أسرار الحرب بين المقاومة و”جيش العملاء” في غزة

أسرار الحرب بين المقاومة و”جيش العملاء” في غزة

لعل الذين تابعوا الحرب على غزة، قد فوجئوا بالقدرة الكبيرة للمقاومة على إطلاق صواريخها والتصدي لقوات الاحتلال، ولكن هذه المفاجأة قد

 

 تنقلب إلى صدمة، حينما نعلم أن المقاومة قد حاربت على جبهتين … حاربت لمنع الإسرائيليين من دخول القطاع، وحاربت “جيشا” من العملاء، الذين حاولوا آلاف المرات الوصول لأسرارها.. ومعرفة أماكن احتفاء قيادتها…

تكشف “النهار الجديد” هنا بعض الأسرار التي لم تطرق إليها الفضائيات والتي ينشر بعضها للمرة الأولى في الصحافة المكتوبة.

عندما نتحدث عن غزة، فإن الكثيرين ينسون بسهولة أن القطاع قد ظل محتلا لأكثر من لحوالي 40 سنة احتلالا كاملا، ولم تنسحب منه إسرائيل إلا قبل أربع سنوات بالتقريب، وطوال فترة الاحتلال هذه، شكّل الاحتلال شبكات كاملة من العملاء واستطاع اختراق العديد من أجنحة المقاومة التي وجدت صعوبات بالغة وتعقيدات لا حصر لها، للحفاظ على سرية عملها وسلامة أفرادها.

أولى المفاجآت الإسرائيلية

كانت أولى الضربات التي وجهتها إسرائيل للمقاومة، خطيرة للغاية، حيث سطا أحد العملاء على سيارة أحد القادة الميدانيين للمقاومة، وهرب بجهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به “لاب توب”، وقد كان هذا الجهاز يحمل خارطة تفصيلية للأنفاق في بعض مناطق شمال قطاع غزة وشرقها، ما يعني في اللغة العسكرية أن “الخطة الدفاعية” للمقاومة قد سقطت، وقد كان هذا الأمر كفيلا بإصابة المقاومة باليأس وإفشال مخططها الدفاعي، لكن المقاومة تصرفت بذكاء بالغ رغم الغرور الإسرائيلي الذي بلغ حدّ نشر الخارطة المسروقة، على موقع “جيش الدفاع الإسرائيلي” يوم 19 جانفي2009 وكانت الخطة التي اعتمدتها المقاومة قائمة على نقطتين أساسيتين، أولهما تفخيخ جميع الأنفاق المكشوفة وتفجيرها لدى اقتراب الإسرائيليين منها ودخولهم إليها، أما النقطة الثانية فلحسن حظّ خارق للعادة أن تدابير الأمن الداخلي للمقاومة، تنص على أن لا يملك أي فرد كافة المعلومات حول المخطط الدفاعي العام لغزة، وبالتالي فالذي اكتشفته إسرائيل لم يكن سوى مخططا تفصيليا لناحية من نواحي ومناطق القطاع، وبالتالي استمر العمل في بقية الأنفاق بشكل اعتيادي.

العملاء يكشفون عن وجوههم

لم تتحدث الصحف والفضائيات كثيرا عن حادثة وقعت ساعة الضربة الأولى للقطاع، فقد خرج بعض “العملاء” و”أعداء المقاومة”، ليوزعوا الحلوى في الشارع، احتفالا بالضربة الإسرائيلية لـ”حماس”! ولم يكن هؤلاء يأبهون كثيرا بحجم الشهداء الذين ارتقوا لربهم، ولكن كانوا يودون إنشاء حالة فوضى عارمة في قطاع غزة، تسمح لـ 400 جندي من قوات محمد دحلان بالسيطرة على غزة، وقد كان هؤلاء الجنود ـ حسبما شهد عضو محمد نزال وهو عضو المكتب السياسي لحركة “حماس” ـ على أهبة الاستعداد في منطقة العريش المصرية، ولكن قوى الأمن الداخلي لحكومة إسماعيل هنية كانت بالمرصاد، حيث قامت عناصر الشهيد سعيد صيام بالضرب بقوة على أيدي العملاء، حيث اعتقل وحوسب بقسوة غير مسبوقة كل شخص تواجد أمام المنشآت العامة لغير سبب، وخصوصا أولئك الذين حاولوا اقتحام مقرات الحكومة، وفي ذات الحين انطلقت معركة الليل، فقد رصدت قوى الأمن الداخلي تحركات عدّة أشخاص مشبوهين، يجوبون مختلف مناطق القطاع ليلا، بغير أسباب معروفة، وهؤلاء تم التأكد من أنهم جواسيس للاحتلال، إذ أنهم يتحركون في نفس توقيت تحرك عناصر المقاومة الذين يستغلون الليل للتموقع بشكل جيد في مناطق الرصد ومراقبة تقدم قوات الاحتلال أو إطلاق الصواريخ عليها، ولذا فقد اتخذت الحكومة قرارا لم يتحدث عنه الإعلام أبدا، ويتمثل بمنع التجوال ليلا في جميع مناطق غزة، ولعل الذين تابعوا التغطية الإعلامية للحرب على غزة، قد لاحظوا أنه لم تكن هنالك أي تغطية متحركة خلال فترات الليل، على عكس النهار، حيث كان الصحفيون ينتقلون بين الشوارع ويخاطبون المواطنين، وهذا بسبب القرار غير المعلن لحكومة إسماعيل هنية، التي حصرت تواجد الصحافة ليلا في ثلاثة أبراج إعلامية هي: “الشوا وحصري” و “الشروق” و”الجوهرة”، وقد أكد مصور وكالة “راماتان” أحمد الراس لـ”النهار الجديد” هذه المعلومة.

 

وعمليا نفذت المقاومة حوالي عشر عمليات إعدام ميدانية في حق أشخاص مشبوهين، وجدوا في المكان الخطأ وفي التوقيت الخطأ، بينما وجد عند بعضهم تجهيز كامل للتجسس من وسائل الاتصال، أو وسائل تحديد المواقع والتي يتمثل أبسطها فيما يشبه “سيم كارت ـ la carte sim” أو الشريحة الهاتفية، والتي تتمتع بخاصية الالتصاق الذاتي، ويتم رميها على أي سيارة أو مبنى لترسل مجموعة ذبذبات تلتقطها القذائف الموجهة للاحتلال، وبهذه الوسيلة تمكّن الاحتلال من رصد بيوت بعض سيارات القادة الميدانيين للمقاومة واغتيال بعضهم.

وفيما بعد الحرب؛ تحدث سكان غزة عن حوالي 30 شخصا تم قتلهم في عمليات ثأر عائلي، حيث كانت بعض العائلات التي استشهد أبناؤها المقاومين، تعرف أو تشك في بعض الأشخاص المشبوهين، وبمجرد انتهاء العدوان انتقمت منهم، بل إن بعض عائلات العملاء قد تبرأت منهم، وتفاديا لانفلات الوضع، فقد أمرت حكومة إسماعيل هنية بتسليم كل المشتبه في تعاملهم مع الاحتلال لمصالحها المختصة، ليقوم القضاء بالتعامل معهم وفق القانون، حسبما رواه السيد إيهاب الغصين ـ الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية ـ لنا مضيفا بأن ضبط الميدان الداخلي كان الهاجس الأول للوزير الشهيد سعيد صيام، الذي كان يردد على عناصر أمنه بأن ضبط الأمن الداخلي هو الضمانة الحقيقية لانتصار المقاومة، وهو ما نجحت فيه وزارة الداخلية باقتدار.

بل إن الأمر قد تجاوز أمن المقاومة ـ يضيف السيد الغصين ـ لصالح أمن المواطنين وسكناتهم المدمرة، إذ أن وزارة الداخلية قد وفرت لكل المساكن المدمرة، عناصر من وحداتها الخاصة، وهؤلاء كانوا يعملون على تأمين هذه المساكن وحمايتها من حالات السطو، حيث كان بعض اللصوص يتحركون بسرعة عقب كل ضربة جوية، ليحاولوا سرقة ما أمكن من المجوهرات       والنفائس من المساكن التي دمرت، والتي يكون أصحابها مشغولين في إنقاذ جرحاهم، وفي هذا الإطار روى لنا أحد سكان منطقة “الفلوجة”، الواقعة شمال قطاع غزة، أن منزله قد دمر بعد دقائق من إلقاء الطائرات الإسرائيلية لقنبلة ضوئية عليه، وبمجرد سقوط القنبلة على منزله، أدرك الرجل أن المنزل سيقصف خلال دقائق، فهرب بأطفاله دون أخذ أي شيء، وبعدها قصف المنزل فرجع المواطن لمسكنه بسرعة ليعاين الأضرار، ففوجئ بأحد عناصر الشرطة واقفا بلباس مدني مشهرا سلاحا رشاشا يطلق الرصاص في شكل تحذيري في الهواء، اتجاه مجموعة من اللصوص الذين أرادوا السطو على المنزل.

أساليب غير معقولة للتنصت على المقاومة

خلال تجوالنا في القطاع، كشف لنا بعض المواطنين، عن أساليب غاية في المكر، ينتهجها الاحتلال لمعرفة تحركات المقاومة وأماكن أنفاقها، وقد قال لنا المهندس “ع.ك” أن رصد الشبكة الكهربائية وحدها، كان منبعا لا ينضب للمعلومات، فمن المعروف أن قطاع غزة يتكون من مناطق زراعية، تتركز في حوافه الشمالية والجنوبية والشرقية، ومنطقة ذات كثافة سكانية عالية تتركز في مدينة غزة ومحيطها، وقد كانت إسرائيل ترصد تطور نصب شبكات الكهرباء بدقة، ولدى ملاحظتها إيصال الكهرباء لمناطق ليست ذات كثافة عالية، فإن الاستنتاج المنطقي كان أن هذه التمديدات الكهربائية تخدم سكان “الأنفاق” لا السكان العاديين، وفيما استسهل بعض عناصر المقاومة الطلب من معارفهم في “سلطة الكهرباء” تمديد شبكاتها في مناطق معينة تتسم بانكشافها، فإنهم لم يكونوا يعلمون أنهم يدلون إسرائيل على مخابئهم.

الأسلوب الثاني للتجسس يتمثل في محلات الاتصالات، حيث توفر بعض محلات القطاع خدمة توفير أجهزة الاتصال اللاسلكي، وتبلغ الثقة ببعض المقاومين حدّ مطالبة أصحاب المحلات بضبط موجات الاتصال! وطبعا فإن بعض أصحاب المحلات لم يكن من المخلصين بل كان بعضهم يبلغ بموجات الاتصال التي تستعملها المقاومة، وحتى إن كانت هذا البلاغ في حدّ ذاته قد لا يعطي قوات الاحتلال خدمة مميزة، بفعل قدرة أجهزة التنصت على التقاطها بسهولة، فإن مجرد معرفة قائمة الأشخاص الذين يطلبون الحصول على أجهزة لاسلكي، كفيلة بإعطاء الإسرائيليين قائمة شبه تقريبية للمقاومين أو شبكات المتعاونين معهم.

الدفاع المضاد

في مقابل هذا التطور الكبير لأساليب الاحتلال التجسسية، فقد تصرفت المقاومة على أكثر من مستوى، إما على نطاق الأنفاق المكشوفة، أو على نطاق تأمين وسائل الاتصال.

وفي مستوى الأنفاق حدثنا “أبو مجاهد”، وهو الناطق باسم “ألوية الناصر صلاح الدين”، الجناح العسكري لـ”لجان المقاومة الشعبية”، عن خدعة مبتكرة قامت بها المقاومة، حيث استعمل أفرادها في منطقة “الشجاعية” نفقا لضرب قوات الاحتلال من الناحية الخلفية (التي تتركز فيها عادة قوات الدعم اللوجستي، وهي الخاصرة الضعيفة لأي جيش)، وهنا فإن المقاومين دمروا آلية وقتلوا بعض الجنود ثم انسحبوا بسلام، ولكن قيادة العدو رصدت النفق الذي استعملوه، وبدل تضييع الوقت في البكاء على النفق المكشوف فقد قامت المقاومة بتفخيخه ثم الانتظار بهدوء في المنزل الذي انطلق منه وبعد يوم من الرصد تقدمت وحدة خاصة من قوات العدو لاستكشاف النفق     وصلت إلى غاية البيت الذي انطلق منه، فما كان من المقاومين إلا تفجير النفق بمن فيه، وقتل أولئك الذين تمكنوا من الوصول للبيت في مواجهة مباشرة، وهذا ما خلق حالة رعب لقوات الاحتلال، التي راحت تخاف حتى من استكشاف الأنفاق التي عرفت خارطتها، وفضلت تدميرها جويا أو بواسطة آليات خاصة.

أما على مستوى أمن الاتصالات؛ فقد كان الوضع مختلفا، فبعض أجنحة المقاومة لم تكن تملك إمكانيات مالية كافية، ولذا اعتمدت الاتصال اللاسلكي بأخطاره المعروفة، بينما قامت بعض أجنحة “القسّام” و”السرايا” بتأسيس ما يمكن أن يطلق عليه تجاوزا لشبكة اتصالات سلكية خاصة، وهو الأسلوب المستعمل خصوصا في الأنفاق التي زودها مهندسو المقاومة بوسائل اتصال سلكي يستحيل رصدها.

أمن الحكومة و”الأمن الخاص للقسّام”

كانت أكثر النقاط الحساسة التي كان جديرا بالمقاومة الانتباه لها، هي حماية “القيادة”، أي توفير الملاذ الآمن لقادة المقاومة، وقد تسلم هذه المهمة “جهاز الأمن” الخاص بكتائب “الشهيد عز الدين القسام”، وهؤلاء يعملون بشكل منفصل عن الحكومة الفلسطينية، ويتمتعون بقدر كبير جدا من السرية، ولا أدل على ذلك من أن الجيش الإسرائيلي لم ينجح في الوصول إلى أي من أفراد قيادة أركان “القسام” التي تضم القائد العام وقادة الألوية    والوحدات المتخصصة؛ “الضيف،الجعبري، السنوار…الخ”.

ونفس الموضوع طبّق على بعض عناصر القيادة السياسية، ومنهم إسماعيل هنية ومحمود الزهار، حيث كان مستحيلا على أي شخص الجزم بمكان تواجد هذين القائدين، بل حتى أقرب مساعديهما لم يكونو يعرفون أي شيء، وقد عشنا حادثة غريبة أثناء زيارتنا للناطق باسم الحكومة الفلسطينية، الأستاذ طاهر النونو، حيث أعلنت وكالات الأنباء حينها عن رسالة منسوبة لإسماعيل هنية، موجهة للرئيس الأميركي باراك أوباما يوما بعد تنصيبه، فسألنا السيد طاهر النونو عن صحة الخبر، فقال أنه لا يعرف طلبنا منه الاتصال بهنية، فقال أنه لا يستطيع، قلنا له “أرسل له شخصا” فقال أن أي شخص سيقوم بهذه المهمة سيرصد بسهولة من طرف الإسرائيليين، فقلنا له “كيف تتصل بهنية إذن” فرد: ” هنية هو الذي يتصل بمن يريد الاتصال به” ونفس الشيء مع الشيخ محمود الزهار، الذي قال النونو، وهو من مقربيه، أنه لم يره منذ بداية الحرب، وأنه يشتاق إليه لكن لا حيلة في يده للاتصال به.

 


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة