين. الميناء ساعتها عرف حيوية كبيرة، سيارات ضخمة مركونة به وعدد كبير من الرجال يقفون بحافة المرسى يترقبون قدوم السفن. وبمجرد ما تدخل سفينة السردين إلى الميناء، يتجهون نحوها مباشرة للظفر بكمية من السردين الذي يعرف نقصا كبيرا في السوق، الأمر الذي جعل من سعره يرتفع. أحد الصيادين أكد لنا أنه كان يصل يوميا إلى صيد 200 صندوق، غير أن قلة هذا النوع من السمك جعلته يصطاد ذلك اليوم قرابة 20 صندوق فقط.
من جهته، قال أحد الصيادين أن المشكل لا يكمن في قلة السردين، بل طريقة صيده التي أدت لانقراضه، لغياب قانون يخضع له الصيادون، فالتوقيت غير محدد للصيد مثل الدول الأخرى كأسبانيا وغيرها التي تتبع نظام تحديد وقت صيد السردين، والذي يكون من الساعة السادسة صباحا إلى غاية السادسة مساءا. أما الليل، فهو وقت التكاثر، مضيفا أن مديرية الصيد منحت عددا هائلا من التصريحات للأشخاص الذين يريدون صيد السردين، لهذا أصبح التنافس حادا فيما بينهم، ليسكت قليلا ويواصل حديثه “ليس هذا فقط، حتى طريقة الصيد جعلته ينقرض، حيث يوجد بعض الصيادين يستعملون الديناميت في عمليات الصيد، مستندين في ذلك على حجر يلصقون به قطعة من الديناميت ويرمونها بقاع البحر ثم يفجرونها، فيموت السردين المتواجد بالمنطقة ويطفو على سطح البحر ليقوموا باصطياده، الطريقة التي كانت تستعمل بموانئ الغرب الجزائري وميناء بوهارون، هاهي اليوم تستعمل بميناء الجزائر رغم أنها غير معممة، لأن الرقابة هنا موجودة وبشدة، لكن الميناء لا يخلو منها”. فحسب محدثنا، فإن هذه الطريقة تقوم بحرق المنطقة التي تفجر ولا يعيش فيها السمك أو يتكاثر مدة عشرين سنة.     

المنطقة المسموحة للصيد أصبحت تشبه محطة تافورة أو بومعطي

وبعدما قمنا بجولة في الميناء، اتجهنا مباشرة إلى سفينة “صدى الملك” التي كانت مركونة بالمرسى مع العديد من السفن التي كان عددها قرابة العشرين، للخروج معهم في رحلة صيد، فالسفينة كانت مخصصة لصيد “الجمبري”، وهناك وجدنا رئيس السفينة تجاذبنا معه أطراف الحديث، إلى غاية قدوم صاحب السفينة الذي استقبلنا بحفاوة. وبعد بعض الترتيبات قام بها البحرية، صعدنا بالسفينة ثم انطلقنا في عرض البحر باتجاه بومرداس، المنطقة التي ضرب بها الزلزال.
ساعة الانطلاق كانت  السادسة صباحا، اتجهنا مباشرة رفقة بشير إلى غرفة القيادة، وجدنا هناك “الرايس عمر” الذي كان منشغلا بالقيادة وشابا آخر يدعى “زواو” كان يجلس أمام جهاز الكمبيوتر. تلقينا الشروح حول لوحة القيادة المجهزة بوسائل حديثة، مثل الرادار وجهاز قياس العمق وآخر لتحديد الاتجاه، وجهاز كمبيوتر. ليحدثنا بعدها بشير عما وصل إليه الصيد؛ حيث قال إن قانون 2004 للصيد والذي تم تطبيقه في 2007، ليس بالعادل والأشخاص الذين وضعوه ليس لديهم دراية بالبحر ولا بالصيد، بعد أن أصبح الصيد قليلا جدا، الأمر الذي جعل الكثير من البحارة يتخلون على هذه المهنة، فمنهم من ترك سفينته مركونة بالميناء يأكلها الصدأ، وآخرون عرضوها للبيع والبعض الآخر رحل إلى موانئ أخرى مثل بني صاف وأزفون وغيرها، موضحا أن القانون الجديد قام بتغيير خارطة الصيد وتغيير طريقة حساب المساحة التي يسمح فيها بالصيد. ففي السابق ـ حسب محدثنا ـ كانت تحدد المنطقة المسموحة للصيد حسب العمق، لكن اليوم أصبح التحديد حسب الطول، هذا الأمر الذي جعل الصيادين يصطادون بأعماق البحار، عكس ما كانوا عليه في السابق؛ حيث كانوا يصطادون في الخلجان مثل “خليج حشايشي” والخليج المتواجد بين “رأس ماتيفو وزموري”، أين يتواجد السمك والجمبري، فالمساحة المسموحة والتي تم تحديدها تبعد عن اليابسة بـ 60000 ميل، أين يصعب الصيد. كما أن المنطقة المسموحة يوجد بها الصخور الضخمة التي تتسبب في تقطيع الشبكة التي تقدر قيمتها بـ 30 مليون سنتيم على الأقل، أو تتسبب في تحطيم السفينة. هذه الإجراءات تم تطبيقها على ميناء الجزائر فقط ـ حسب صاحب السفينة ـ مشيرا إلى أن  بوهارون وأزفون وغرب الجزائر وغيرها من الخلجان، مسموح بها الصيد ولم تحدد فيها المساحة، وأوضح أنه تم تحديد مساحة واحدة لهم  لصيد الجمبري، وقال عنها بشير إنها أصبحت تشبه محطة تافورة أو محطة بومعطي من كثرة سفن الصيد التي أضحت تتزاحم فيما بينها، ليل نهار، للظفر بصيد قد لا يتجاوز عشرة كيلوا غرام من الجمبري. ومن جهة أخرى، قال بشير إنه خلال سنة 2008 لم يعملوا سوى أربعة أشهر؛ لأن القانون يمنعهم من صيد السمك من بداية ماي إلى غاية 30 سبتمبر؛ لأنه موسم تكاثر الأسماك. لكن ما اعترض عليه رفيقنا، هو المنع على مدار السنة، “وإذا أراد أحدهم مخالفة القانون، يسلط عليه عقوبة مالية ويقوم بدفع 50 مليون سنتيم. وإذا رفض ذلك، يخير بين الحجز على السفينة أو السجن”، حسب ما قاله لنا بشير.
وبعد سويعات، أخبرنا قائد السفينة أننا وصلنا إلى المنطقة المسموحة للصيد والتي تبعد عن اليابسة بـ 3000 ميلا، نزلنا إلى الأسفل لمشاهدة طريقة رمي شباك الصيد، فالبحارة الذين كان عددهم خمسة، كانوا متأهبين للعمل، حيث قاموا برمي الشباك. الأمر لم يكن بالسهل، لأن سهو أحدهم أو صدور عنه خطأ بسيط، قد يؤدي به إما للموت أو بتر أحد أعضائه؛ كون الشبكة متصلة بسلاسل حديدية كبيرة. وبعد الانتهاء من العملية، بدأت السفينة في السير من جديد للبحث عن الجمبري، ساعتها جلسنا رفقة البحارة الخمسة نتبادل أطراف الحديث، تلك الجلسة مكنتنا من الاقتراب من عالم البحار ومعرفة حياة البحارة وطريقة عيشهم.

“كبروا ولادنا ولم نرهم… همّشونا في البر ولحڤونا في البحر”

الجميع كان ملتفا حول عمي أحمد ساعتها، هو أكبر البحارة هناك، فعمره يتجاوز 63 سنه. تعرض لحادث سبّب له إعاقة على مستوى رجله اليسرى، أخبرنا أنه منذ 1974 وهو ينشط بالبحر كبحري، هو أب لستة أبناء يراهم مرة في الأسبوع “كبروا ولادنا وماشفناهمش”، مضيفا “نحن البحارة منسيون في الأرض، لا يحق لنا وضع ملف سكن أو شراء أي شيء بالتقسيط، كما يفعل كل الناس، لأننا نعيش بعيدا عما يحدث في البر. حتى وإن أردنا ذلك، فلا نستطيع؛ لأننا لا نملك كشف الأجر، فالراتب المصرح به لا يسمح لنا بذلك، فهو لا يتجاوز 12000 دينار، رغم أننا نحصل على مبالغ أكثر من ذلك. فإذا كان الصيد وفيرا يكون ربحنا وفيرا؛ لأننا نتقاضى رواتبنا بالنسبة وليس راتبا محددا”، ليسترسل في حديثه “أنا لا أفكر في التقاعد رغم سني، لأنني يومها سأصبح أتقاضى 12000 دينار، هذا المبلغ لا يكفي حتى لشراء الخبز والحليب”، الجميع أيد عمي أحمد، عبد القادر ونور الدين ومصطفى، هم أيضا اشتكوا من ظروفهم المعيشية، لكن في النهاية جميعهم قال “الحمد لله رانا خير من ناس آخرين”.

“البحري كي يخطب ما يعطولوش”

مداخلة نور الدين كانت على الشكل التالي “البحري كي يخطب ما يعطولوش.. يرونه سكير وما عندوش أخلاق، لكن نحن عكس ذلك. لدينا أولادنا ومعظم الوقت نقضيه في البحر وقربنا من الموت جعلنا نخشى الآخرة وأقرب بكثير من غيرنا من الله… حياتنا من العمل إلى المنزل إلى العمل، ما نعرفوا مقهى ولا نڤعدو مع جماعة”. ونحن نتسامر، قطع مصطفى حديثنا وطلب من نور الدين وعمي أحمد الذهاب إلى المطبخ لإعداد الغداء، ذهبنا رفقتهم لمساعدتهم، لكن رائحة البصل جعلتنا ندمع. خرجنا مباشرة إلى سطح السفينة، وهناك وجدنا إبراهيم جالسا وحده يراقب الأمواج وهي تعلو، اقتربنا منه لمحادثته، الأمر كان صعبا في البداية، لأنه كان منطويا.

الجميع لا يفكر في الحرڤة عدا إبراهيم الذي ينتظر الفرصة بفارغ الصبر

إبراهيم هو أصغر البحارة هناك، سنه لا يتجاوز 23 سنه، مستواه الدراسي الثالثة ثانوي حاصل على شهادة ميكانيكي، أخبرنا أن شهادته إلى غاية اليوم لم يعمل بها؛ لأن السفينة التي يعمل بها جديدة، فهو اليوم يعمل مع البحارة في رمي الشباك وسحبها وفرز الصيد منذ عامين. “لو خيروني من جديد في اختيار عمل أحبه، سأختار البحر، لكن ليس هنا، بل في الخارج؛ لأن البحار بالجزائر غير معترف به، عكس الخارج”. ولم يخف الشاب حلمه بالسفر إلى كندا؛ حيث أخبرنا أن ملف الهجرة الذي وضعه بالسفارة الكندية مقبول، لكنه سيسافر ـ حسب ظنه ـ بعد عام أو عامين، هذا الأمر جعله يفكر في الحرڤة، حيث قال “إذا أتيحت لي فرصة للحرڤة، لن أضيّعها أبدا”. قطع عبد القادر حديثنا “فرصة الحرڤة بالنسبة لهم متاحة دائما، لكن لم نفكر فيها أبدا، فنحن نصل إلى إسبانيا ونستطيع البقاء، لكننا نفضّل العودة من جديد لأولادنا وأسرنا”.  
مرت ساعات طويلة، ونحن ننتظر موعد رفع الشباك. وفي الساعة السادسة مساءا، قرر بشير التوقف ورفع الشباك، الجميع ينتظر وفي أعينهم الأمل في الحصول على صيد وفير. رفع الشباك كان بعناء كبير، الجميع كان على سطح السفينة، الرايس والتقني والميكانيكي والبحارة الأربعة. وما أن وضعوا الشباك على السطح، التف الجميع على الصيد وقاموا بفرزه، رموا ما لا يصلح من جديد في البحر ووضعوا الجمبري الكبير في صناديق. أما الصغير، وضعوه في صناديق أخرى… الصيد لم يتجاوز ثلاثة صناديق، رغم ذلك كانت فرحة الصيادين كبيرة؛ لأن صيدهم أضحى لا يتجاوز في بعض الأحيان نصف صندوق.. وبعد ساعتين، وصلنا من جديد من حيث انطلقنا.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة