الحلقة 15:

الحلقة 15:

بعد أن استثب الأمن و استعيد الهدوء و الطمأنينة و ساد الهدوء مجددا قرر البعض منهم العودة , و البعض منهم اعتبروا في وسائل الإعلام المرئية و المسموعة و المكتوبة بأنهم أبطال و أشيد بهم و تم مدهم و إطرائهم

بينما نحن أعوان الشرطة و الأمن الذين واجهوا ليل نهار الموت المحقق وواجهنا المخاطر و الصعاب فإننا و أنا أولهم كنا ضحايا لنكران الجميل و الحيف والظلم والنسيان, بل أكثر من ذلك تجرع البعض مرارة الإبعاد و التهميش و الاهانة من خلال خفض الرتب و المناصب ليتم دفعنا إلى الخروج من الباب الضيق كأشخاص غير مرغوب فيهم بكل أسف.
و مع ذلك فإنني سأرجع لاحقا إلى المصير الذي لقيته أو الذي خصص لي بعد 40 سنة من الخدمة و التفاني في العمل , لأنه في قرارة نفسي كنت دوما أؤمن بإخلاص بأنه كنت أقوم بالجهود و ـبذل كل ما في وسعي , بل و أضحي من أجل أن تظل الجزائر واقفة على حساب نفسي و صحتي و أبنائي , نعم أنا عمي أحمد الذي وصفه البعض بالشرطي الشهير و رحل المهمات الصعبة , دفعوني للخروج و الرحيل ليوضع أحد المحضوضين أو من أصحاب الحظوة مكاني .
الإضراب و العصيان المدني من الجبهة الإسلامية للإنقاذ
رغبة منهم في التوغل أكثر في أوساط الشغب و استقطاب أعداد أكبر من المناصرين و المتعاطفين مع الحزب , من خلال الدعوة لإقامة دولة إسلامية , باشرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ  خوض غمار رهان قوة مع السلطة , حينما دعت إلى إضراب شامل مدعم بعصيان مدني , مستغلة الأوضاع الدولية السائدة خاصة في منطقة الخليج مع الحرب في العراق .
و لهذا الغرض تم إقامة مركز قيادة على مستوى الجسر المخصص للراجلين على مستوى ساحة أول ماي بالعاصمة و  حولت خطوط هاتفية على ذات المستوى لضمان الاتصالات , بعدها بدأت تنظم تجمعات و إلقاء خطب لشحذ همم المناضلين يوميا, و  في المساء بعد صلاة العصر  انطلقت مسيرة باتجاه ساحة الشهداء من خلال شوارع حسيبة بن بوعلي و عميروش و زيغود يوسف و تش غيفارا . و بعد وصول المسيرة إلى ساحة الشهداء كانت كلمات تلقى من قبل قياديين من الحزب , و في أعقاب تأدية صلاة المغرب يتم العودة الى ساحة أول ماي من نفس المسار و لكن في الاتجاه المعاكس , و كانت المسيرات تتم يوميا  الى حد وصفت من قبل المواطنين ب الصفا و المروة نسبة لإحدى شعائر الحج و العمرة التي تتم في مكة المكرمة , و على طول المسار  المذكور سلفا سواء كان ذلك ذهابا أو إيابا كانت كل المسيرات تصاحبها شعارات معروفة و معتادة من قبيل عليها نحيا و عليها نموت  و دولة إسلامية إلى غيرها من الشعارات .
و أثناء الليل و في أعقاب العودة الى ساحة الشهداء , يتفرق الجميع , فيما يغادر القياديون و مسؤولي الحزب مع المقربين منهم ساحة أول ماي للتوجه إلى حي البدر أو الكاليتوس أو شراربة أو الأربعاء أو مناطق أخرى يتواجد بها الحزب بقوة و غالبا ما تكون المناطق الني نجح فيها الحزب في التجدر , أما شباب الأحياء خاصة ساحة أول ماس و ساحة الشهداء فإنهم كانوا يقومون بأهم الأعمال و بالمسيرات فقد كانوا يمكثون و يتناولون أطباق شهية و دسمة تؤتى بها على متن سيارات و شاحنات صغيرة من قبل أشخاص راغبين في كسب ود و تقدير قيادات الحزب . و في الواقع كان لهؤلاء الأشخاص مرامي و أهداف أخرى من وراء خطواتهم , لأنهم كانوا في غالبيتهم أشخاص ميسورين و أغنياء و يمتلكون أملاكا و كانوا يستندون دائما لوعود قيادات الحزب الذين كانوا خلال إحدى الحصص بأنهم سيقومون بإلغاء الضرائب و يقومون بإنشاء مناصب عمل للشباب على حساب النساء الذين يتعين عليهم الرجوع إلى البيت , كما وعدوا بإلغاء سلك الشرطة و أنهم ينوون القيام بتغييرات جذرية بعد أن يتمكنوا من الوصول إلى السلطة و تطبيق الشريعة الإسلامية.
و بالتالي فان البعض ابتلع الطعم و اقتنع بما قيل , خاصة فيما يتعلق بعدم تسديد الضرائب , و بما أن هؤلاء كما قلت سابقا هم من المالكين و بالتالي فإنهم مطالبين و خاضعين للضرائب , فإنهم كانوا يقومون بجلب الأطعمة كل ليلة لتبرئة ذمتهم و الظهور بمظهر حسن في أعين قيادات الفيس و التأكيد على قربهم أو انتمائهم للحزب .
 عملية الذهاب و الإياب التي عرفت باسم الصفاء و المروة و التي كانت تتم بين ساحة أول ماي و ساحة الشهداء , ثم إلى الاتجاه المعاكس ثانية كانت تتم كل مساء و لذلك فقد قرر المرحوم الحاج صدوق المحافظ المركزي تعييني لكي أكون دائما مرافقا و مصاحبا و مراقبا للمسيرة , للاطلاع على كافة التطورات و مساره و اتخاذ كافة التدابير و الإجراءات للتأمين و الحماية و تحويل  حركة المرور في الوقت المناسب إذا اقتضى الأمر ذلك .
و لتأدية مهامي على أكمل وجه , فقد كنت دائما أتموقع في مقدمة المسيرة أو قبلها و بالتالي كنت دائما أقوم بذات المسار الذي تمر عليه المسيرة من ساحة أول ماي الى غاية ساحة الشهداء و في الاتجاه المعاكس أيضا و لم أكن أغادر المكان حتى يتفرق الجمع و يرحل قياديو الحزب .
 و في أحد الأيام و لا تستحضرني في هذا المكان تاريخه بالتدقيق و بينما كنت متواجدا على  الساعة 15 على وجه التحديد على مستوى ساحة أول ماي ,استمعت الى نداء موجه من أحد قيادات الحزب عن طريق مكبر الصوت طالبا  من المناضلين التحضير للقيام بمسيرة جديدة , و بما أنه لم تكن الساعة المعتادة للمسيرات فقد انتابني القلق و الريبة من ذلك النداء , لذلك اقتربت من صاحب النداء لاستفسر عن الأمر على وجه الدقة و عما كان يحدث بالضبط لأنه عادة ما كانت المسيرات تنظم بعد صلاة العصر و ردا على سؤالي اكتفى المعني بالقول بأنها مسيرة سلمية و أنه لم يكن هنالك داع لأي قلق , لقد بدت لي أجوبته فضفضة و غير دقيقة و يكتنفها اللبس الى درجة انتابني شعور بالرتياب و الشك , لذلك أصررت عليه لكي أعرف المزيد عن أسباب تلك المسيرة غير المبرمجة و عن وجهتها و لكن محاوري لم يشأ قول المزيد و أراد إيهامي بأن الأمر لا يستدعي القلق لأن الأمر مجرد مسيرة سلمية فحسب, تضاعف شعوري بالقلق و لم أقتنع إطلاقا بما كان يقوله لي محاوري و ازدادت شكوكي بعد أن لاحظن تموقع الصفوف الأولى للمسيرة باتجاه نهج علي ملاح , و دون انتظار أخطرت المسؤولين بالأمر عن طريق اللاسلكي لاتخاذ التدابير و الإجراءات الضرورية منها انتشار القوات المتموقعة على هذا المسار و بالتالي الاستعداد لأي طارئ .


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة