الحكومة الإسبانية ''تستثمر'' في ظاهرة ''الحرڤة'' للاستفادة من دعم الإتحاد الأوروبي

الحكومة الإسبانية ''تستثمر'' في ظاهرة ''الحرڤة'' للاستفادة من دعم الإتحاد الأوروبي

لم يكن صعبا أن تجد الحراڤة في إسبانيا، فأول جزائري تلتقيه يحكي لك عن حياتهم ، حيث تجدهم بكثرة في مدينة ''ألميريا''، لقربها من السواحل الغربية للجزائر، وكذا مدينة ''مورسي'' وباقي

مدن الشمال بإقليم ”الباسك” أو في الوسط كمدريد، ”سارڤوسا” وشرقا في برشلونة وفالنسيا. وعبر كل المحطات التي زارتها ”النهار” لم تجد أياً منهم حاصل على وظيفة كانت، خصوصا وأن الأزمة الاقتصادية والمالية أثّرت سلبا على الدول الأوروبية وعلى إسبانيا خاصة، فحتى شعبها يعاني من البطالة واضطر إلى امتهان الأعمال التي كان يرفض القيام بها نترك مجال العمل لنعود إليه لاحقا لنسأل الحراڤة عن سبب هروبهم من الجزائر والعيش في ظروف جد صعبة بل أصعب مما عايشوه في الجزائر.

أشار مجموعة من الجزائريين لهم تجربة كبيرة في مراكز استقبال الحراڤة عبر التراب الإسباني، أن إسبانيا وظفتهم للتعامل مع أبناء بلدهم في كثير من القضايا كونهم يعرفون طريقة تفكيرهم ولهجاتهم للتفريق بين انتمائهم لأي من البلدان لأن معظمهم يدخلون بدون وثائق حتى لا يمكن التعرف على بلدهم، والحكومة الإسبانية لها فوائد جمّة استفادت منها إثر هذه الظاهرة وقد استثمرت فيها بأن كونت شبكات سرية تشجع على الحرڤة في مختلف الدول المغاربية حتى تظهر للاتحاد الأوروبي أنها تعيش ضغطا في التكفل بأعداد الوافدين، وقد حظيت بالدعم المالي وكونت العديد من مراكز الاستقبال في كل من مورسية، أرميرية ومراكز خاصة بالقصر في أليكانت تتحصل على ميزانيات خاصة من دول الاتحاد الأوروبي، وبذلك فتحت مناصب شغل لمواطنيها، ومنه أمر الحرڤة لم يضرها بشيئ بل عرفت كيف تستفيد منه وتوظف جميع أوراقها السياسية والاقتصادية فيه وقد نجحت إلى حد بعيد في ذلك. وعمل الجانب الإعلامي دوره في القضية.

شبكة مختصة تهرب البشر مقابل مبالغ مالية من ميناء العاصمة

هناك شبكات تعمل على تهريب الأشخاص من الموانئ بإخفائهم في البواخر التجارية أو حتى المخصصة للنقل أو في وسط الحاويات. وفي فالنسيا إلتقينا بشاب عمره 25، من العاصمة وبالضبط من باش جراح لم يتقبل فكرة تصويره، وهو الذي وصل إلى إسبانيا منذ 10 أشهر وبدأت رحلته من ميناء العاصمة بعد أن سمع أن شخصا بالميناء يدعى محمد من بلكور مختص في تهريب الأشخاص مقابل مبلغ مالي يقدر بـ 6 ملايين سنتيم للشخص الواحد، عندها اتصل بمجموعة من أصدقائه واقترح عليهم فكرة الحرڤة واتصلوا بمحمد الذي شرح لهم كيفية دخول الميناء وأوقات انطلاق البواخر، وبعد تسليم المبلغ نقدا في شارع محمد بلوزداد، بدأت الرحلة شهر أفريل بعد أن تسللوا إلى الباخرة يوما قبل انطلاقها، وتم إخفاؤهم بحاويات، بكل واحدة من 6 إلى 10 أشخاص، قضوا على متنها يومين كاملين في منطقة انخريراس جنوب إسبانيا المقابلة لمدينة طنجة المغربية ليتم اعتقالهم مباشرة وتحويلهم إلى المركز، مدة 27 يوما، ليتم إطلاق سراحهم وفيما قررت الشرطة الإسبانية عدم السماح لعبد اللطيف بالمغادرة، هو الآن يحكي لنا كيف وجد البلد الذي أراد الالتحاق به رغم أنه ذكر أن شبكات التهريب في العاصمة قد رفعت من قيمة المبلغ ليصل إلى 14 مليون سنتيم وعلى الراغب في الهجرة أن يحجز مكانا له ضمن قوائم الانتظار التي تعتبر بمثابة رزنامة تحدد مواعيد الإنطلاق…

تسلل إلى حاوية من ميناء وهران وبقي فيها 5 أيام دون غذاء

ولنعرج الآن على قصة مماثلة بطلها المدعو عبد القادر من حي ”بلانتير” بوهران، 22 سنة، كان يعمل في ميناء وهران، وقد جرب الحرڤة ثلاث مرات لكنه صمم على معاودة الكرة لينجح في آخر مرة بعد أن استغل ليلة نهاية السنة الذي تزامن مع رسو باخرة تجارية لم يكن يعلم وجهتها، حيث تسلل إلى إحدى الحاويات واختبأ فيها إلا أنه عانى الأمرين فبعد رحلة يوم كامل في مكان مظلم، ومن سوء حظه تم إنزال الحاوية التي كان فيها جنبا إلى جنب مع حاوية أخرى، ما شكل له صعوبة في فتح الباب، الأمر الذي اضطره ملازمة المكان 5 أيام كاملة، لم يفرق فيها بين الليل والنهار، ولم يذق فيها طعم الزاد إلى حين نقل الحاوية المجاورة، حيث فر بجلده وهرب من قبضة ملاحقيه ودخل المدينة وسأل أهلها ليجد نفسه في فالنسيا، أين التحق بـ”كاي كوبا” معقل المغاربة ليجد أقرانه ممن غرر بهم، وقد إلتقطنا له صورة خلال مشاركته في مسيرة نصرة غزة.

انطلقنا من وهران في 4 زوارق فقدنا أحدهم بعد هلاك أصدقائنا

غلام شاب من حي ”مرافال” بوهران، من الأوائل الذين هاجروا بطريقة غير شرعية، قال أنه انطلق من شواطئ عين الترك، وذكر أن رحلته كانت محاطة بجميع أنواع المخاطرة، رغم أنه من عائلة ميسورة الحال، إلا أن حب الوصول إلى أوروبا أرغمه على اتخاذ هذا القرار، وقد ذكر أنه في تلك الأيام كانت الزوارق المطاطية التي تنقل الحراڤة يقودها مرشدون يعملون على إيصال الأشخاص ثم يعودون أدراجهم… لم يصدق عند وصوله للشاطئ وجود 4 زوارق انطلقت مع حدود منتصف الليل، ولاسيما أنه شاهد الزوارق الأخرى العائدة من إسبانيا فارغة وعلى متنها شخص واحد. يكمل كلامه متحسرا وعيناه تدمعان أسفا على فقدانه لرفقائه عند غرق أحد الزوارق وهم يموتون واحدا تلو الآخر، ولم يستطع حتى إنقاضهم… وأكملوا الرحلة المشؤومة إلى أرميرية، أين وجدوا ظروفا أصعب مما هي عليه في الجزائر، سنتطرق إليها في موضوع لاحق عن ”ظروف الحراڤة” وكذا عن إحساسه وما يفكر فيه، وقد صرح غلام أن المرشدين كانوا يقومون بثلاث رحلات في الليلة.

عائلة وهرانية متكونة من الأم وابنيها وزوجة أحدهما غامرت على متن البوطي

أما ابراهيم الذي وصل إلى إسبانيا منذ ٣ أشهر، فقط قال أنه لم تصدق عيناه وهو يركب ”الزودياك” بحي بوزفيل بعين الترك، أن رفاق الرحلة هم عائلة كاملة متكونة من امرأة عجوز يتجاوز سنها الستين سنة رفقة ولديها وزوجة أحدهما حيث دفع كل واحد منهم مبلغ 10 ملايين سنتيم وأعلموه أن قوائم الانتظار تضم عائلات بأكملها حتى الأطفال منهم، وقد سأل ابراهيم أفراد العائلة عن سبب اتخاذهم طريقة الهجرة غير الشرعية ليصرحوا أن الظروف القاهرة التي كانوا يكابدونها من جوع وانعدام مصدر العيش أرغمتهم على المخاطرة… في وقت اعتمد فيه هؤلاء على جمع مبلغ 40 مليون سنتيم مسروقات النساء من مجوهرات وحلي عن طريق النصب والاحتيال.

نفسية الحراڤة في الغربة تحذوها المعاناة والندم على المغامرة مقابل لا شيء

أجمع معظم من إلتقيناهم من الحراڤة، أنهم لم يجدوا ما كانوا يحلمون به وأنهم يعيشون ظروفا جد صعبة وكانت صدمتهم كبيرة بمجرد وصولهم إلى أوربا، ليكتشفوا كذب وزيف ما كان يحكى عنه من حياة رغدة وجمع للمال بطريقة سهلة، وحتى المهاجرين أكدوا أنهم هم أنفسهم يقضون أياما صعبة، رغم امتلاكهم لوثائق الإقامة، فما بالك ممن لا وثيقة له، كما أنه هناك كثير من العائلات تفكر في العودة إلى أرض الجزائر ومنهم من رجع فعلا أو أرجع عائلته وبقي يكابد مشاق العمل لوحده نظرا لغلاء المعيشة وتعقيداتها، فالحالة النفسية للحراڤ بإسبانيا حالة يأس وقلق وندم كونه غامر بحياته وصرف أموالا للوصول إلى الضفة الأخرى، ليجد نفسه حائرا هائما بين الشوارع والمدن، همه الوحيد ضمان أكله، شربه ونومه وهاربا من قبضة الشرطة التي تقتفي أثرهم في الأحياء التي يعتادها العرب، مفضلين البقاء على هذه الحال كونهم يستحون العودة لمقابلة العائلة والأصدقاء فارغي اليدين، خائبين بعد أن قرروا البقاء والعيش بقساوة ومرارة.

ففي رحلة البحث عن مأوى الحراڤة في مختلف المدن الإسبانية من أرميرية، سارقوسا، فالنسيا حتى مدريد يكفيك أن تجوب الشوارع لتجدهم نياما فوق الكارطون أو داخل الحدائق العمومية وقد كانوا في السابق يتجمعون تحت الجسور يفترشون الأرض ويتغطون السماء وتمنعهم الشرطة من ذلك ليحتموا داخل بيوت بلاستيكية جهزّوها بأنفسهم في أماكن منعزلة والبعض منهم يبيت في المستودعات والبيوت المهجورة التي طالها الحرق والتخريب. والقليل من يجتمعون ليقتسموا فيما بينهم مصاريف الكراء لبيت يفرشونه بالجرائد أو أشياء لا تقي البرد.

انعدام فرص العمل، دفع بمعظم الحراڤة إلى تنظيم شبكات متخصصة في السرقة

في احتكاكنا بمجموعات كبيرة من الحراڤة، كانت صدمتنا كبيرة، فمعظمهم ينام في النهار ولا يستيقظ إلا في المساء ليباشر عمله، وأي عمل هو، إنها السرقة وبكل أنواعها، فقد نظموا أنفسهم في شبكات متخصصة في السرقة منهم متخصص في الاستيلاء على الهواتف النقالة بكسر زجاج السيارات أو من خلال أخذها من جيوب السياح في غفلة منهم، إضافة إلى أجهزة التصوير والكاميرا التي يعيدون بيعها لأشخاص معينين يدخلونها إلى الجزائر لأن كل الأشياء التي تدخل إلى الوطن، هي من المسروقات كون ثمنها منخفض، أما مجموعة أخرى تقتحم المساكن والفيلات في حين غياب أهلها، ويسرقون الثمين منها ويعيدون بيعه. وفرقة أخرى مختصة في سرقة السيارات الفاخرة ينقلونها إلى مدينة أليكانت، أين يتواجد أشخاص يزوّرون رقمها التسلسلي الداخلي وبطاقة الترقيم ويدخلونها إلى الجزائر لبيعها. فرقة أخرى، من الشباب الحراڤة الجدد مهمتهم السرقة في الأسواق المغطاة والمحلات الفاخرة، بعد أن تعلموا تقنية نزع جهاز التسعيرة، كما يوجد شبكة للسرقة تتحرك في مختلف المدن ومهمتها متابعة برامج الاحتفالات والأسابيع الثقافية والفنية، أين يسهل جمع أكبر عدد ممكن من المسروقات.

الحراڤة يتاجرون في المخدرات، الكوكايين والأقراص المهلوسة

اختار آخرون تجارة المخدرات بترويج الكيف الذي يتحصلون عليه من عند المغاربة الذين يحضرون كميات كبيرة ويوزعونها على الحراڤة بغرض بيعها، وقد لاحظنا ذلك في كاي كوبا بفالنسيا وفي برشلونة، أين يتوافد مستهلكو الكيف على الحراڤة لاقتنائها، وقد رأوا في هذه الطريقة وسيلة أسهل لتحصيل المال رغم خطورته، فيما ذهب آخرون لبيع الكوكايين والأقراص المهلوسة التي لم تكن موجودة في إسبانيا سابقا، لكن بتوافد العناصر المستهلكة لها من الجزائر، حتّم عليهم دخول عالمها.

مهندس دولة حراڤ يعمل ”فيدور” في ملهى ليلي

أما الحراڤة الذين لهم بنية جسدية قوية، يحتاجهم أصحاب الملاهي الليلية المتواجدة بكثرة لتوظيفهم كفيدور، ومن بينهم مهندس دولة في الإلكترونيك من مدينة بوتليليس بوهران ركب الزودياك أياما قليلة بعد تخرجه ولم يكلف نفسه البحث عن عمل، مقررا الهجرة الغير شرعية، هو كذلك وجد نفسه ضائعا في إسبانيا، وحتمت عليه الظروف السرقة وبيع المخدرات، ووجد عملا في فترة الليل كحارس أمام مدخل الملهى مستفيدين من بنيته الجسدية. وقد صرّح أنه لم يكن يتخيل أن يصل به الأمر إلى هذه الظروف، لكن عند وصوله لم يستطع العودة فارغ اليدين وهو الآن يعمل المستحيل حتى يجمع بعض المال ولو عن طريق الحرام للرجوع محملا بالهدايا لأهله ومن يعرفونه حتى لا يضحكوا عليه على حسب قوله.

الحراڤة يأكلون لحم الخنزير في مطاعم الصليب الأحمر

يضطر الحراڤة الجدد عند وصولهم التراب الإسباني بتكوين بطاقة عند مقرات الصليب الأحمر لتناول وجبتي الغذاء والعشاء مجانا، لكنهم أكدوا أنهم يضطرون لأكل المحرمات، مثل لحم الخنزير والأطباق التي تحضر به من مرق أو سلاطة، وقد حتّم عليهم الجوع ذلك لأن تكاليف الأكل والشرب غالية الثمن في المطاعم قد تصل من 15 إلى 20 أورو يوميا، ولا يمكنهم دفعها فيضطرون لأكل الحرام.

”نادية” و”أسماء” دفعت بهن الحاجة إلى ولوج عالم الفسق والانحراف و”فاتي” الوهرانية اغتنت في الدعارة

الفتيات الحراڤات عالمهن من نوع آخر، ففي مدينة أليكانت وجدت جزائرية وصلت إسبانيا منذ ٣ أشهر رفقة أحد المغاربة، وفتاة مغربية يستهلكون المخدرات. في البداية رفضت الحديث معي لكنها استرسلت في الكلام لتحكي قصتها في الجزائر، بعد أن فقدت عذريتها في علاقة غرامية ووضعت مولودا غير شرعي رمته في الشارع، وخوفا من الأهل الذين بحثوا عنها في ولايات الوطن هربت من وهران إلى تلمسان للعبور إلى المغرب، أين ساعدوها مغاربة للدخول للتراب الإسباني، وفي مدينة أليكانت إلتقت بشبكة دعارة تديرها مغربيات انضمت إليهن وهي الآن تسكن في الفنادق وتعمل بجسدها ومدمنة على الكيف حتى لا تفكر كثيرا في وضعها.

أما في فالنسيا وبالضبط بشارع باريتشونو مكان بيوت الدعارة والمتاجرة بالكوكايين، أين وجدت جزائريات من الغرب الجزائري ومن العاصمة يعملون في الجنس، تقدمت إلى بعضهن لأتعرف على وضعيتهن دون ذكر أني صحفي فنادية وأسماء رفضت الحديث لأن لا وقت لهما في الكلام الفارغ إلا بإدخال المال وأي مال، أما فاتي الوهرانية العريقة في أقدم مهنة، أخبروني عنها أنها تملك فيلات فاخرة وسيارات فاخرة بوهران حصلت عليها من الدعارة منذ سنوات بعد أن انتقلت إلى إسبانيا في البوطي وهي الآن بصدد استكمال وثائق إقامتها نهائيا لتتمكن من التنقل بكل حرية، أما الحراڤة الذي يعملون بالملاهي يؤكدون أن الفتيات يضطررن إلى هذا العمل عندما لا يجدون ما يأكلون والقليل منهن من تعمل في بعض البيوت كالتنظيف أو مرافقة المسنين، وكذلك الرجال من الحراڤة الذين وجدوا أنفسهم في عالم الرذيلة واستهوتهم النساء ودخلوا الفسق بترددهم على هذه الأماكن ليتعرضوا إلى أمراض فتاكة كالإيدز أين توفى بعضهم بهذا المرض.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة