الدجل يعود ليغزو مرضى النفوس باسم الرقية والعلاج الشرعي : قارورة “إيفري مرقى” بـ2 مليون سنتيم.. والجزائريون يغرقون في الشعوذة

الدجل يعود ليغزو مرضى النفوس باسم الرقية والعلاج الشرعي : قارورة “إيفري مرقى” بـ2 مليون سنتيم.. والجزائريون يغرقون في الشعوذة

سجلت أجهزة الأمن الوطني، خلال السنوات الأخيرة، تزايدا لافتا لمظاهر الشعوذة والدجل في الأوساط الشعبية، وحتى في أوساط النخبة المثقفة ورجال الأعمال، الذين يضطرون تحت وقع المشاكل النفسية التي يعانون منها إلى الارتماء في أحضان الرقاة والمشعوذين.
وإن كان بعض الرقاة قد تمت إحالتهم على العدالة في قضايا تخص الضرب العمدي أو النصب والاحتيال، فإن غياب إطار قانوني واضح لوضعية المشعوذين والدجالين جعل الأجهزة المختصة في مأزق إزاء هؤلاء الذين يتخذون من الدين الإسلامي وتعاليمه السمحة وسيلة مفضلة للثراء وتحقيق الربح السريع.
وكشف أحد الأئمة وعلماء الدين في العاصمة أنه تلقى تهديدات مباشرة من بعض الرقاة المشعوذين بسبب إنكاره لأساليب الدجل التي يتبعونها للنصب والاحتيال على الأشخاص الذين يواجهون أوضاعا نفسية صعبة.
وبغض النظر عن الجانب الديني الشرعي الذي يعتبر الرقية بهذه الأساليب بدعة من البدع التي لم ترد في سيرة الرسول “صلى الله عليه وسلم” ولا في سير الصحابة والخلفاء الراشدين، فإن تحول هذه الأنشطة إلى وسيلة لتحقيق الربح السريع دفع بالكثير من علماء الدين إلى التحذير من هذه التجارة الجديدة.
ولم يتردد بعض الرقاة المشعوذين في إصدار بطاقات زيارة لضمان كسب زبائن جدد، والغريب أن أحد هؤلاء له مكتب بمنطقة الحميز بالرويبة، بالجزائر العاصمة، تمكن من أن يتحول إلى راقٍ بدرجة كبيرة مكنته من استقطاب إطارات سامية في الدولة وكبار رجال الأعمال الذين يتوافدون عليه، في طوابير وإلى ساعات متأخرة من الليل، قصد الحصول على “تزكية” والحصول على ما يرغبون فيه سواء من مشاريع أو رضا بعض الأوساط.
ولم ينجو حتى الطلبة من حيل ونصب الرقاة الدجالين الذين وضعوا أيضا جداول أسعار خاصة بالطلبة الذين يجتازون الامتحانات، وقد راعت شبكة التسعيرة التي حددها الرقاة في أغلب الولايات الوضعية الاجتماعية للطلبة، حيث يتم حساب الرقية الخاصة بالتلاميذ الذين يمتحنون في اختبارات السنة السادسة أساسي بمبلغ 600 دج لكل تلميذ، بينما تبلغ رقية البكالوريا 2000 دج، ورقية الحصول على شهادة الماجستير 3000 دج، بينما تصل رقية الحصول على شهادة الدكتوراه إلى نحو 5000 دج، وهذه الشبكة هي المتوسط المعتمد خاصة في الأحياء الشعبية، ويمكن أن ترتفع إذا تعلق الأمر بأبناء مسؤولين أو رجال أعمال حسب مركزهم الاجتماعي.
ويذهب بعض الرقاة إلى اعتماد نفس المقاييس المتبعة لدى البنائين أو الحرفيين، حيث اضطر رجل أعمال يقيم في القبة، كان يرغب في أن يرقي الفيلا التي يقيم بها، إلى القبول بمبدأ أن يتم حساب الرقية بالمتر المربع، وأن يدفع عن كل متر 1000 دج، وبسبب دهشة رجل الأعمال الذي كان يعتقد بأن المبلغ سيكون رمزيا فقط طلب من الراقي أن يكتفي برقية الصالون والمطبخ فقط، وهو ما كلفه بعد قياس المساحة، ما قيمته 8 ملايين سنتيم تقريبا اضطر إلى دفعها إلى الراقي عدًّا ونقدًا.
وتختلف أساليب النصب والاحتيال لدى الرقاة الدجالين حسب المناطق التي يقيمون بها ونوعية الزبائن من الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية مختلفة أو حالات إحباط، حيث يلجأ أحد الرقاة في ولاية الأغواط مثلا إلى حساب الرقية بمبالغ تتراوح بين 8 و12 مليون سنتيم لأنه يزعم أنه يرقي في الماء الذي نزل مع سيدنا آدم وحواء من الجنة، ويزعم أيضا أن هذا الماء الذي يوزعه على زبائنه يأتي به من الهند على أساس أن آدم وحواء عندما نزلا من الجنة استقرا في الهند!!
ولم تقتصر التجارة على ماء الجنة، حيث أن بعض الرقاة مثلا بولاية سطيف يلجأون بشكل مباشر إلى استغلال قارورات المياه المعدنية “إيفري” للرقية عليها وإعادة تسويقها كمياه “مرقاة” لكن مقابل مبلغ 2 مليون سنتيم لكل قارورة بسعة 1.5 لتر وتلقى هذه القارورات رواج كبير لدى المرضى نفسيا الذين يعتقدون بأن هذه المياه تصفيهم من الأمراض النفسية.
ولم تتوقف تجارة “المياه المرقية” عند قارورات “إيفري”، بل لجأ بعض الشباب العاطل في إحدى قرى سيدي بلعباس، مثلما يذكر الشيخ شمس الدين وهو إمام بالعاصمة، إلى شراء جرار بصهريج كبير ويقومون بتعبئته بشكل كامل ثم إعادة تسويق الماء الذي يجلبونه معهم لكن بعد إخضاعه لرقية شاملة، حيث يجد هؤلاء عشرات الزبائن في انتظارهم لكن مقابل مبالغ رمزي لا يتجاوز 200 دج لكل قارورة بسعة 1.5 لتر.
أما في ولاية المدية فقد ادعى أحد الرقاة أنه مختص في رفع العنوسة عن الفتيات لكي يتمكن من الزواج، ولم يتردد في النصب والاحتيال على فتاة لا يتجاوز سنها 33 عاما، اشترط عليها أن تكون الرقية في قطع من ذهب، وأن لا تخبر أفراد عائلتها بالرقية وإلا بقيت على حالها من دون زواج. وقد تحولت هذه الفتاة إلى أسيرة للراقي، تأتيه في كل مرة بقطع من الذهب ويقوم هو بالرقية بشكل مستمر، ولما يئست منه وعبرت له عن قلقها وذلك بعد أن فقدت كميات كبيرة من الذهب من دون أن تتزوج، قام بمنحها ماء به حبوب مهلوسة، وبسبب تأثير هذه الحبوب عليها قامت بامتطاء حافلة متوجهة من المدية إلى العاصمة، ولما عادت إلى وعيها تقدمت نحو أحد الأئمة وروت له القصة فقام باستدعاء ذويها وأخبرهم بما تعرضت له الفتاة، فأكدوا له أنهم كانوا يعتقدون بأن جنا وراء النهب المستمر للذهب ولم تحول القضية لا إلى التحقيق ولا إلى العدالة لحد الساعة.
وفي مدينة من شرق البلاد يدعي أحد الرقاة الدجالين بأنه يحيي رحم المرأة العاقر بالرقية، بالكتابة على عضوه التناسلي، ويقول للمرأة التي ترغب في رفع العقم أن تقبل بمجامعته لها حتى يتمكن من إدخال الحرف المرقى إلى رحمها!! وقد تمكن بفضل هذه الحيلة والخدعة من أن يسقط في شراكه العشرات من النساء باسم الرقية والعلاج. وهذا الراقي لا يزال يمارس الرقية بهذا الأسلوب لحد الساعة من دون أن يواجه أية متاعب من عمليات النصب والاحتيال الذي يمارسه.
ونجح أحد الرقاة الدجالين في أن يضع ست فتيات تحت سيطرته بفضل النصب والاحتيال، على أساس أن ما يقوم به هو رقية شرعية، لتمكينهم من الزواج ويرقيهم بالجماع، ولما أنكر عليه أحد الأئمة ما يقوم به بعث له مع الفتيات اللائي أبلغنه بأنهن راضيات بما يفعل بهن، وتبين أن الراقي هددهن بأن يسلط عليهن الجن “هاشماهوش” وبسبب مخاوفهم من التعرض للمكروه بقوا معه تحت سيطرته يفعل فيهم ما يشاء. وقد تلقت “النهار” بعض رسائل القصيرة “أس.أم.أس” التي تكشف جوانب من حياة الفتيات الست مع هذا الراقي وتكشف بوضوح خضوعهن لسيطرة الراقي.
أما في بلدية باب الزوار بالجزائر العاصمة، يقوم أحد الرقاة الدجالين بطلب من “الزبائن” الضحايا أصحاب الأمراض النفسية أن يغمضوا عيونهم ويطلب منهم أن يحدثوه عن أم الشخص الذي يأتي في مخيلتهم، وبمجرد أن يذكروا له الاسم يقول لهم بأن هذا الشخص هو الساحر الذي يقف وراء ما يعانونه من أمراض نفسية. وبسبب هذا الراقي اضطر رجل إلى الطلاق من زوجته بعد أن أبلغ زوجها بأن زوجته التي جاءته في مخيلته عندما أغمض عينيه هي من وضعت له السحر، علما أن هذا الشخص لم يكن به سحر وإنما وسواس بسبب سوء نيته ومخالطته للمشعوذين.
وعلى غرار سائقي سيارات الأجرة الذين يحددون أسعارا للنهار وأخرى خاصة بالليل، عمد الكثير من الرقاة الدجالين إلى وضع أسعار خاصة في النهار وأخرى خاصة فقط لما بعد المغرب والتي تكون عادة باهظة ومكلفة جدا، حيث اضطر أحد رجال الأعمال إلى أن يدفع ما قيمته 14 مليون سنتيم لأحد الرقاة لأنه طلبه بعد صلاة المغرب فقام الراقي الدجال بتطبيق الأسعار المعتمدة ليلا.
ويعترف أحد الأئمة في أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة بأنه رأى بأم عينيه طفلا يخضع للضرب من طرف مجموعة من الشباب الرقاة الدجالين، الذين انهالوا عليه ضربا، فلما أغمي عليه تم نقله على جناح السرعة إلى مركز طبي بالأبيار، وعندما فحصه الطبيب اكتشف بأن لديه مرض الصرع والإغماء وهو مرض عصبي لا علاقة له بالأمراض النفسية، لكن الرقاة لم يرحموه ضربا وقد قالوا لأمه التي نقلته إليهم للعلاج النفسي أن الذي يبكي من شدة الضرب ليس الطفل ولكن الجان الذي بداخله!!
ويعتمد أغلب الرقاة الدجالين أساليب مختلفة للنصب والاحتيال، مثل أن يطلب منك الراقي أن تنهض مع الصباح مباشرة لشرب لتر ونصف من الماء، وبعدها، وبالتأكيد أمام حالة الفراغ، يقوم المريض بالتقيؤ وهو ما يعتبره الراقي مؤشرا على خروج الجن من صاحبه، بينما يقوم آخرون بطلب من الضحايا أن يشربوا شيئا من الماء مع قليل من الزيت وبعدها مباشرة وأمام هذا الخليط يضطر المريض إلى التقيؤ وهو ما يعتبره أيضا الرقاة الدجالين مظهرا من مظاهر خروج الجن.

الشيخ شمس الدين لـ”النهار”:

“وزارة الشؤون الدينية مطالبة باعتماد أو رفض نشاط الرقاة”
دعا الشيخ شمس الدين، إمام بالجزائر العاصمة، وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والسلطات العمومية إلى تحديد معنى واضح للرقية إن كانت نوعا من العلاج النفسي أم لا يتم تعريفه وتحديد شروطه وأركانه وآدابه وأيضا اعتماد الرقاة إذا كان لابد من ذلك من طرف وزارة معينة.
وأوضح الشيخ شمس الدين في تصريح خص به “النهار”، أمس، أنه “إذا كان الأطباء يعتمدون من طرف وزارة الصحة، فأقترح أن يتم اعتماد الرقاة من طرف وزارة الشؤون الدينية من طرف لجنة خاصة تضم خبراء في الشريعة والطب يتم عرض الرقاة عليهم فإما يعتمدونهم أو تحظر عليهم مزاولة مثل هذه الأنشطة”.
وتابع “إن ترك الجزائريين في حالة فوضى ودون مراجع سيمكن المحتالين والدجالين من النصب والتحايل على الجزائريين بأشكال مختلفة”، مشيرا إلى أنه في تاريخ الإسلام لم يكن هناك منصب أو مهنة “راقٍ”، وأضاف “هذه بدعة من البدع وإنما كان هناك رجال صالحون أتقياء يقصدهم الناس طلبا للدعاء فقط”. وقال إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال إن “المريض يعالج نفسه بنفسه بوضع يديه على الداء ويدعو الله لأن المريض أقرب إلى الله من الصحيح وبالتالي فإن دعاءه مستجاب أفضل من الراقي الدجال”.
واعترف الشيخ بأن الرقية تحولت اليوم على يد بعض المشعوذين إلى “تجارة” يستعملون فيها أساليب لا علاقة لها بالإسلام مثل الرقية بزيت الزيتون أو الحلبة أو الضرب بالعصي أو الحزام.

التقوى وليس الدجل.. علاج الأمراض النفسية
في عهد الإمام أحمد بن حنبل قيل له يوما إن بنت السلطان كانت مصابة بالجن، فقام الإمام أحمد بإيفاد شخص يعرفه إلى هذه الفتاة لانشغاله بأمور العبادة، فقال للشخص الذي أوفده بأن يتقدم من أذن الفتاة ويخاطب الجن بعبارة مختصرة ويقول له “إن الإمام أحمد يأمرك بأن تخرج من الفتاة”، فخرج الجان بعد لحظات فقط وعادت الفتاة إلى سابق عهدها وتعافت بشكل كامل.
وعندما مات الإمام أحمد بن حنبل عاد الجن ليسكن الفتاة من جديد، فطلب السلطان من أحد الشيوخ المعروفين بأنهم مرجعية دينية في المدينة، أن يقوم بإخراج الجن من ابنته، فرد عليه الجن بلسان الفتاة “لقد خفت من الإمام أحمد بن حنبل لأنه يخاف الله أما أنتم فإنكم لا تخافون الله لن أخافكم”. ولم يخرج الجن من الفتاة.

شبكة الأسعار المطبقة من طرف الرقاة الدجالين

نوعية الرقية –     السعر المعتمد –     ملاحظة
رقية الحصول على شهادة التعليم الأساسي  600 دج – ماء مرقى ودعاء صالح
رقية الحصول على شهادة البكالوريا –     2000 دج      – ماء مرقى ودعاء صالح
رقية الحصول على شهادة الماجستير –     3000 دج     –  ماء مرقى ودعاء صالح
رقية الحصول على شهادة الدكتوراه –     5000 دج     – ماء مرقى ودعاء صالح
رقية المنزل –     1000 دج للمتر المربع     – رش الجدران ودعاء صالح


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة