الحلقة الخامسة

 واخترت أن أغادر البيت، أن أحقق ما كانت عيونهم تصبوا إليه، هل أصبح الشارع أرحم من بيتي؟ عجبا حين يصير الشارع أرحم من بيتي، من أبي و أمي، و كانت رحلتي نحو الشارع، نحو المعلوم المجهول، لم أخبر أحدا من صيادي الأجساد في الشوارع أني تركت بيتنا إلى الأبد، لم اخبرهم أني ملتاعة، مصابة بعجز المقاومة، و مع ذلك شعرت بهم قرؤوا كل ذلك لوحدهم، لأجل هذا كثرت المطامع من حولي، و كثر الطامعون علي، و لأكن صادقة، فأنا لم أكن قادرة على البقاء لوحدي طوال الوقت، و بالأمس كنت أرد طالبي الشهوة تماشيا مع كبريائي أما اليوم فلأجل ماذا سأصد أولئك الرجال عني، و كيف أصدهم و أنا نائمة وحدي في شارع المدينة ذات الفضول..لقد بلغ مراده ذلك الرجل، أخيرا تحولت إلى مومس أو متشردة لا فرق، و ها قد انقضى الكبرياء في رمشة عين، و طارت الأحلام مع أولى عصافير الخريف، كما يطير الكنار من يد صاحبه الذي تفانى في حبه و رعايته..ها قد حطت الحرب أوزارها، عاد السلام إلى وطني، و لم يعد إلى قلبي، وحدها كرامتي الراحلة اختارت أن تذهب بلا رجعة، لم يعد السلام الذي عاد إلى الوطن إلى الروح..أترى العزة و  الكرامة ستعود يوما ما إلى روحي، إلى ذاكرتي المدمرة، ليتني صورت بالصوت و الصورة آخر يوم لي مع الكرامة ليكون عزائي الوحيد في دنياي..و هاهو شوقي لماما يعصف بي،لم تعد بالطبع القلب الحنون الذي يحتويني، و كيف لي أن أسعى إلى نظرة منها و هي تراني محاصرة بطفل لا تعرف له أبا، و تساءلت كيف لازال الشوق معشعشا رغم انضمامي طواعية إلى مملكة الذباب..و هل عادت السعادة إلى وجه أخي الصبوح، متى ..متى يا أخي، هل أعاد غيابي أو غيابك العزة المفقودة، و متى ازدهر الرحيل كرامة؟..ها أنا قد رحلت يا أخي مثلك، و أتمنى ألا تشاء الصدف فوق هذا.. أن تكون واحدا من المتطفلين على جسدي الهرم بلا هرم، و كم أتمنى أن تعيش كريما يا حبيب قلبي..في حالتي يا أخي لا شيء يسدي نفعا، لا هرب و لا تصدي و لا هم يحزنون،كل طرقنا مهانات لانهاية لها، و كل الأبواب رسمت عليها آيات الذل..كم هو محزن أن تعصف بي الذاكرة بلا حساب.... هل يعني جهادكم أن أكون قربانا لربكم الذي تجاهدون له، و هل يقبل ربي الدوس على كرامة الضعفاء قربانا؟..و هل جهادكم أن تتدالوا على جسدي كما البهائم، هل هذه هي السماحة التي جئتم لتذكروا بها أهل الأرض.. أية إطلالة تركتموها لي وسط أهلي، و إن كنتم انتم تجاهدون لأجل الله، فكيف أجاهد أنا في سبيل فك أسر الخزي عن ذاتي..و في أية فجوة من فجوات الظلام قذفتموني..


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة