الحلقة7 : ذكريات أكتوبر

الحلقة7 :  ذكريات أكتوبر

كل جمعة تذهب “سارة” رفقة جدتها، إلى المقبرة تزور قبر والدتها، يقرآن الفاتحة مرتين، مرة على روح المرحومة ومرة على روح والدها، الذي لم يعرف أحد مصيره، وأغلب الظن أنه قتل، كما فعل مع آلاف الضحايا، لتدفن معهم الحقيقة. “الطاوس” وبعد أن انتظرته 15 سنة، وفقدت الأمل في رجوعه، أصبحت تدعو الله أن يكون قد مات وأن روحه ترقد بسلام، ليس لأنها فقدت إيمانها بالله، هي فقط تتوسل إلى الله، أن يلطف في قضائه، لقد فضلت له الموت على أن يقضي حياته  في جحيم المعتقلات، أو أن يكون قد فقد عقله، وأنه يجول مع مجانين الجزائر الذين تضاعف عددهم بعد الأحداث، وأصبحوا ميزة هذا البلد الذي لا يخلو أي ركن منها…
كان محاميا وأستاذا جامعيا، ظل بعيدا عن مستنقع السياسة، ولم يدخل في تكتلاتها المشبوهة، التي استنزفت أحلام الشعب، ومحت كل قاموسه من الكلمات، وتركت له كلمة واحدة فقط ظل يرددها لعقود متوالية، كلما حانت الفرصة، فكان يهرع مسرعا، لصناديق خشبية، ويظهر بكل فخر هويته الخضراء ويقول: نعم للرئيس، نعم للدستور، ومع مرور الوقت أدرك هذا الشعب، أنه كان ودون أن يدرك يقول: نعم للبطالة، نعم للفقر، نعم لإرادة مسلوبة… وقرر أخيرا أن يقول “لا” لكنها كانت “لا” غاضبة، وحارقة، أشعلت نارا لم يستطع أحد إخماد فتيلها بعد ذلك..
و”سمير” كان من الذين تنبؤا بما ستعيشه البلاد من دماء، من الذين نادوا بتغيير الدستور، بتغيير العقليات، نادى بموت “الديناصورات” الجاثمة على حريات الشعب، نادى بضوء الشمس في وقت كان ثمن الكلمة أن يبعث بصاحبها خلف الشمس..
أما “سارة” فعليها أن تضع نصب عينيها، أن حياتها لن تكون ملكا لها، عليها أن تمنحها للقضية، عليها أن تصل وتعتلي المنابر الدولية وتقول إلى أين أخذ كل من خرج ولم يعد في أكتوبر 1988.
ودخولها إلى كلية الحقوق لم يكن محض الصدفة، هي مهنة والدها، التي عشقتها من خلال ما كانت تقصه عليها جدتها، ولم تكن المحاماة سوى الدرجة الأولى في سلم الطموح، الذي حلمت به الجدة قبلها، أن تصبح “سارة” مدافعة عن حقوق الإنسان، مثل ما كان يتمنى والدها أن يصبح يوما.
لكن “سارة” تجرأت ولأول مرة في حياتها، على أن تتجاهل ذلك الواجب اتجاه عائلتها ليلة واحدة، لم تنتظر تلك الليلة خيال والدها بل سمحت لنفسها أن تنتظر مكالمة “سيد أحمد”، أن تعيش على الوعد الذي تحلم بأن يعدها به رجل في الخمسين…


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة