التعددية والسنن الإجتماعية

التعددية والسنن الإجتماعية

أجمل الحدائق تلك التي تتعدد فيها أنواع الزهور. والحديقة إذا تشكلت من لون واحد من ألوان الزهور لا يمكن لها أن تنافس الحدائق الأخرى

التي تتناغم فيها ألوان كثيرة وجميلة. المجتمعات العربية تموج بالتعددية لأن الله تعالى خلق الناس وأعطاهم حرية الاختيار بحكمته، وأقام الدين كله على الحرية، حتى أنه لا يقبل إسلام من شخص مكره. لكن مجتمعاتنا تعاني معاناة شديدة بسبب عدم تقبلها الرسمي لهذه التعددية وبسبب انخراط كثير من القوى المؤثرة فيها في مشاريع واستراتيجيات لا هدف لها إلا مصادرة هذه التعددية وكبتها وخنقها في المهد.

يبدو أحيانا أننا نعيش في مجتمعات تصارع السنن والقوانين الاجتماعية التي وضعها الخالق سبحانه لهذا الكون وهي سنن وقوانين تعترف بالتعددية وبالتدافع وتؤكد بعبارات صريحة وقاطعة أن الله تعالى خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا.

لا شك أن الأجيال العربية المسلمة التي تصنع تاريخها في هذا القرن الهجري الخامس عشر وفي بدايات القرن الميلادي الحادي والعشرين أصبحت اليوم أكثر وعيا بقيمة التعددية وبارتباط التعددية بكرامة الإنسان وحقه في الاختلاف من دون أن يدفع ضريبة باهظة بسبب هذا الاختلاف. لكن هذا الوعي مازال غير قادر على أن يؤثر على حركة الدولة العربية المعاصرة تأثيرا جوهريا بالدرجة التي تجعل الدولة في خدمة المجتمع الحر ولا تجعل المجتمع مملوكا وأسيرا للدولة المتسلطة والمتسلحة بأشد أدوات القهر والإخضاع فاعلية وفتكا.

لنفترض حسن النية في الجميع، وعندئذ سنسمع صوت القائمين على الدولة الحديثة المتسلطة ناصعا وقويا يخبرنا بأن القصد نبيل وشريف ولا يتعدى تحديث المجتمع وتطويره وتحقيق رفاهيته وازدهاره. وبما أن القصد جميل، والغاية نبيلة، فإن من حق أصحاب هذا القصد وهذه الغاية أن يلقوا التفهم من الناس وأن تلتمس لهم الأعذار إذا بدت الوسائل عنيفة وقاسية في بعض الأحيان، أو حتى في كثير من الأحيان. ويتعلل أنصار هذا الطرح أيضا بأن الذين يعارضونهم ليسوا في الغالب أكثر سماحة وديمقراطية منهم، وأن الدولة لو آلت الى هؤلاء المعارضين لاستخدموها في نهج تسلطي أشد وطأة وقسوة من الوضع القائم حاليا.

ربما كان هذا المنطق قابلا للتسويق بطريقة أفضل في النصف الثاني من القرن العشرين، لكن مستوى الوعي الذي وصلت اليه الشعوب العربية والإسلامية في الوقت الراهن يجعلها لا تقبل ولا تحتمل منطق الدولة الوصية المتسلطة. ومن هنا يتفاقم عنف الدولة ويشتد، وتشتد معاناة المجتمع، وتهدر طاقات كبيرة في مجتمعاتنا، ويشقى أناس كثيرون وتصبح دولنا كيانات ضعيفة مريضة يطمع فيها الطامعون ويخفت فيها صوت التجديد والإبداع.

لا ينبغي إلقاء كل المسؤولية فيما تعانيه مجتمعاتنا العربية المعاصرة من عنف وفوضى وتخلف على النخب الحاكمة. فهذه النخب لم تستورد من الخارج وليست معزولة بالكامل عن البيئة الفكرية والثقافية والسياسية لمجتمعاتها. ومن هنا يجب البحث في أسس هذه البيئة وفي العناصر الرئيسية المؤثرة فيها، ويجب دفع الحوار بعدئذ بروح واقعية وبناءة من أجل ادماج الجميع في مسار جديد يبنى على التسليم بأن عدم الاعتراف بالتعددية الفكرية والسياسية القائمة في مجتمعاتنا سيؤدي الى المزيد من العنف والفوضى والفقر، وربما يقود عمليا الى أن يعيد التاريخ نفسه وتظهر دورة استعمارية جديدة تهيمن على المجتمعات العربية تحت شعارات العمل لتهيئتها لتقبل الديمقراطية وقواعد الحكم الصالح الرشيد.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة