أسرار عن عقيد المخابرات علي تونسي

أسرار عن عقيد المخابرات علي تونسي

في خرجة غير مسبوقة، ولأول مرة

، تحدث المدير العام للأمن الوطني عن جوانب شخصية جدا من حياته، حيث كشف الرجل الأول في جهاز الأمن الوطني عن سيرته الذاتية بصفته المجاهد ”سي الغوثي” وليس العقيد تونسي، بداية من التحاقه بالعمل المسلح في صفوف جيش التحرير وصولا إلى التطرق لزوايا إنسانية من شخصيته، خصوصا في كيفية تعامله مع عناصر سلك الأمن الوطني منذ وصوله على رأس الجهاز في 1994. ”النهار” تنقل لكم الحوار الحصري الذي أجرته إذاعة البهجة مع المجاهد والعقيد تونسي.

من هو علي تونسي من دون منصبه وعلى لسانه؟

تونسي هو شاب جزائري كغيره من شباب الجزائر قبل الاستعمار وقبل اندلاع الثورة الجزائرية، وجد نفسه ملزما على حمل السلاح في صفوف جيش التحرير الوطني، فنحن الشباب البالغ من العمر17، 18 و19 سنة، أحسسنا بالواجب الوطني الذي ضغط وفرض علينا الالتحاق بصفوف الثورة والتطوع في الكفاح المسلح من أجل تحرير الجزائر، وهو ما جعلنا نشعر بالفخر والعزة الوطنية بدءًا من سنة 1954، فكان شعورا غريبا وقويا حتى أننا لم نعرف ولم نفهم كيف ولماذا وجدنا أنفسنا متطوعين في الثورة دون شعور وهذا ما أحدث في نفوسنا تغييرا داخليا كليا، الحديث عن الانخراط في صفوف جيش التحرير وأنا شاب يذكرني في اليوم الذي كنت فيه قادما من العاصمة الفرنسية باريس، أين كان يجلس بالقرب مني المدعو ”ديلام”، حيث وبعد مرور بضع ثوان تجرأ هذا الأخير وسألني قائلا ”هل أنت هو فلان؟” لأجيبه بنعم، قبل أن يضيف، ”هل يمكنني أن أعرف كيف استطعتم أنتم الشباب إبان الثورة التحريرية من حمل السلاح وتنخرطون في صفوف جيش التحرير لمحاربة القوات الفرنسية، فنحن شباب اليوم إن وقع أي طارئ خطير فما يكون لنا غير الهرب”، لأجيبه ”هذي عمرك ما تقولها، لأنني متأكد من أنه لو وقع أي طارئ فستحملون السلاح وتكونون على كامل استعداد، لأن هذا الشعور قوي ولا نتحكم فيه ولا يمكن تفسيره”. بالرغم من أننا كنا نعيش في ظروف مستقرة وفي أسر ثرية، غير أن الفقر الوحيد الذي كنا نعاني منه، هو الفقر المعنوي الذي كنا نشعر به أمام همجية ووحشية وعدوان المعمر الفرنسي الذي كان يفرض بشتى الطرق والأساليب العنصرية بين الجزائريين والفرنسيين، ما جعلنا نفكر ونتأكد من أننا شعب واحد وقائم بذاته ولوحده، ودفع بنا إلى الانخراط في صفوف الثورة الجزائرية على دفعات وأنا كنت ضمن دفعة الـ70 طالبا من جامعيين وثانويين.

كيف كان دور الطلبة الجزائريين خاصة في 19 أوت 1956؟

أتذكر جيدا أنه جاء أمر من الثورة الجزائرية وتأكدت أنه يستحيل مواصلة الدراسة في ظل تدهور الأوضاع مع الفرنسيين وأنه لابد من حمل السلاح في وجه المعمر الغاشم، لتدعو بذلك إلى تنظيم إضراب كلي عن الدراسة والامتحانات، فما كان إلا الاستجابة لنداء الثورة الجزائرية، لنقرر حمل السلاح، ولا يمكن أن ننسى أن هذا لم يكن بالأمر السهل في ظل قلة الإمكانات، فما كان لكل واحد منا أن يدفع مقابل حمله السلاح وأما من لم يكن له ذلك، فكان ينتظر دوره، لنجد بذلك أنفسنا في الجبال نتلقى تربصات وتكوينا سياسيا، عسكريا مكثفا، ويجب أن أقول أن الكثير منا استشهد بشهامة إبان ثورة التحرير وحتى بعدها، فأنا شخصيا تلقيت منذ أيام نبأ وفاة أحد المجاهدين الأبرار الذي كنا معه بعد مرض عضال، وبذلك لم يبق منا الكثير ولكن المشوار الذي قطعته هو مشوار كل شاب جزائري خلال تلك المرحلة.

تكلمنا عن 19 ماي بمناسبة عيد الطالب، فهل يمكن أن تحدثنا عن القناعات التي دفعت بـ”السي الغوثي” إلى الانضمام لصفوف الجيش؟

هي امتيازات الكولون الفرنسي والضغوطات التي فرضها المعمر لمحو وطي تاريخ الأمة الجزائرية، دفع بنا نحن كعرب مسلمين وخاصة كجزائريين إلى حمل السلاح الذي مكننا من فهم التاريخ ، وما ساعدنا في ذلك أكثر هي الترقيات التي كنا نتحصل عليها عبر جميع المراحل الدراسية، ولن أخفي عنكم فأنا في الجبال لم أكن قادرا على تحمل المسؤولية لأن الجبل يتطلب القوة البدنية و”الزدمة” في حمل السلاح، فأنا كنت جنديا بسيطا لكن هذا لم يمنعني من أن أخالط وأكون جنبا الى جنب القادة والزعماء الكبار الجزائريين الذي استهدوا أمامي، تمكنت من الحديث إليهم واستخلصت منهم عبرا وأنا بذلك أحمل ذكريات جميلة لن أنساها وستبقى راسخة وسأحملها معي طالما حييت، فالتربية والآداب الصارمة التي تلقيتها رسمت لي مسارا محددا وواحدا ولا يمكنني التنازل عنه وهي الصرامة والنزاهة.

إذا سأل السيد علي تونسي المجاهد، ما هي الصورة المؤثرة التي علقت بذهن الغوتي والتي تتعلق بالثورة الجزائرية؟

لقد قلتها، فالتجربة التي خضتها في الجبال رفقة الزعماء الكبار جعلتني أتذكر كل الصور التي عايشتها، ومن بين الصور المؤثرة التي تراودني دائما هي صورة قائد الناحية العسكرية الخامسة بسيدي بلعباس الذي كان محاربا سابقا في حرب الهند الصينية التي جعلت منه زعيما دون منازع، حيث وأحد الأيام وفي عز الصيف بولاية سيدي بلعباس تمت مباغتتنا من طرف المعمر الفرنسي، وكدنا نموت عطشا، فما كان لزعيمنا هذا المدعو بلحسن، إلا أن يخاطر بنفسه ويقطع بكل بسالة وشجاعة وهو زاحفا إلى الجهة الأخرى، على بعد 400 متر وصولا إلى الدوار، أين قام باستحضار برميلين من الماء يجرها بصعوبة وقام بسقي كل عناصره، وهو ما يؤكد مقولة ”الزعيم يضحي في سبيل رجاله”.

ونحن نجوب شوارع العاصمة نقرأ أكثر من شعار يوحي إلى ارتباط الشرطة بالعلم، مثل تعلم جيدا حتى تحسن الخدمة، أو العلم في خدمة الشرطة، فما هي الاستراتيجية المعتمدة للنهوض العلمي بقطاع الأمن الوطني؟

هذه النقطة أجبت عنها أكثر من مرة، فخبرتي البسيطة والمستوى العلمي الذي أحظى به جعلني أفكر في وضع أربعة أسس للنجاح، لابد من كل مسؤول أو دولة أو حكومة وحتى مؤسسة من انتهاجها لضمان النجاح، فأولها التكوين، فالإنسان بدون تكوين يصبح كالحيوان، ثانيا التنظيم، فهو الذي يسمح لكل واحد بالتعرف على صلاحياته ومهامه من خلال توفير كل الإمكانيات والميكانيزمات التي يجب أن تكون محددة ومضبوطة. ثالثا التفتيش، فلا يمكن لأي كان أن يكون مسؤولا بمجرد إعطائه لأوامر وتعليمات، حيث يجب عليه النزول إلى الميدان والتأكد من مدى تنفيذ وتطبيق هذه التعليمات، فهذه الأخيرة هي التي تحدد الجزاءات سواء الإيجابية أو السلبية، فالشرطي الذي يقدم أعمالا إيجابية وناجحة لابد من تشجيعه حتى يقدم أفضل ما عنده ويكون قادرا على أن يكون بمثابة رجلين في رجل واحد، أما الذي يجلب المشاكل وليس منضبطا فلابد له من العقاب السلبي من خلال إنهاء مهامه أو إنزال في الرتب، وهو ما سيسمح لنا بمعرفة النقائص التي صحبت تجنيده وتكوينه، فهذه الأسس الأربعة هي مفتاح النجاح ولابد من انتهاجها في شتى الميادين.

وبخصوص الحضور النسوي في سلك الشرطة، كيف ينظر العقيد تونسي إلى دور المرأة الشرطية في قطاعه، علما بأنه توجد إطارات سامية كعميد أول للشرطة؟

المرأة الجزائرية أثبتت جدارتها واحتلت مكانة عالية في الثورة الجزائرية وفي التاريخ، حيث قدمت براهين ومواقف جعلت منها مواطنة كاملة – ليقول مازحا- حدث وأن كنت في الجبل، وبالتحديد في فترة التربص التي دامت مدة أربعة أشهر عرض علينا 20 موضوعا للمعالجة، وكان لكل واحد منا حظه في اختيار السؤال، وبما أنني كنت أرغب في إلقاء المحاضرات ما كان لي إلا اختيار السؤال الأخير المتبقي والذي كان موضوعه ”دور المرأة في الثورة الجزائرية”، لأشرف بذلك على محاضرة أوصلت من خلالها أفكاري الخاصة وهي الأفكار التي تمكنت بقدرة الله من تجسيدها على أرض الواقع عندما أصبحت المدير العام للأمن الوطني، وجاء التفكير في إدماج المرأة في الشرطة كضرورة حتمية، خاصة وأنه في سنة 1973 تم تجنيد فئة قليلة ثم تم توقيف هذا الإجراء، غير أنه وبفضل المجهودات التي بذلتها الحكومة استطعنا تجنيد أعداد هائلة من النساء،  خاصة وأنني أحمل قصدا سياسيا وعلميا وخطة محددة في مجال الاستعلام، فالنتائج الإيجابية التي قطعتها المرأة الشرطية من خلال خلقها لجو بهيج مفعم بالانضباط والصرامة ونجاعتها في تجسيد سياسة الشرطة الجزائرية خير دليل على ذلك، وهو ما يجعلني أقول ”غير المرأة الجزائرية اللي تعرف لها”، مضيفا أن الشرطية الجزائرية في تكوين مستمر ومفتوح مكنها من الفوز بمكانة عالية، وسنعمل جاهدين على أن تكون الشرطة الجزائرية شرطة عصرية كنظيرتها الأوروبية، من خلال بلوغ نسبة 20 إلى 24 بالمائة من فئة النساء في سلك الشرطة، علما أن إيطاليا،ألمانيا وإسبانيا حققت نسبة 23 و24 بالمائة، في حين بلغت نسبة الشرطيات 9 بالمائة، أما نحن فقد حققنا نسبة 5 أو 6 بالمائة ونحن بذلك أفضل من كثير من الدول العربية على غرار الأردن.

إلى أي سبب من الأسباب يعود اهتمامكم بالرياضة حتى انضممت رسميا إلى سلك الشرطة، هل لأنكم تؤمنون بالمثل القائل ”العقل السليم في الجسم السليم” أم أنها مسألة لياقة بدنية فقط؟

ها ها ها، أنت تسألني رياضيا دون منازع، فأنا أمارس الرياضة طيلة حياتي وإلى غاية اليوم، فلا يمكن الاستغناء عن الرياضة لأنها تقوي البدن فضلا عن أنها مفيدة للصحة، وهي تأسس لفكر الإنسان وتنظفه وتساعده في تخفيف الضغط على نفسه، وأنا من هواة الرياضة الفكرية حتى أتمكن من تحديد قدراتي، وهو ما جعلني أفكر في وضع شهادة الرياضة من الدرجة الثالثة الخاصة بموظفي الشرطة، حسب الفئات العمرية والمهارات الجسدية والنتائج المترتبة عن ممارسة الرياضة تدخل في تنقيط الشرطي وتساعده في الترقية.

الأكيد أن لديكم أكثر من رفيق إبان الثورة، لكن من هو رفيقكم المفضل في كلمة وجيزة؟

أنا قضيت ثلاث سنوات في الجبال، سجنت لمدة سنتين، وكان لي العديد من الأصدقاء الثوار، ولأن الثوار يموتون كل يوم، فأجد نفسي أفقدهم بعد أن تعودت عليهم، لكن هذه هي سنة الحياة، الشخص الوحيد الذي لن أنساه هو ممرض بمنطقة مستغانم يدعو ”بن فرلو” رحمه الله، كان قد تزوج من تلمسانية تقطن بسيدي بلعباس، توفيا إثر اشتباك مسلح عام 1960، والشيء الذي كان يجمعني به هو اللغة الفرنسية حتى أننا كنا من نفس العمر والمستوى الدراسي، إلى جانب المدعو شاعة مصطفى، وكنت أحيي فيهما الشجاعة والنزاهة والتضحية، فأنا كنت رياضيا وضمن الكشافة،  وكنت قد أحسست بالتغير الحاصل خاصة وأنني لم أتعود على حياة البادية، لكن مصاحبة هؤلاء جعلني أتعلم الكثير.


التعليقات (3)

  • رحم الله الفقيد

  • foufou

    pourquoi ne pas dire la vérité tout le monde sait que Ali tounsi est un demi algérien pour ne pas dire marocain de la région de ouadjda comme la moitié de ceux qui nous gouvernent

  • Love

    Dude, right on there btorher.

أخبار الجزائر

حديث الشبكة