إعــــلانات

الحراڤـة.. مأساةُ رُحَّلِ المتوسط !

الحراڤـة.. مأساةُ رُحَّلِ المتوسط !

هم رحلٌ بدون تأشيرة، اختاروا شق طريق البحر بحثا عن حياة أفضل وواقع أجمل حسب الإعتقاد السائد، إلا أن عنوان النهايات كان في الغالب واحد، عنوانٌ يتكرر بين قصة وأخرى” تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن”، هو ما تختصره قصصُ الهجرة غير الشرعية، أو الهجرة السرية أو “الحرڤة” كما يسمونها بالبلدان المطلة على البحر الأبيض المتوسط، أما بالجزائر فتشابُهها كان إيقاعًا واحدا على مرِّ عقدين من الزمن، أي منذ نهاية مأساة العشرية السوداء التي ضاعفت أعداد المهاجرين غير الشرعيين إلى أزمة كورونا التي ساهمت بشكل أو بآخر في الحدِّ من هذه الأرقام المخيفة.

نعم كانت أزمة الحرقة مأساة بين مأساة وآخرى، ترددتْ خلفه مآسي عشرات العائلات التي اشتغلتُ معها كصحفي مُصور على شواطئ مختلفة من الساحل الشرقي للعاصمة، إيقاعٌ يحمل الكثير والكثير، قبل أن يعود صداه خلف رناتِ هاتفٍ مستعدٌ صاحبُه أن يتصل بك عشرات المرات، فقط ليسأل هل من جديد! بالمقابل تتصدر تقارير المنظمات الحقوقية وبياناتها الصحفية واجهات المجلات والمواقع الإخبارية، فأعداد المهاجرين السريين نحو أوروبا، تُظهر لكل مُطّلع جديد على الموضوع، أن هذا الترحال ترحالٌ وراثيٌ يسري في عروق الساكنة المطلة على المتوسط، قبل أن ينتقل إلى المدن الداخلية بدرجات أقلّ.

فحسب تقارير صحفية عن منظمات حقوقية سجلت الجزائر خلال سنتين رقما قياسا في عدد المهاجرين الذين عبروا المتوسط منذ تفشي الظاهرة المأساة مطلع الألفية الجديدة، أعداد كبيرة مقارنة بعدد الأشخاص المتواجدين في مراكز تجميع المهاجرين على الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط والمقدر عددهم بـ 177 ألفا و700 شخص حسب تقرير رابطة حقوق الإنسان بالجزائر، وهو التقرير المستند إلى شكاوي وشهادات عائلات جزائرية وتقارير منظمات حقوقية أخرى، من غير احتساب أعداد المهاجرين الذين تم توقيفهم من طرف قوات خفر السواحل خلال الأربع السنوات الأخيرة قبل عبورهم المتوسط، والذين تختصرهم  9 ألاف و 753 محاولة هجرة غير شرعية تم إحباطها وربما أكثر من ذلك بكثير، بالعودة إلى التقرير المخيف للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان ولمحة سطحية على الأرقام الأخيرة وجدنا أنه من بين الموقوفين خلال العام المنصرم 287 امرأة جزائرية حاولن الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط، اخترن القيام بالمغامرة قبل أن يقعن في شباك حرس السواحل، وبحجمٍ أكبر أيضا 1126 قاصرا صنعوا المفارقة مابين سنة 2018 والعام 2019 حسب تقارير أمنية رسمية.

وكما يعلم الجميع أن الجزائر شهدت حراكا شعبيا كبيرا في الثاني والعشرين من فيفري 2019 كان هذا الأخير نقطة إيجابية لصالح الشباب الذين آمنوا على الأرجح بالتغيير وضرورة تأجيل عشرات الرحلات إلى إشعار آخر أو إلغائها دون العودة إلى التفكير فيها، أمرٌ ما كان ليحدث في وقت أجبرت الظروف الإجتماعية وبعضا من الأسباب التي سنستخلصها في تتمة القصة ألاف الشباب على اختيار البحر مناصفةً بين الوصول إلى الضفة الأخرى أو الموت غرقا دون عودة.

