“النهار” تدخل غمار رحلتهم إلى وهران بكنية أقدام سوداء:اليهود يتبركون بسانتا كروز ويأخذون التراب والحجارة لبيعه بأثمان باهظة

“النهار” تدخل غمار رحلتهم إلى وهران بكنية أقدام سوداء:اليهود يتبركون بسانتا كروز ويأخذون التراب والحجارة لبيعه بأثمان باهظة

ساركوزي فتح المجال واسعا للوبي اليهودي للمطالبة بممتلكاتهم بالجزائر

بعد مرور 42 سنة على الاستقلال تعود الأقدام السوداء إلى أرض الوطن، الجزائر، لكي تسترجع ذكرياتها وتتفقد مراقد الآباء والأجداد، تزور ما بقي من العمارات والبيوت القديمة والمدارس والمحلات، فقد استقبلت مدينة وهران نهاية ماي نحو مائة سائح من الأقدام السوداء جاءوا في رحلة سياحية نظمتها وكالات سياحية قاموا خلالها بزيارة مسقط رأسهم وبيوتهم التي غادروها بعد الاستقلال إلى جانب العديد من الأماكن التي ترتبط بجزء هام من ماضيهم وتاريخهم الذي بقي راسخا في أذهانهم وقلوبهم، ماض ارتبط بأرض عشقوها حتى النخاع، عشقوا كل شبر منها ليتركوها رغما عنهم، فقد اقتلعتهم ظروف قاهرة من أرض الجزائر على الرغم من أنها ليست لهم تلهفوا للعودة إليها مجددا لتحتضنهم وتخفف من لهفة مغترب متشوق لحنين وطنه.
أول ما جذبهم بوهران حصن سانتا كروز الأثري والكنيسة التي عكفوا على الصلاة بها والتي شهدت ترميمات واسعة على مستوى جدرانها وأسقفها بعد حالة الإهمال والتسيب التي شهدتها.

يهود فرنسيون يحلون بوهران بكنية أقدام سوداء لإقامة طقوسهم بسانتا كروز

وقد كثرت في الآونة الأخيرة الزيارات المتكررة لليهود إلى غرب البلاد وخصوصا إلى وهران، فمنذ شهر ماي حتى جوان ما زالت الوفود تصل تباعا تحت غطاء “الأقدام السوداء” ومن مختلف الدول الأوروبية خاصة فرنسا وإسبانيا وحتى من إسرائيل وبجوازات سفر أوروبية، فمنهم من تدوم زيارته يوما واحدا فقط يدخلون وهران صباحا ليخرجوا منها عند الغروب تحت إجراءات أمنية مشددة، وكان هذا الوفد قد وصل إلى وهران قبل اليوم بعشرين يوما وكانت “النهار” قد التقتهم يوم الخميس في ساحة أول نوفمبر مقابل مقر البلدية وكان عددهم أكثر من مائة شخص كونهم كانوا تقلهم 3 حافلات، وعندما التقاطنا صورا لهم تقرب منا عون دركي ليسألني عن هويتي فأجبته أني طالب في كلية الآداب، عندها أسر لي بالكلام وأعطاني هوية المجموعة وأهم المزارات التي زاروها خلال ذلك اليوم وأنهم قد أنهوا رحلتهم وسيرجعون في نفس اليوم. ودلني على أحد الأشخاص، يهودي الديانة من إسرائيل، دخل بجواز فرنسي يتحدث العربية. تقربت منه وتكلمت معه لمدة قصيرة في أمور عامة، إلا أنه حاول الامتناع عن الكلام وأكد لي الدركي أنه كلف بمتابعة تحركات هذا الشخص خوفا من أية حركة مشبوهة منه لاحتمال تعامله مع الموساد.
وبعد ذلك، ربطنا اتصالاتنا بمصادر موثوقة لتمدنا بتوقيت زيارة وفد منهم مع برنامج تحركاتهم. وفعلا كان هذا اليوم الذي قضيناه معهم من الصباح حتى الليل مع مجموعة تتكون من 60 فردا.

إشعال الشموع، التبرك بالمكان وجمع التراب في أكياس والحجارة وحتى أغصان الأشجار

زيارتهم لجبل “سانتا كروز” كانت للتبرك والوقوف على مناطق مر منها الأجداد، فكان للنساء أن ارتدين خمارات على رؤوسهن وانطلقوا في مجموعات لإشعال الشموع في الكهف وكذا في قاعة خاصة حيث بقوا مدة من الزمن صامتين متأملين ومسترجعين ذكريات ماضي الأجداد ثم بقوا على هذا الحال وهم يتمتمون بكلام لم أفهمه ثم تفرقوا ليبدأ كل واحد يكتشف جهة من جهات المكان وكل مرة يلمسون الحجارة والتربة ويمسحون بها وجوههم. التقطوا صورا جماعية وفردية حرصين على التمتع بالمكان بطريقة دقيقة ليشرعوا فيما بعد في تجميع الأتربة من الجبل في أكياس بلاستيكية وبعض الحجارة الصغيرة واختاروا أخذها من الجبل كما هو مبين في الصور الملتقطة لهم على حين غفلة منهم، كما قاموا كذلك بأخذ أغصان من الأشجار.
كل هذا قيل لنا إنه يؤخذ للتبرك به وإعادة بيعه بأثمان باهظة عند عودتهم إلى كل من لم تسمح له الظروف بزيارة هذه الأماكن.
وفي كل مرة كنا نتقرب منهم للدردشة كانوا يفرحون لما نقبل على الكلام معهم أو أخذ صور لهم خاصة بعد أن أخذنا صورة معهم وهم حاملين أغصان الأشجار والنساء يلبسن خمارات لتغطية الشعر.
تحدثت مع أحدهم ويدعى “أربارو” وهو الذي يظهر في الصورة يجمع التراب ويحمل غصن الشجر لأتعرف منه على الديانة الحقيقية وأحاول التظاهر أمامه أني في رحلة البحث عن ديانة أخرى ليوجهني.. وفعلا ضرب لي موعدا في المساء في نزل “حياة ريجنسي” للتحدث أكثر.

أمسية في نزل تنتهي بحفل بالشموع، تدار كؤوس النبيذ ويوزع الكعك

تقربت من شخصية “ألبارو” الذي تواعدت معه في الصبيحة ولما وصلت إليه كان ضمن مجموعة أخرى. رحب بي لأجلس معه، عندها افترق كل من كان معه فسألني عن هويتي لأجيبه أني طالب جامعي وأريد الاستفسار والبحث عن ديانة أخرى، عندها بدأ يشرح لي ديانته اليهودية وكل طقوسها لأتأكد فعلا أن المجموعة تدين باليهودية فكان لي معه هذا الحوار.
النهار: كيف كانت زيارتكم للجزائر؟
ألبارو: الجزائر بلدي قبل كل شيء، فأنا ولدت هنا وقضيت شبابي في وهران، كنت في أسرة فقيرة أمي عملت كموظفة لأرحل بعد استقلال الجزائر مباشرة.

النهار: لماذا كانت هجرتكم من الجزائر؟
ألبارو: الظروف في تلك الأوقات لم تساعدنا على البقاء.
النهار: ما قولكم في الثورة الجزائرية والاستعمار الفرنسي؟
ألبارو: حقيقة شيء مفزع خصوصا أحداث 8 ماي 45، تاريخ كنا ننتظره بفارغ الصبر لاستقلال الجزائر، إلا أن ديغول هو الذي أفسد علينا العيش في سلم وأمان ولو كنا نتوقع تحقيق الاستقلال بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لكان بقاؤنا هنا إلى هذا الوقت، لكن للأسف مرت سنين صعبة على الجزائريين أثناء الثورة.

النهار: كيف ترون العلاقات الفرنسية الجزائرية؟
ألبارو: قبل كل شيء يجب نسيان الماضي والبحث عن أساليب التعايش في المستقبل. فمنذ مجيء ساركوزي إلى فرنسا ننتظر تحقق أمور كثيرة في علاقة فرنسا مع البلدان المغاربية وخاصة مشروع الاتحاد الأورو متوسطي الذي يسمح بالتلاحم أكثر وخلق فرص التواصل والسماح بتنقل الأشخاص، كما ننتظر بفارغ الصبر إنشاء الجسر العابر للبحر بين المغرب وإسبانيا الذي سيساهم أكثر في تنقل الأفراد بين الضفتين.

النهار: هلا تحدثت أكثر على طقوسكم؟
ألبارو: ستحضر معنا حفلا شيقا وستتعرف أكثر وسيكون بيننا التواصل للتعارف.

بقينا على هذه الحال في تجاذب لأطراف الكلام حتى بدأت المجموعة تجتمع مع بعض إلى الساعة الثامنة ليلا إلا ربع وبدأوا يذكروه بالوقت وعند وصول الساعة الثامنة طلب مني مرافقته إلى القاعة لأجد كل المجموعة قد حضرت.. موائد بها شموع، شراب، كعك، ليبدأ إشعال الشموع ولبس النساء خمارات. ولما حاولت أخذ صورة داخل القاعة منعني أحد عمال النزل.
وصول ساركوزي قبة الإليزي فتحت المجال واسعا أمام يهود فرنسيين بتطبيق اتفاقيات إيفيان وتعويض الأقدام السوداء
لقد اعتبر يهود فرنسيون من أصل جزائري وصول ساركوزي إلى قبة الإليزي فرصة سانحة لتطبيق بنود اتفاقيات إيفيان بتعويض الأقدام السوداء لدعمه للوبي اليهودي في فرنسا الذي اعتبر استعمار فرنسا للجزائر استعمارا حضاريا إيجابيا، رافضا بشكل قاطع تقديم الاعتذار للجزائريين، وهذا ما سيفتح المجال واسعا لتأزم العلاقات الجزائرية الفرنسية من جديد بعد هذه التصريحات التي هي في الأصل تمجّد الاستعمار، معتبرا أن منظمة “لوآس” مارست أعمالا إرهابية بالجزائر لعرقلة الانسحاب الفرنسي وإنهاء الاستعمار سنة 62.
للإشارة، فقد نصب ساركوزي بعد فوزه في انتخابات الرئاسة في أول حكومة أعلن عنها ابن مطاردي النازيين الشهيرين، سيرج وبيكي كلارسفيلد كوزير للخارجية، وهي الوزارة التي أعلن عنها لتطهير فرنسا من المهاجرين.
وقد عمل كلارسفيلد إلى جانب ساركوزي عندما كان وزيرا للداخلية وقام بإنهاء التظاهرات التي شهدتها الضواحي الباريسية احتجاجا على سياسة الهجرة وترحيل المهاجرين السريين المنتهجة من قبل ساركوزي. كلارسفيلد هذه الشخصية التي تبدي حقدا كبيرا على الفلسطينيين، محملا إياهم مسؤولية المحرقة اليهودية.
وعلى الرغم من أن معظم الأقدام السوداء الذين يزورون الجزائر يقومون بذلك للذكرى فقط، فإن جماعات اليمين المتطرف في فرنسا تسعى جاهدة لخرق كل سبل المصالحة التي جسدتها الجزائر حتى مع الأجانب، إذ قامت بإنشاء ما سمته “الاتحاد من أجل الدفاع عن حقوق الفرنسيين المطرودين من الجزائر” وقام نحو ألف من الأقدام السوداء برفع دعاوى للحصول على تعويضات استنادا إلى قانون أساسي مؤرخ في 15 أوت 1970 ينص على أن التعويضات التي منحتها إيّاهم الحكومة الفرنسية تبقى مجرد استباق على الحساب مع أن أربعة قوانين تعويض فرنسية صادرة في أعوام 70، 78، 82 و87 نتج عنها دفع تعويضات تقدر بنحو 14.2 مليار أورو استفاد منها 440 ألف شخص، واليوم يطالب هؤلاء الجزائر بالمزيد يصل معدلها حسبهم إلى 12 مليار أورو مقابل الأملاك “المغتصبة” التي تركوها حسبهم. وقد شرع الأقدام السوداء في تنفيذ التهديدات التي كانوا قد رفعوها في السنوات الأخيرة أكدوا من خلالها أن الكثير من الممتلكات التي تركوها بإرادتهم غداة الاستقلال لا زالوا يملكون وثائق ملكيتها لينتقل التهديد إلى الممارسة وفعلا خسر جزائريون ممتلكات كانت بحوزتهم لأكثر من أربعة عقود.
فبتاريخ 24 نوفمبر 2004 رفع المدعو أرمون أنتوني المولود بتاريخ 18 نوفمبر 1909 بوهران شكوى ضد الجزائر والذي غادرها بتاريخ 14 جويلية 62 غداة الاستقلال، تاركا البعض من الممتلكات من عقارات ومنقولات، فلجأ إلى السلطات الفرنسية لتحصل له من الجزائر على تعويضات بقيمتها ليتقدم إلى لجنة حقوق الإنسان الأممية دون مباشرة طرق الطعن الداخلية التي تشكل إحدى الإجراءات التي تسبق اللجوء إلى هذه اللجنة وفقا لما تنص عليه أحكام البروتوكول الاختياري الأول المتعلق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، لكن أعضاء لجنة حقوق الإنسان رفضت الشكوى المقدمة من طرفه استنادا إلى أن الأفعال المنسوبة للجمهورية الجزائرية بالاستيلاء على ممتلكاته قد وقعت سنة 1962 أي قبل انضمام الجزائر للعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية ودخوله حيز النفاذ.
ولم تكن هذه الشكوى الوحيدة بل تبعتها شكاوى أخرى رفعتها هيئات وجمعيات تعمل على الدفاع عن مصلحة الأقدام السوداء التي قدمت 600 ملف للجنة الأممية لحقوق الإنسان لإرغام الجزائر على تعويضهم عن ممتلكاتهم التي تركوها بعد إعلان الاستقلال مع أنها باءت بالفشل.
لكن بالمقابل، لجأت الأقدام السوداء ممن يدعون أنهم تركوا أملاكا بالجزائر إلى حيل كثيرة لمغالطة العدالة الجزائرية أبرزها قضية الديوان الوطني للثقافة والإعلام الذي خسر مقره بعدما رفع ضده ممثلو شركة فرنسية للترقية العقارية يعود تأسيسها إلى نهاية الخمسينيات دعوى قضائية تفيد بدفع مستحقات الإيجار عن السنين التي شغلتها المؤسسة بمقرها بلغت حتى قرار إخلاء المقر لصالح الشركة الفرنسية، غير أن الديوان طعن في هذا القرار لتبقى القضية مؤجلة مؤقتا.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة