الحرية والقبول بحق الإختلاف

الحرية والقبول بحق الإختلاف

كلما رأيت ضيق النخب العربية بعضها ببعض. كلما قرأت لمتشدد من اليمين وآخر من اليسار. كلما تأملت الموقف السلبي جدا للسلطات في كثير من الدول العربية ضد كثير من المعارضين والموقف السلبي جدا لكثير من المعارضين من السلطات.

كلما قرأت لكتاب عرب للحداثة والتقدمية وهم ينصبون محاكم التفتيش لمخالفيهم في الرأي من مواطنيهم. وكلما قرأت لكتاب عرب ينتسبون للمحافظة والتراث وهم يجاهرون برغبتهم الدفينة في مصادرة حريات مخالفيهم في الرأي بالكامل…
كلما قرأت نصا ليساري غاضب يحرض على رفاقه، أو إسلامي غاضب يحرض على إخوانه. كلما قرأت لعربي يحتمي باسم مستعار ليهاجم مخالفيه في الرأي بقسوة وشدة لا مبرر لهما.. كلما رأيت وقرأت وسمعت عن هذه الأمور، كلما زدت اقتناعا بحاجة النخب العربية إلى مزيد الإنحياز، القولي والعملي، لمبادئ الحرية والتعددية والقبول بحق الإختلاف.
هذه هي القيم التي جعلت لندن عاصمة فريدة عظيمة ومتألقة. هذه هي القيم التي جعلت لندن واحدة من أهم عواصم العالم. ونحن نحتاج إلى التواضع، والكف عن المكابرة، والإعتراف بأن أكثرنا يدعي الإيمان بهذه القيم، وهو في حقيقيته إقصائي متشدد، لا يطيق القبول بالرأي المخالف أبدا.
ولولا أنني أخشى انتقاد كثير من قراء هذه المقالة، لقلت إن هذه القيم هي ذاتها التي أسهمت في نجاح التجربة الإسرائيلية المعاصرة، بالإضافة إلى عاملين آخرين مهمين هما اعتزاز اليهود بالهوية اليهودية، وتمسكهم باللغة العبرية التي أحيوها بعد موات.
ألتقي هنا في لندن بإخوة لي في القرية الكونية الصغيرة التي ننتمي إليها، يهود ومسيحيين وهندوس وبوذيين وملاحدة، ولي أصدقاء بيض وسود، وأعرف من خلال التعامل معهم ما تفعله هذه القيم بالناس، قيم الحرية والتعددية والقبول بحق الإختلاف. إنها تجعلهم يكتشفون إنسانيتهم، ويحتفلون بتنوعهم.
تعالوا نتعلم هذه القيم من لندن أيها الأصدقاء. تعالوا نتعلم هذه القيم من الغرب يا أصدقاء. ومن أجل أن نتعلم يجب أن نتواضع، وأن نعالج مرض “النفخة” عند كثير منا، والخضوع الغريزي لمشاعر الحسد والبغضاء والكراهية.
بعض الكتاب العرب يكتبون بقسوة وغضب كأن الشمس ليس بوسعها أن تشرق إلا عليهم. تمهلوا أيها الأصدقاء. وليأخذ كل منكم نفسا عميقا قبل أن يقرأ الجملة المقبلة. إن الشمس قادرة على أن تشرق علينا جميعا بأنوارها البهية. فلماذا يسعد العالم بقيم الحرية والتعددية والقبول بحق الإختلاف، وكثير منا نحن العرب، تكاد تفنى أعمارهم في الكيد والمكر من أجل أن يحجبوا نور الشمس عن مخالفيهم في الرأي؟
صدقوني، مجتمعاتنا العربية قادرة على استيعابنا جميعا، المنتسبين منا للأحزاب الحاكمة، أو لأحزاب المعارضة القانونية، أو أحزاب المعارضة التي لم تنل ترخيصا قانونيا بعد، اليساريين منا والإسلاميين، القومييين والليبراليين، المسيسين وغير المسيسين.
يا أصدقائي. واعذروني لو قلت: يا أيها المغفلون: دنيانا جميلة وقصيرة. الناس يعيشونها بالطول والعرض بسبب قيم الحرية التعددية وقبول حق الإختلاف، وأنتم أسرى ثقافة الإقصاء والكراهية ومشاعر الحسد والبغض والكراهية.

العمر يجري بسرعة فانتبهوا واستيقظوا قبل فوات الآوان.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة