أشعر أنني من الطراز القديم.. وهذا سيدخلني عالم الجحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
سيدتي الفاضلة نور، بارك الله فيك على كل الأعمال التي تقدمينها من خلال هذه الصفحة الغراء، والتي أنا جد معجب بها، وبردودك الشافية التي تزرع الثقة في كل قارئ لها.سيدتي، سأختصر جداً ما يؤرقني ويعقد حياتي، فأنا شاب في العشرين من العمر، طالب جامعي، تحصلت على شهادة البكالوريا في القرية النائية التي كنت أعيش فيها، أين كانت حياتي أكثر من متواضعة، نعيش فيها تحت ظل المحافظة والأعراف والتقاليد، بعد نجاحي وجدت نفسي مضطرا للانتقال إلى إحدى المدن الكبرى لأكمل دراستي العليا، انتقلت بذلك إلى عالم آخر لم أتعود عليه ولم أألفه، عالم كله انطلاقة وجرأة ، لا تحكمه ضوابط معينة على الأقل بالنسبة لي وبالمقارنة بما كنت أعيشه، فقد وجدت نفسي مضطراً للاندماج مع الآخرين، لكن لن تصدقي سيدتي إن قلت لك أنني وبعد عامين من انتقالي إلى الجامعة لا أستطيع التجاوب مع الزملاء، فأنا أشعر أنني من الطراز القديم وأن الكل ينفر مني ومن طريقتي في الحياة التي لا تروق لهم، وهذا يشعرني بالإحباط والضيق، لأنني غير مرغوب فيه، لقد جربت التأقلم معهم إلا أن محاولاتي كلها باءت بالفشل، والإحراج هو الموقف الذي أقع فيه دائماً.سيدتي، لقد كنت صريحا جداً فيما تقدمت بقوله وما أشعر به، أرجو أن لا تبخلي علي بالرد، وأن تنيري طريقي علني أجد مخرجاً لما سيعقد حياتي ويدخلني قوقعة العزلة.
قارئ من الجنوب الشرقي
الرد:
أشكرك بني جزيل الشكر على ثقتك وعلى هذه الصراحة في الطرح التي أعجبت بها كثيراً، فاعترافك أكبر دليل على رغبتك الجامحة في التغيير والتطور والارتقاء إلى ما هو أفضل وأحسن، لكن هذا لا يعني أنك وكما قلت “من الطراز القديم”، لأن هذا التخمين هو الذي يعطي انطباعا سيئا لدى الغير، فإن لم نقدّر نحن أنفسنا لا يقدرنا الغير.لقد احترمت فيك كثيراً إقرارك بهذه النقطة، واحترمت أكثر حبك في الرقي، لذا فأول أمر أنصحك به هو الاهتمام أكثر بدراستك وعدم الاكتراث بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وتأكد أن الباقي مع الأيام يأتي، وبالإرادة يتحقق لا محالة. فقط ما يجب أن تعلمه هو أن التغير لا يأتي بعد ساعات أو أيام أو شهور، حاول أن تتناسى هذا الأمر قليلاً حتى لا تترسخ لديك عقدة النقص، وحتى لا يتولد لديك ذاك الحافز القوي الذي قد يقودك إلى التغير السلبي بدل الايجابي، وهذا قد ينسيك مبادئك وأخلاقك التي نشأت عليها، ويفقدك شخصيتك الرزينة والحكيمة.عليك بني أن تكتسب بعض المهارات، ونهل ما استطعت من العلم والمعرفة التي تكون حجتك المقنعة، ويجب أن تدعم هذا بما يسمى باللغة اللفظية، لما للاتصال من قوة فعالة في التأثير على الآخرين، حاول أن تتحدث وأن تتصرف وكأن لا أحد ينظر إليك، بكل قوة وثقة في النفس، خاصة إذا أضفيت على ذلك قليلا من اللباقة وحسن اختيار الكلمات، وبهذا صدقني أنك ستصبح المثال للرجل الحقيقي الذي يتمتع بهمّة وعزيمة لا تضاهى.
ثم اعلم أنه لا يوجد في الحياة من هو كامل، فالكمال يا بني لله تعالى، وأن اللبيب في الدنيا من يعترف بخطئه ويصححه، ورسالتك هذه أظنها شجاعة منك وحبك القوي لما هو أفضل، لا تستسلم أمام المواقف المحرجة، ولا أمام عديمي المسؤولية الذين لا عمل لهم سوى الانشغال بهفوات الغير، دون أن يعلموا أنهم في حد ذاتهم يحتاجون إلى التحسن، احتسب الله فيهم، واسعى للأفضل، وكل الأمور ستكون في صالحك بحول الله.
ردت نور.