أمي أهدرت أيام شبابي وتسبّبت في عنوستي
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
سيدتي.. أنا فتاة على حافة الانهيار، فكلّ الأمور ضدّي في هذه الدنيا، حيث أن أعزّ الناس إلى قلبي هي السبب في تعاستي.فبعد وفاة والدي رحمه اللّه، أخذت على عاتقي إعالة أسرتي الكبيرة العدد، حيث بدأت العمل وأنا طالبة جامعية، وضحيّت بشبابي وزهرة عمري في سبيل أن أحفظ ماء وجه أسرتي من السؤال ومدّ يدهم إلى من قد يهينهم ويزدريهم، فكنت كمثل الشمعة التي تحترق حتى تضيء سبيل الآخرين.مشكلتي سيدتي.. أني لم أكن يوما لأطالب بأدنى حق من حقوقي، كالخروج أو التفسّح لدرجة أنه لم تكن لي حتى صديقات أتقاسم معهن الأحلام والطموحات، ولعلّ أكثر ما أحمد الله عليه أني لم أتعقّد من حياتي ولم أصب بانهيار عصبي جرّاء كل ما كنت أعانيه في صمت.أكثر ما آلمني سيدتي، أني وبعد أن أوصلت كل إخوتي إلى برّ الأمان وبعد أن شقّ كل واحد منهم طريقه على حسب هواه وما يطمحه، حاولت أن ألتفت إلى نفسي قليلا على الرغم من مرور العمر، ففتحت قلبي إلى الحياة ومنحت موافقتي لزميل لي في العمل حتى يتقدّم لخطبتي، إلا أني تفاجأت بوالدتي ترفض الأمر جملة وتفصيلا.في البدء حسبتها ترفض الشخص بعينه، لكني اكتشفت بعدها بأنها ترفض مسألة زواجي رفضا قاطعا، لا لشيء حتى لا أنقطع عن دعمها ماديا، فهالني الأمر الذي لم أكن يوما أتصوّره من أمي التي خلتها أكثر من تعترف وتقدّر تضحياتي الجسام في سبيل أسرتي وتماسكها.أكثر ما آلمني وأوجعني، أن والدتي أخبرتني بأن قطار الزواج فاتني وبأنه لم تعد لي الحرية في التصرّف واختيار مصيري، وأنه ما عليّ إلا الاكتفاء بما وصلت إليه من نجاحات على الصعيد العملي، لتحكم على أحاسيس الأمومة الجميلة في قلبي بالإعدام، وكأني جسد بلا روح. أنا جد مستاءة سيدتي من تصرّف أمي المجحف في حقي والذي لا يمكن لأي أم في الدنيا تمّنيه لفلذات كبدها، فماذا أفعل سيدتي حيال هذا الوضع؟، هل أنتفض وأغادر المنزل حتى أتدارك ما فاتني؟، أم أبقى رهينة الحزن والأسى ما بقي لي من عمر مرّ بلا أحلام، ولا حاضر يتبعه مستقبل زاهر؟، أنيري دربي سيدتي فأنا في أمسّ الحاجة إليك.
التائهة من العاصمة.
الرّد:
أختاه من الجميل أن تعيش الفتاة شبابها بكثير من التفاؤل والأمل، فليس هناك ما هو أجمل من أن ينعم الواحد منا بجميل اللحظات، حيث أن ما يذهب من العمر لا يرجع.أفهمك أخيّتي وأحس بحجم التضحيات الكبيرة والمسؤولية التي تحمّلتها بعد وفاة الوالد رحمة الله عليه، ولكني لا أفهم رغبة أمك في قتل ما بقي لك من الأحلام والآمال على الرغم من أنك أبديت رغبة في استدراك ما فات. والله الذي لا إله بعده، لا أخفيك أن قلبي انفطر من أجلك، فعوض أن تعمل والدتك على دفعك للإقبال على الحياة والظفر بعريس يرسو بك على برّ الأمان، أجدها تحاول جعلك رهينة أبدية لأهوائها ورغبات العائلة التي لا حدود لها، وكأني بك أَمَة في زمن لم يبق فيه للإمَاء مكان.ما عليك أختاه إلا أن تنتفضي على حدّ قولك، وهذا بهدف الخروج من القوقعة التي أرغمتك الظروف على قبولها، فليس لأمك عليك من حقوق إلا طاعتها ومادامت هذه الأخيرة ستدخلك في غياهب الفراغ والوحدة والقنوط، فلا حلّ لك سوى الكفاح لنيل حريتك والتلذّذ بطعم السعادة التي طالما منحتها على طبق من ذهب لغيرك.من حقك أختاه أن يكون لك من السعادة أكبر نصيب، خاصة وأنك قد أردت سلك المنهج السليم وهو الزواج على سنة الله ورسوله، ولست أظن أن هناك أم على وجه الأرض تأبى بأن تزفّ ابنتها البكر إلى عشّ الزوجية إلى رجل صالح يخاف الله فيعوّضها سنوات الحرمان.تحدثي مع والدتك، وأخبريها بأن قلبك بالمحبة والإخلاص لن ينضب أبدا حتى وأنت على ذمة رجل، حاولي إقناعها بأن من أبسط حقوقك أن تكون لك نفس تسكنين إليها فتهدأ روحك المعذّبة التي لم تعرف يوما الراحة أو السكينة.هروبك أختاه ليس بالحلّ لما أنت فيه من مشكل، والمواجهة هي أحسن ما يمكنك أن تقومي به، فلتضعي النقاط على الحروف مع والدتك ومع إخوتك ولتواجهيهم بحقك في الأخذ مقابل كل العطاء الذي منحته لهم، ولتتيقّني من أن مسعاك وإصرارك على نيل مبتغاك سيكلّل بالنجاح لا محال.الحياة ليست ألما وعذابا فحسب، بل هي أيضا فسحة من السعادة والأمل فلتعملي على تحقيق ما لك من أحلام ولتكون شمعة تملأ الدنيا نورا عوض الاحتراق لتنوير حياة الآخرين.
ردّت نور