أبناء البحر

محمد عبد الرحماني، شيخ في العقد السابع من عمره، وجدته قبل أشهر على ضفة من ضفاف المتوسط، يرقب الأمواج وتقلبها، قبل أن يتيه في تتبع قارب صيد صغير، أو صيّاد يحمل بين يديه صنارة من قصبٍ، يرفعها من الحين إلى الآخر ينظر هل حصدت شيئا أم لا، تماما كما ارتداد بصره بين الأمواج والقوارب البعيدة، يقول أنه هنا ليرى مكان مغادرة ابنه رابح المختفي خلف هذا المجهول اللامتناهي لما بعد مد البصر، منذ أن ركب الشاب رابح رفقة 14 شخصا البحر، يرقبون الشاطئ منذ نعومة أظافرهم، يتغزلون بأحلام الضفة الأخرى التي يعتقدون أنها لا تشبه هذه الضفة التي يطلون عليها.

مدينةٌ ساحليةٌ وقطعةٌ ناذرةٌ من قِطع المتوسط الجميلة هي دلس، المدينة التي يقطن بها رابح، يرافقه في الرحلة خمسة من سكان مدينته وسبعة آخرين من مدينة ساحلية أخرى غربي ولاية تيزي وزو “أزفون”، بالإضافة إلى ثلاثة أشخاص من باب الوادي بالعاصمة، كلهم أبناء مدن ساحلية، كان هذا أبرز ما تشكّل بمخيلتي حين سمعت والد الشاب رابح يقول أن  كل المشاركين ولده في الرحلة هم أبناء البحر، بل وأبناء مدن سياحية، يضيف محدثي أن ابنه رابح كان ميسور الحال لا يُرد له طلب ولا يُحرم من مال ولا غاية، يطلب مائة يأخذ مائتين، ويطلب المائتين يأخذ الأربعمائة، الملابس تأتيه تحت الطلب من فرنسا وغيرها من الإمتيازات التي سردها محمد، ابن جاره مصطفى هو الآخر شاب درس وتدرج حتى تخرج، لكنه لم يفتح باب المنزل يوما وهو يهُمُّ بالخروج نحو العمل راضيا على حاله، إنما لما فتحه يائسا من واقعه فتحه دون رجعة نحو المجهول، كل الأبواب التي طرقها من قبل، رغم مؤهلاته العلمية أُوصدت في وجهه، كاد يتغلب على مشاعره حين توسلته أمه بالعدول عن فكرته، غير أنه قرر أخيرا المغامرة، ورحل دون ترك أي أثر، يقول والده أنه كان يلمح مشاعره المتغيرة ولكن ما باليد حيلة،  قبل أن أعي جدا بعد حديثي لعلائلات أخرى أنهم شباب ركبوا الأمواج لأسباب مختلفة، كان والد الشاب رابح قد قال لي أن ابنه لا يعرف المرافقين له باستثناء أبناء مدينته، فهمت أيضا أن الذي جمع هؤلاء هو قارب خشبي واحد قبل أن تجتمع عائلاتهم على مأساة واحدة، يطالبون عبر وسائل الإعلام مساعدة الدولة وتحركها لتقصّي وتحرّي أخبار أبنائهم، وانتشالها من بين عشرات الإشاعات، والقصص الوهمية التي تنتشر بين أهالي المنطقة انتشار النار في الهشيم.

حكم بالوفاة

قصة حراقة دلس، القضية اللّغز تزاحمت أخبارها بين الجرائد والمجلات وحتى الشاشات التلفزيونية، كما تتزاحمِ الأسرار والإشاعات على ألسن أهالي المفقودين وجيرانهم وبعضا من أبناء المنطقة، وحتى غيرها، الشكُّ ران على قلوبهم حتى استيئسوا من كل خبر يلوح ثم يختفى قبل أن يوثقوا التشبث بخيوطه الرفيعة، أو قبل أن يظهر خيط إشاعة أخرى، يصيحون نحو الضفة الأخرى.. لا صدى، يتساءلون أمام السلطات لا خبر، يتحسسون في الجوار دون جدوى، مرّ عام بأيامه ولياليه، بغيابه الموحش وحضوره اليائس، مرّ عام أحيت العائلات ذكراه بصلاة الغائب، قبل طيّ الملف ظاهريا، نعم تقليد تقوم به العائلات عندنا عن كل غائب لا يظهر له أثر خلال ثلاثمائة وخمس وستين يوما، حزنت كثيرا لأجلهم ولأجل أنهم فضلوا وضع حجر النهاية لقصة كانت من أغرب القصص التي اطلعت عليها دون الوصول إلى نتيجة مقنعة.

سمسرة بحرية

تصنف الدول والحكومات المتوسطية ظاهرة الحرقة على أنها تجارة بالبشر لما تعود على أصحاب الرحلات البحرية من أموال ضخمة تختصر عليهم الطريق لربح سريع لا يمكنهم جنيه من موارد أخرى، يكون فيها التلاعب بعقول الشباب عنوانا رئيسا، كما لجني المال غاية ومقصدا واحدا، لكن في الحقيقة ليس هذا هو الوجه الحقيقي لتجارة البشر خلف سراب سفن لا يعرف راكبوها محطتها الأولى، فحسب تقارير دولية لمنظمات حقوقية عثرتُ على معلومات مفادها أن كل قارب موت يتم إنقاذ من عليه من الغرق أو الموت المؤكد هو عرضة لتجارة رابحة، تكون فيها أعضاء الشباب مادة دسمة توفر أموال ضخمة لسماسرة المتوسط، تجار بشر غير عاديين يقومون باغتصاب وهتك أعضاء كل حراق أسدل الستار على رحلته البحرية ونقله نحو الضفة الأخرى، لكن ليس نقلا كالذي كان يحلم به وهو يدفع مبلغا من المال لا ينزل في بورصة أصحاب القوارب عن 400 ألف دينار جزائري، هؤلاء الأشخاص الذين فشلوا في بلوغ الضفة الأخرى سيصلون إليها في زمن قياسي، لكن ليس أجسادا كاملة وإنما قطعا وأعضاءَ متفرقة يتم نقلها بالتقسيط نحو أوروبا قبل التخلص من بقايا الجسد التي لن تخرج إلى الياسبة إلا بعد تعفنٍ متقدم، صورة تعبر عن أعتى استغلال للبشر، زبائن الموت فوق مياه البحر الأبيض المتوسط، الأدهى أن ذلك يكون بالتعاون مع مخابر صحية سرية بالقارة العجوز حسب قناة أوكرانية تحدثت في تحقيق مطوّل لها عن استغلال عشرات الحراقة كفئران تجارب بعيدا عن رقابة قوانين الحرية والحقوق والإنسانية.

مثل هذه التقارير الصحفية كانت صفعة شديدة لعشرات العائلات التي تلمّست في الإشاعات شيئا من الأمل، قبل أن تلزمها التقارير الصادمة بنهاية حزينة، إذ أنه وصبيحة الخميس 24 جوان العام 2019، شاب جزائري من ولاية بومرداس قادم من سجون الشقيقة تونس، تحسست في عودته جميع العائلات الجزائرية التي ترقب ظهور أبناءها المختفين في عرض البحر أخبارا عن أبنائها، لو لا أن الشاب لم يكن  يحمل في تفكيره سوى البحث عن عائلتين فقط لم يعثر عنها إلا بعد جهد كبير، وما كان ذلك إلا عن موعدة وعدها أبناء هذه العائلات التي تفتقد أبنائها منذ سنوات، تماما قصتها صورة طبق الأصل عن ما حدثتكم عنه آنفا، فكانت عودته تأكيدا لبعض الإشاعات التي تقول أن عشرات الحراقة الجزائريين محبوسين خلف القضبان التونسية، بالمقابل يجب أن نضع تصريح  الرئيس التونسي الذي نفى نفيا قاطعا وجود أي مهاجر جزائري غير شرعي بالسجون التونسية على هامش زيارته إلى الجزائر، ما استدعاني إلى لقاء الشاب وتقصي الحقيقة التي يبحث عنها الجميع عبر وسائل الإعلام.

 

من الحدائق إلى السجون

قصة جديدة من قصص هؤلاء، اطلعت عليها حين التقيت بالشاب سعيد صلاح الدين، الذي توقعت اطلاعه على قصة شباب دلس، بعد أنباء عن وجود الشباب المفقودين بسجون تونس، فرغم نفي الرئيس التونسي، كان سعيد عيني التي دخلت السجون التونسية بأيامها ولياليها، وهو يرتب فصول قصة حزينة، خلف بعض الصخور الصخرية بشاطئ باب الواد، يقول أنه وبعد هجرة غير شرعية إلى إيطاليا، عبر الجارة الشرقية تونس، وجد نفسه في قبضة الشرطة الإيطالية بحدائق مدينة “جونوفا” ليتم ترحيله إلى تونس على اعتبار أنه البلد الذي سافر عبره إلى إيطاليا، دون توقيع تاريخ الخروج منه نحو الجزائر، من عدلية مدينة حلق الواد إلى المحكمة الإبتدائية بتونس العاصمة، النهاية السجن المدني بالمرناقية وهناك بدأت رحلة أخرى للتفكير في مجهول أكثر تعقيدا من سابقه، استقبال الضيوف الجدد بهذا السجن يخضع لمراحل إجبارية، اليوم الأول مبيتٌ في صالة كبيرة حتى إتمام الإجراءات القانونية والإحترازية، من أخذ البصمات وتصوير الوجوه، إلى حلاقة خاصة بالسجناء وكذا أخذ دواء خاص بالقمل والبراغيث بعد استحمام خاص.

يقول محدثي، بعد إتمام الإجراءات اللازمة، تم أخذي إلى صالة تحمل الرقم 5 أ وهناك كانت صدفة أخرى للشاب سعيد الذي التقى شابين جزائريين بالصالة التي نزل فيها ليعلو هامش الصدفة أكثر، حين اكتشف أن الشابين يشتركان معه في قضية واحدة، تهمة الهجرة غير الشرعية نحو الضفة الأخرى، لم تكتمل مشاهدها لتُكيف على أنها قضية إرهاب بموجب القانون التونسي، الذي يصنف كل داخل للتراب التونسي جوا أو برا وحتى بحرا دون وثائق رسمية تبرر سفره بالإرهابيين، لكن الشابين ليسا وحدهما من يقبعان في السجون التونسية مثل سعيد الذي تم ترحيله.

للشابين قصة مختلفة تماما، رغم أنها تشترك مع قصة سعيد في مربط الفرس، الشابين رفقة 13 شابا آخر يقبعون جميعا بسجن المرناقية غربي العاصمة التونسية، حسب رواية سعيد، شباب اختاروا تاريخ 25 سبتمبر 2017 تاريخ أكبر عملية هجرة سرية باتجاه إسبانيا، 11 قاربا خشبيا، لكنهم بعرض المتوسط تخلف قارب الشابين حميد ومحمد عن القافلة التي قيل لنا أنها تفرقت، وحطت قواربها فرادى بمختلف المدن الساحلية لإسبانيا، الحظ لم يحالف القارب المتخلف ليصل غاية راكبيه، فالعطب الذي أصابه قدمه على طبق للرياح تعبث به كيفما تشاء قبل أن ترسو به شرقا غرب مدينة طبرقة التونسية، ومنذ ذلك الحين يغازل 15 شابا الحرية خلف جدران متفرقة، أبت أن تجتمع وجوههم فيها، لولا ضرورة الأقدار وعبث القوانين والإجراءات، متهمون بالإرهاب حسب القانون التونسي وفرادى يعانون الإرهاب أنفسهم داخل زنازين متفرقة، ومشتة معفى كل واحد فيهم من حقوقه طيلة 14 شهرا، إلى غاية التحقيق وإثباث هويته وجنسيته، وإلا فالإعفاء حتميٌّ مدى الحياة، الحديث الذي يدور بين هذين الشابين وسعيد لا يعدو سوى أن يكون أسباب اختيار الهجرة نحو أوروبا، الجنة الموعودة في قاموس الشباب الذين لو دققت في أصولهم لوجدتهم شباب يعيشون بالمدن الساحلية يرقبون أمواج البحر يوميا، يغازلون أصوتها من حين لآخر، وهم يتسامرون خلف شواطئها المحروسة وغير المحروسة، شباب لا يجدون حرجا في الهمس لهذه الأمواج ليلا والغناء لها نهارا جهارا، في الجزائر عشرات الأغاني الشبانية تتخذ من الحرقة موضوعاتها في الشوارع، في الساحات، في ملاعب الكرة، وفي أزقة هذه الأحياء الشعبية.

خريجو الجامعات.. زبائن الموت !

الهجرة التي سلبت عقول مئات الشباب البطال، لم تقتصر على هذه الفئة فقط، بل خريجي الجامعات بدرجات متفاوتة، إذ يُغامر الألاف منهم ممن لم يُسعفهم الحظ في الحصول على فرصة وظيفة محترمة، هذه الأخيرة، لم تمنع أيضا فئة أخرى من اختيار البحر طريقا مجهولا نحو الضفة الأخرى، أو التفكير في ذلك كأضعف الإيمان، قد نعجب لهذا، لكن أغلب الشباب المبحر عبر النت اليوم في الجزائر هو فريسة وحيدة، أمام إغراءات رواد مواقع التواصل الإجتماعي، أما البعض ممن يصعب على شبكة النت اصطيادهم فهم يفضلون المغامرة، على الواقع المزري الذي يعيشونه، هذه الحياة التي يهرب منها هؤلاء الشباب ما بين سن الخامسة عشر والثلاثين، وفي الغالب أكثر وأبعد، وجدوا أنفسهم يعيشون تفاصيلها بدرجات أكبر تعقيدا بين هذه الصالات المكتظة بالمساجين والمهاجرين والإرهابيين والمجرمين، بدل الوصول إلى جزيرة الأحلام التي يرسمها الجميع، كلٌ على قدر خياله واتساع ثقافته الشخصية.

قاطعت صديقنا بسؤال فتوقف ثم أردف قائلا بعد آهات قصيرة : سجن المرناقية، ميزيرة (كلمة دارجة تعبر عن أعتى مظاهر الفقر والحرمان) يضيف لها كلمة “كبيرة”، ضيق واكتظاظ، ما يزيد عن مائة سجين في كل صالة من صالاته الضيقة، لكنها بضيقها الكبير اتسعت لكل أنواع الشرور من مرض ويأس ومعاناة ونقص في الأكل والماء والدواء وحتى الهواء، زد على ذلك المعاملة السيئة التي نتلقاها من الحراس المكلفين بضخ المزيد من التضييق على السجناء، أحوالهم التي كانت صورة طبق الأصل لبعضها البعض، الحمد لله أنني استطعت الخروج من هناك، كما يتم إخراج الشعرة من العجين، صديقاي أحمد ومحمد حاملا على كتفي وصيتهما التي أقسمنا أننا نتشاركها جميعا ” وهي أن من يخرج أولا يبحث عن عائلات الآخرين ويخبرهم بوجودهم داخل السجن “، بحثت طويلا حتى وجدت عائلات الشابين الذين كانوا تحت الصدمة بعد أن علموا بحقيقة من كانوا يعتقدون رحيلهم إلى الأبد، وكأنني أشعلت فتيل نار بدأت تنطفئ جمراتها تدريجيا، بعد عام و أشهر من الغياب هاهم يرقبونني أملا ومسلكا للوصول إلى أبناءهم رغم أنهم كانوا يسمعون بشيء من هذا القبيل غير أن الأمر لم يتأكد قط ولا يمكن بناء أمل على إشاعات عابرة..

تركت سعيد وكُلي أمل أن أحصل على رواية تطابق ما قاله، وقصة أهالي الضحايا حتى أجزم بصدق صحة روايته، وأنظر في حالاتهم الإجتماعية وأسباب اختيارهم هذا النفق المجهول، إلتقيت عائلتين من عائلات قارب الـ 25 من  سبتمبر 2017، يقول أخ أحد المسجونين أن الرحلة التي كانت متجهة نحو إسبانيا وصلت كل قواربها إلى الضفة الأخرى متفرقة، باستثناء قارب واحد كان يقلّ أخاه ومجموعة من أقرانه الشباب الذين وجدوا أنفسهم في أيدي خفر السواحل التونسية على مقربة من الحدود الجزائرية الشرقية، يقول بعد أن علمنا في الصباح برحيل أخي اتصلنا به هاتفيا، كان هناك رنين للهاتف لكن الإتصال انقطع قبل أن نحصل على تجاوب.. بعدها بثمان أيام رنّ الهاتف مرة أخرى قبل أن نسجل انقطاعا تاما انقطعت معه أمالنا إلى غاية ظهور الشاب سعيد صلاح الدين، يضيف أنه تنقل إلى تونس يقصُّ أخاه لكنه لم يحصل على أي معلومة رسمية سوى تلميحات من الحراس أن بعض المساجين الإرهابيين موجودين حقيقة خلف أسوار سجن المرناقية ولأنهم قانونيا إرهابيين لا يمكن رؤيتهم ولا الحديث إليهم، أما حديثي له فانتهى بمناشدة الوصاية للتواصل مرة أخرى مع السلطات التونسية.

المناشدة نفسها تكررت مع والد شاب آخر من عائلة أخرى يقول عزيز إبني ذهب في 2017، لا توجد معلومات منذ ذلك الحين ولما حصلنا على معلومات وجودهم بسجون تونس وأن القضية كُيّفت قضية إرهابية لا نأكل ولا نشرب، يسترسل، إبني درس وحصل على الشهادة لكن أبواب العمل أُوصدت في وجهه، بحث طويلا ولكن بداعي غياب الخبرة، لا فرصة، الخبرة التي لن يحصل عليها دون عمل، والعمل نفسه لن يكون دون خبرة مفارقة أنهت مصيره في محل لطلاء السيارات، كان يأخذ 400 دج في اليوم، ولهذا قرر الرحيل، رحل ولم يخبر أحدا.

حتمية الواقع

في النهاية وعكس ما يروّج عن تزايد رحلات الموت بسبب الأوضاع الإجتماعية والبطالة والحرمان، يربط خبراء الإجتماع في الجزائر ظاهرة الحرقة بنفسيات الشباب وتطلعاتهم وميولاتهم وحتى تأثير مواقع التواصل الإجتماعي على روادها بمختلف الفئات العمرية خاصة الشباب القُصر وكذا البالغين، سيما في خضم هذه الأزمات التي تعصف بالمجتمع الجزائري من حين لآخر، ولأن الواقع الجزائري وما سجله من أرقام لهذه الظاهرة خلال عشرين سنة الأخيرة لم يُسجل خلال عشرية سوداء مليئة باليأس والحرب نظيرها ولا أقل منها، دون أن ننسى أنه وفي ذلك الحين كانت الدول الأوروبية مبسوطة حدودها للجزائريين وبدون تأشيرات ولا إجراءات إدارية معقدة كما هو الحال اليوم، حتميةٌ تضع الرُحّل الذين ركبوا هذا المتوسط في كفة إغراءات وراثية تتزايد ملذاتها عام بعد آخر.