إطارات، أساتذة، ومثقفون يستغلون الإقامات الجامعية مأوى لهم ويتسللون ليلا ويحتالون على الحراس ويأخذون صفة الطلبة : “إننا حراقة … على الطريقة الجزائرية”

إطارات، أساتذة، ومثقفون يستغلون الإقامات الجامعية مأوى لهم ويتسللون ليلا ويحتالون على الحراس ويأخذون صفة الطلبة : “إننا حراقة … على الطريقة الجزائرية”

الصحفيون وأساتذة الجامعة أكثر الفئات تواجدا:غلاء الشقق وضعف الدخل مع بُعد السكن العائلي أهم أسباب التوافد على الإقامات الجامعية

إطارات في شركات وطنية وأجنبية، مثقفون وأساتذة جامعيون، جاؤوا إلى العاصمة من جل المناطق الداخلية للوطن، من تمنراست وبشار جنوبا إلى المسيلة والجلفة، مرورا بسطيف وقسنطينة شرقا، وصولا إلى وهران ومعسكر غربا، هدفهم واحد، لقمة العيش والعمل الشريف، تاركين الأهل والأصحاب، ومصممين على ترك البطالة التي نخرت جسدهم وعكرت  تفكيرهم، بعدما ضاقوا ذرعا من مناطقهم بسبب البؤس والحرمان وعدم توفر وسائل الحياة الكريمة، وبالطبع فالوظيفة والشغل الشريف هو أكرم هذه الوسائل وأنبلها، فكانت الجزائر العاصمة حلمهم وجنتهم الموعودة وممرهم الوحيد نحو بناء مستقبلهم، لما تحمله من فرص حقيقية للعمل، باعتبارها (العاصمة) مركزا لأهم المؤسسات والشركات الخدماتية والصناعية العمومية منها والخاصة، أما إذا علمنا أن في جعبتهم شهادات ومستوى تعليمي رفيع فهي إذا فرصة مضمونة النجاح.

بعد الظفر بمنصب الشغل .. أين المأوى؟
أول من صادفناه ونحن نجري هذا الاستطلاع الميداني كان السيد “ح.م”، أستاذ مساعد بأحد معاهد جامعة الجزائر، من ولاية المسيلة، عرّفنا إليه أحد الزملاء يقطن بالإقامة الجامعية (طالب عبد الرحمان ) منذ 8 سنوات، أي السنة التي تحصل فيها على شهادة ماجستير في العلوم الاقتصادية والتسيير. تردد في بادئ الأمر عند تطرقنا معه لهذا الموضوع، ربما هو الخوف من المستقبل.. وربما الحرج وعزة النفس كانت هي الفاصل، لكن بعد جلسة شاي تم فيها ترطيب الجو، حيث دعانا إلى غرفته، لكنه طلب منا عدم ذكر الجناح ولا رقم الغرفة.
كانت الغرفة مميزة عن غرف الطلبة الآخرين من حيث التأثيث والترتيب الجيد للأدوات، حيث يوجد بها أربعة أسرة، جهاز كومبيوتر ومزينة بصور جميلة لآيات قرآنية وأخرى عن الطبيعة، تجعلك تحس بالارتياح.
سألناه في بادئ الأمر عن أصحاب الغرفة، فقال لنا “إنها لثلاثة طلبة من أبناء بلدتي، وأنا مستقر معهم منذ 3 سنوات”، موضحا لنا في سؤالنا عن أسباب مكوثه في الإقامة الجامعية طيلة 8 سنوات كاملة، أنه أخذ وقتا “كبيرا في التفكير والتخطيط لمستقبله بعد التخرج”، وحين أدرك أن المنطقة التي يقطنها لا توفر له المنصب الذي يتلاءم ومؤهلاته العلمية صمم على البقاء في العاصمة لكن المعضلة التي أرهقته بعد حصوله على وظيفة أستاذ مساعد هي “أين المأوى ، فكراء الشقق في العاصمة من المستحيلات لأصحاب الأموال فما بالك للفقراء أمثالنا، حيث نحصل على مستحقاتنا بعد نهاية الموسم الجامعي”. وحسب محدثنا دائما، فالحل الوحيد الذي وجده هو البقاء في الإقامة الجامعية “حتى يجعل الله لنا مخرجا”، على حد تعبيره.
وعن ظروف الإقامة، أجابنا بحسرة بادية على محياه “أشعر بالحرج الكبير عند مروري أمام أعوان الأمن، ويزداد حرجي عندما يتخرج الطلبة الذين أقطن عندهم، حيث أجد نفسي أتطفل على غرف الطلبة لأجد أحد أبناء منطقتي لعلي أكمل معه الموسم”.
وعن الفترات التي يراها محدثنا صعبة، أردف قائلا: “العطلة الصيفية هي الفترة الصعبة، لكني أطلب من أحد الطلبة تمديد غرفته إلى الفترة الصيفية بداعي المراجعة للامتحانات الاستدراكية، وهكذا فأنا في سعي دائم لتوفير المأوى على حساب التحصيل العلمي”.

الصحفيون وأساتذة الجامعة أكثر الفئات تواجدا بالإقامات الجامعية
لم نكن نتصور ونحن نجري هذا الاستطلاع أننا أمام ظاهرة فاقت كل التصورات؛ فالإقامات الجامعية التي زرناها، كـ(طالب عبد الرحمان) و(حيدرة)، وجدناها تعج “بالحراڤة على الطريقة الجزائرية”، حسب ما عبر لنا به أحد الصحفيين يقطن بالإقامة الجامعية (حيدرة وسط ) منذ 5 سنوات، بعد تخرجه من معهد علوم الإعلام والاتصال، وهو من ولاية سطيف، حيث أكد لنا بأنه يعرف عدد كبير من الصحفيين وأساتذة جامعيين يأخذون من الإقامات الجامعية مأوى لهم، موضحا في هذا الصدد بأنه لا يلوموهم “فالحاجة هي التي دفعتني وأمثالي إلى هذا المكان، وضعف الأجرة مع غياب مناصب العمل في ولاياتنا الداخلية هي سبب تزاحمنا على غرف الطلبة”.
وفيما يخص ظروف الإقامة وطريقة الدخول إليها، أوضح لنا محدثنا أنه لا فرق بينهم وبين تحركات “الحراڤ في أوروبا، حيث يتبعون أساليب واحتياطات كبيرة  بغرض عدم اكتشافهم والإحترازات التي نأخذها نحن لعدم كشفنا” خاتما حديثه معنا “الفرق أنهم خارج الوطن ونحن داخله”.

إطارات في شركات أجنبية .. يقطنون بالإقامات الجامعية
السيد (ت.ك) من ولاية بشار، متحصل على شهادة ماجستير في التجارة الدولية من جامعة الجزائر، يشتغل بشركة بنكية أجنبية منذ 3 سنوات، ويقطن بالإقامة الجامعية (طالب عبد الرحمان)، أكد لنا أنه رغم حصوله على”أجر لا بأس به من وظيفته، إلا أنه مسؤول على عائلة كبيرة في منطقته، وبالتالي “فغلاء الشقق والفنادق يفرض علينا أن نقطن في الإقامات الجامعية، مع يقيننا التام أنه ليس بالحل المجدي ولا الدائم، لكن الظروف هي التي تفرض علينا ذلك”، ختم كلامه.
“هذا هو الواقع المر الذي تعيشه فئة النخبة في المجتمع الجزائري”، بهذه العبارة صرح لنا أحد الأساتذة المقيمين في إقامة (حيدرة وسط)، مواصلا حديثه “يتحدثون عن هجرة الأدمغة وعدم وطنية الإطارات الأجنبية إلى الخارج ونحن نفترش الأرض وننام في غرفة بسيطة مع طلبتنا الذين يتفضلون علينا بأغطيتهم في بعض الأحيان”، متسائلا في نهاية حديثه “ماذا سيقول عنا الطلبة عندما نحدثهم عن الوطنية والتضحية وعدم الهجرة وهم يشاهدون أساتذتهم يوميا يستغفلون حراس الإقامة من أجل المبيت، وأيُ مبيت ؟!”.. هكذا ختم حديثه، تاركا التساؤل مطروحا “إلى من يهمه الأمر”، وطالبا توفير الشروط الملائمة، وخاصة المأوى، لإطارات البلاد الذين يقطنون العاصمة، وعدم تعريضهم للإهانة في إقامات الطلبة.           
تجدر الإشارة إلى أن بعض الطلبة صرحوا لـ”النهار” أن مجموعة من عمال إحدى الإقامات الجامعية التي زرناها  يقطنون مع عائلاتهم في أجنحة خاصة بالطلبة، حيث حوّلوا مجموعة من الغرف خاصة السفلية منها إلى سكن وظيفي،  وهذا منذ فترة زمنية ليست بالقصيرة، في حين يجد الطلبة الجامعيون مشاكل جمة في الظفر ولو بسرير مع بداية كل موسم جامعي، وهذا حديث آخر.  


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة