يريدون بالمجتمع الجزائري أن يكون أسفل السافلين بأفراده وطموحاته

منذ فترة تسير جامعاتنا نحو المنحدر، حتى تميّعت الأمور بها تدريجيا إلى درجة أنها أصبحت لا تمثل إلا جدرانها، أو نحن هنا لا نقيس وجهة نظرتنا حسب التصنيفات العالمية، ولكن، ننظر إليها من أسفل وتحت أو قل من الداخل وليس عملنا، هو مسح شامل وفوقي، لأن كل الجهود التي بذلت بقلّتها وكثرتها، لم تنعكس بالإيجاب أو أعطت مردودا مفيدا، تنبني علاقاته مع المجتمع والمؤسسات الأكثر فاعلية.

بل اقتصر دورها على تفريخ الآلاف من المتخرجين يُسمون في غالب الأحيان بحاملي الشهادات، وتعتمد المعايير العالمية حسب تصريحات المشرفين عليها على قياس حجم وتأثير البحث العلمي، والكتب المنجزة والمطبوعة.

وهنا من حقنا أن نسأل سؤالا بريئا: كم يوجد أستاذ جامعي عندنا أصدر كتابا ذا أهمية كبرى، ألقى بظلاله على ساحة المقروئية، وفُتحت بشأنه المناقشات، أو كم من محاضرة سُجلت ووجد الباحثون فيها ضالتهم؟

وهذا لا يدل أو يفسر إلا شيئا واحدا وهو نوعية وثقل هؤلاء المتخرجين ووزنهم العلمي والفكري، بناء على حكمة «فاقد الشيء لا يعطيه».

نود الإشارة والتركيز، على أحجام التأثير والتأثر، وهل هذه المراكز مستقلة فعلا بذاتها، أم هي تابعة ومنحنية الرأس كطيور النعام، تتحكم فيها وزارة ترعى الجانب المادي ليس إلا، أي تسير ميزانياتها السنوية؟

لقد صرنا صراحة نستحيي من ذكر مصطلح جامعة، لأنها لم تعد تختلف عن أطوار الثانوي والمتوسط، لأنه من الأدبيات المتعارف عليها في الدول المتقدمة، كانت ولازالت الجامعة حلقة وصل وواسطة بين المجتمع والدولة، ومِحكا حقيقيا لصناعة الإنسان المؤهل لخوض وتبوّؤ أرقى المسؤوليات والمناصب.

وكل خطأ ممنوع على هذه الفئة لأنها تمرست بأكثر من طريقة في منظومة تكوينية تأهيلية، وقد كان مصطلح جامعة فيما مضى جد راق وعال، ولا يمكن التحدث به إلا عند أصحاب النفوس التواقة والإرادات الفولاذية.

أما اليوم، فأنت حر في أن تصفها بأي نعت، لأن النماذج الحية التي هي أمامك ــ وليس جلها طبعا ــ تعطيك الصورة الأفضل والأنقى، بل هم مرآتها الناصعة والحقيقية، ولا يمكن إرساء دعائم جديدة لهذه المؤسسات الهامة إلا بإعادة النظر في سياسات الاحتواء المركزية.

وربط علاقتها الوطيدة بالمجتمع كمصب والدولة كوصاية تحث على رعايتها ومراقبتها، وليس التغاضي عنها وتركها تتخبط في معضلاتها، لأن فكرة فصلها أو تغييب دورها الحضاري الحقيقي، أوجد لنا تلك القطيعة المعرفية التي يتحدث المثقفون عنها ويشخصونها دوما في مقالاتهم.

حتى وأن جهات أخرى ترشح، أن هذه القطيعة تم التخطيط لها منذ عقود، من طرف أعداء الأمس واليوم على حد سواء، القصد منها هو أن يبقى المجتمع الجزائري في أسفل سافلين بأفراده وطموحاته، وأن يضعوا لحدوده المعرفية خطوط حمراء وحواجز لا يمكن تخطيها أو القفز عليها.