أنا في الخمسينيات… ومن حولي لم يغفروا لي خطأ العشرينيات
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
سيدتي نور.. بقلم اليأس والشجن وفي قوقعة الاستسلام وانعدام الأمان؛ أخط لك رسالتي علني أجد حلاّ لما يؤرقني ويفقدني الهمّة ويحرمني الراحة والهناء، فصدّقيني إن قلت لك أن كل ما أقرؤه لك يوميا يزوّدني بالشجاعة والأمل في هذه الحياة التي باتت موحشة والمواصلة فيها أمر مستحيل..سيدتي.. لقد تردّدت كثيرا قبل أن أتجرّأ على البوح بهذا الشعور الغريب الذي يؤلمني؛ فألف شكر لك لأنك كسبت ثقتنا وتسلّلت إلى قلوبنا التي قهرها الزمن، فأنا سيدتي على الرغم من أني في العقد الخامس من العمر وعلى الرغم من أني سيدة متزوّجة وأم ناجحة والحمد لله؛ إلا أن المحيطين بي من الأهل والأقارب لم يغفروا ذنبا كنت قد اقترفته منذ ثلاثين سنة، نعم سيدتي.. منذ 30 سنة، ففي لحظة ضعف دعمها حب متبادل ارتكبت أكبر خطأ قد تقع فيه أية أنثى وكانت نتيجته أن وجدت نفسي حاملا وأنا عزباء، لكن الرجل الذي أحببت والذي كان معه الخطأ اعترف بذنبه وستر علي وما الستر إلا بالله، وتم الزفاف وأنجبت أولا أطفالي وأنجبت بعده 3 آخرين، ومحت الأيام تلك الذكرى المؤلمة بيني وبين زوجي؛ لكن المحيط الذي أعيش فيه ممن يعرفون بالحقيقة يأبون إلا تذكيري به واستفزازي بعبارات تسمّ البدن، وبات الذنب الذي اقترفت رواية تتوارث من جيل إلى آخر لدرجة أن ابنة أخ لي أصبحت تبعث بإيحاءات تقصدني بها وتطلقها كالسهام الجارحة التي تسيل دم قلبي ودموع عيني في عزلتي، فلن تصدقي سيدتي.. أني وفي كل مرّة أجتمع فيها مع أهلي أتجرّع من تلك المعاني كؤوس الألم حد الثمالة والتي أفقدتني الثقة والأمل معا، وحكمت عليّ بالمؤبد في سجن الأحزان، وبات الهروب والانعزال من نصيبي، فهل يعقل أن أتحمّل كل تلك المرارة بعد أن أصبح ابني في سن الزواج..؟، لا أنكر سيدتي أني أنعم بسعادة عارمة في عقر داري؛ فقد عوّضنا الله ورزقنا من فضله ما أعطاني الفرصة لمساعدة الكثيرين؛ وهذا ما زادهم غلا وحسداً وسوّلت لهم أنفسهم استفزازي والتلذّذ بأذيّتي، وهذا بالذات ما جعلني أحمل قلمي وأقاسمك همي فهلاّ أخذت بيدي وأنرت طريقي بحل يقودني إلى راحتي التي تهت عنها..؟
مقهورة من الشرق
الرّد:
سيدتي الفاضلة.. أشكرك في البداية جزيل الشكر لأنك فتحت قلبك لنا وصارحتنا بالألم الذي أراه يمزّق وجدانك وينغّص عليك أيامك، لكن اسمحي لي إن قلت أنك من زاد الطينة بلة بهروبك من خطإ أكل عليه الدهر وشرب..أقدّر جيدا الأمر الذي تمرّين به، لكن ليس لدرجة أن تسمحي لهم باستفزازك والإنقاص من همّتك؛ فأنت من عليه التصدّي لكل تلك التعليقات السخيفة؛ لكن ليس بعبارات مماثلة أو بقلّة أدب وإنما بتجاهل تلك التعليقات وبالابتسامة، حاولي أن تبادلي كل من أساء لك بأخلاقك الكريمة وبسيرتك الحسنة ليشعر كل فرد سوّلت له نفسه إيذائك وتذكيرك بالماضي بتأنيب الضمير حيالك، لكن إن أنت انسحبت وفضّلت الهروب تكوني بذلك قد فسحت لهم المجال للتمادي في التجريح في شرفك وتناقل حكايتك، أما إن أنت حاولت في كل مرّة فرض وجودك وتجاهل حديثهم فلن يضروك أبدا؛ لأن حضورك سيفتر من أهمية الموضوع ويصبح بلا صدى لدى المحيطين بك.. ثم لا تنسي أنه في هذه الحياة كما تدين تدان؛ فكانا معرض للخطإ ولا يوجد منا من هو معصوم، لهذا حاولي أن تتحدّثي مع ابنة أخيك وتفهميها بكل لباقة ولطف ما جرى لك لتعتبر منها وأن لا تستهزئ بأشياء سترها الله على عباده؛ لأنها مازالت في بداية الطريق، ولا تدري ما يخبؤه لها الزمن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، اسمحي لي أختاه إن قلت لك أن بدل التحسّس من كلام المحيطين بك اغتنمي كمل فرصة للتقرّب من الله وشكره لأنه سخّر لك الرجل الذي كان مخطئا وأصلحه في الوقت الذي تعاني فيه الكثيرات ممن غرهن الغرور مع وحوش آدمية تركوهن في وحل الفضيحة يتخبطن دون أن يدرين طريقهن إلى أين..؟، وهذا ما يلزمك أختاه أن تكوني دائما مرفوعة الرأس وسط أناس أعماهم الغلّ والحسد لا شغل لهم سوى ترصّد أخطاء الغير دون أن يدرون أنهم يرتكبون أكبر معصية نهى عليها الدين ألا وهي الوقوع في فخ النميمة.. ثم إياك وإياك أختاه أن تخبري زوجك بما تشعرين به وما تتلقينه من أولئك الناس من تعليقات وإلا تسبّبت في متاهات أخرى أنت في غنى عنها قد تهدّد استقرار بيتك وسكينته.حاولي أختاه أن تكوني واثقة من نفسك وقوية أكثر من ذي قبل؛ فأنا أرى أنه لا يوجد شيء يستحق أن تعزلي نفس عن المحيط الخارجي وأن تحبسي نفسك في قوقعة التفكير، أما إن تمادوا فاحتسبي أمرك لله فهو الخبير بما في القلوب وهو عزيز ذو انتقام، كان الله معك وزرع بينك وبين زوجك المحبة والسكينة والرضا إن شاء الله..
ردّت نور