إطارات يأكلون اللحوم المجمدة…وفقراء يدلّلون أنفسهم في اليوم الأول فقط

إطارات يأكلون اللحوم المجمدة…وفقراء يدلّلون أنفسهم في اليوم الأول فقط

مداخيلهم تبقى عاجزة عن اقتناء الطازج

في ظل غلاء أسعار اللحوم الطازجة يجد المواطن ضالته في المجمدة منها، التي تكون منقذه في هذا الشهر الذي يعتمد في أطباقه على اللحم غالبا، إضافة إلى كون الصيام يوما كاملا يتطلب تغذية الجسم بالبروتينات حتى يقوى على النشاط. وإن كان الشائع أن الفقراء هم من يقدمون على هذا النوع من اللحوم، فإن الجولة التي قادتنا إلى بعض محلات بيع اللحوم المجمدة كشفت لنا عن حقائق عدة…
 
محلات شبه خالية من الزبائن..و”السوق ميتة”

قصدنا أحد أكبر محلات بيع اللحوم المجمدة بباب الواد، والذي يوظف قرابة عشرة عمال قصد التحكم في عملية البيع، كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الزوال، إنه الوقت المناسب لاقتناء هذه المادة، ولم نكن نتوقع أن نحظى بفرصة التحدث إلى الباعة أو حتى الزبائن لكثرة هؤلاء، لكننا عند دخولنا تفاجأنا بالمحل وهو شبه خال، بل إننا التقينا سيدة خارجة منه وقد بدت أشبه بفقير فرضت عليه غرامة جزافية دفع فيها صاغرا آخر ما يملك.
وفي الوقت الذي اخترنا هذا المحل من أجل التحدث إلى بعض المواطنين، وجدنا أنفسنا أمام جمع من الباعة ولا زبون واحد، وما كان علينا إلاّ أن نستفسر، حينما سألنا أحدهم عن مدى إقبال الزبائن على هذا النوع من اللحوم مقارنة بباقي أيام السنة، أجاب بإجابة بائع لحوم مجمد على سؤال صحفي “نعم الإقبال كبير جدا ..”، لكن حالة المحل الخالي لم تكن توحي بذلك، فسألناه عن الوقت الذي يعرف هذا الإقبال المكثف للزبائن فقال إنه بدأ من الساعة الثانية زوالا، وبعد الحديث معهم بعض الوقت، تدخل بائع آخر أكبر سنا، قائلا” في الحقيقة لقد تراجع الإقبال على اللحوم المجمدة مقارنة بالماضي،..انظروا المحل فارغ ..”، مشيرا إلى أن الإقبال كان فقط في اليوم الأول من رمضان، حيث يقول آخر “نعم الإقبال كان حقا قياسيا في اليوم الأول” الشيء نفسه بالنسبة لباقي المحلات المجاورة ذات النشاط المماثل، أما العثور على الزبائن، فقد تطلّب منا وقتا طويلا قضيناه في اللفّ على المحلات لعدة مرات لاقتناص زبون يدخل أحدها ..

“الزوالي” يدلّل نفسه في اليوم الأول فقط بالمجمد

“الإقبال في اليوم الأول والعزوف مباشرة في اليوم الثاني” قناعة أثارها كل من تحدثنا إليهم من باعة، ومفادها أن “الزوالي يدلل نفسه” في اليوم الأول باللحم الذي لا يقوى إلا على ثمن المجمد منه، لكنه يستسلم بعدها للظروف المادية التي تحكم على مائدته بمقاطعة اللحم لباقي الأيام، مردّ ذلك – يقول محدثونا – هو الظروف الاجتماعية القاسية، حيث يحتم الراتب على متوسطي ومحدودي الدخل الاستغاثة باللحوم المجمدة، التي لا يمكن أن يقتنوها طيلة الشهر، فأثمانها هي الأخرى ليست في متناول الفقراء، حيث يبلغ ثمن الكيلوغرام الواحد منها بين 450 و500 دينار، في الوقت الذي تعتمد أغلب الأطباق الخاصة بشهر رمضان على اللحم بشكل رئيسي، يقول عمّي “الزبير” إنه مبلغ يحسب له الفقير ألف حساب، وليس من السهل التضحية به يوميا، ويقول أحد باعة اللّحوم وهو عامل فقط، إنه يتقاضى راتبا قدره 15000دج، إنه لا يأكل اللحم الطازج الذي يسجل سعرا يتراوح بين الـ 550 و 650دج إلاّ في عيد الأضحى المبارك، حينما يتفضل عليه الجيران بالبعض من أضحيتهم، مؤكدا أنه حتى اللحم المجمد لا يستطيع اقتناءه، فراتبه لا يكفي لإعالة أسرة مشكلة من 6 أفراد، ضف إلى ذلك التحضير للعيد والدخول المدرسي، وما يتطلبانه من مصاريف.

إطارات يستغيثون باللحوم المجمدة طيلة الشهر!

ونحن عند أحد باعة اللحوم المجمدة داخل سوق الثلاث ساعات بباب الواد، جاء زبون اقتنى ما قيمته 100دج من اللحم المفروم، قبل أن يقدمه لنا صاحب المحل الذي قال إنه أحد زبائنه الدائمين، مردفا “انظروا إنه إطار بقطاع التعليم ولا يقدر على شراء اللحم الطازج”، هذا الإطار الذي شعر بخجل شديد امتنع معه عن الكلام، قال إنه مدير مؤسسة إكمالية، لكننا حينما حاولنا التحدث إليه عن سبب اقتنائه لهذه اللحوم، قال إنها ذات الأسباب التي تدفع بباقي المواطنين لذلك، قائلا “إنه علينا أن نسأل المسؤولين لا المواطن، وإنه علينا البحث عن الإجابات هناك في أجهزة السلطة، وليس هنا بين الفقراء لأنهم يجهلون الأسباب، ولا يملكون إجابات”.
كلام هذا الزبون الإطار جعلنا نسأل الباعة عن طبيعة زبائنهم إن كانوا من البسطاء، حيث أكد لنا أنه يقصدهم حتى الإطارات في قطاعات عدة، لأن محدودية الدخل وكثرة أفراد العائلة، هي العوامل التي تتحكم في نوعية اللحم المقتنى. وحتى الأسماك، فالجمبري المجمد يقول الباعة إنه يسجل معدلات جيدة في بيعه.

نقص الأسماك الطازجة..يدفع إلى استهلاك المجمدة

اقتناء المجمّد لم يتوقف على اللحوم فقط، بل تعداها إلى الأسماك بأنواعها، والتي قال أحد الباعة إن الطلب متزايد عليها، نظرا لأثمانها المعقولة، مقارنة بالطازجة منها، فالجمبري مثلا يبلغ 400دج، في الوقت الذي التهب ثمن الطازج منه إلى 1200دج بعد أن كان قبل رمضان يقدر بـ 800دج، الشيء الذي وقفنا عليه بمحيط سوق الثلاث ساعات، بالمكان المخصص لبيع الأسماك الطازجة، حيث أكد لنا الباعة أن ارتفاع الأسعار مردّه إلى نقص هذه السلع، التي يتحكم فيها الصيادون، الذين-يضيف محدثنا- قلّلوا من خرجات الصيد قصد فرض الأسعار التي يريدونها، في ظل توفر كمية محدودة، أما عن السردين فهو مفقود تماما -يقول الباعة – بسبب نقص الطلب عليه خلال شهر رمضان، فلا يغامرون بجلبه، إضافة إلى أن المشكل دائما يصنعه الصيادون، الذين عزفوا من جهتهم عن جلبه لذات الأسباب.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة