“الشيراطون” اسم اختاره السجناء للمؤسسة العقابية لسجن سيدي بلعباس

“الشيراطون” اسم اختاره السجناء للمؤسسة العقابية لسجن سيدي بلعباس

أول ما يمكن قوله عن هذه المؤسسة أن القادم إليها ينتابه شعور بأنه يزور قرية صغيرة تحتوي على جميع مرافق الحياة لاتساع مساحته والتي تقدر بـ 4 هكتارات،

فالمواطن الزائر لمدينة سيدي بلعباس يستغرب تواجد هذه القرية وبالضبط بالضفة الغربية بحي قمبيطا الجديد حيث لا تبعد عن القطب الجامعي، إنها مؤسسة عقابية كبيرة على غرار سجن الشلف، الحراش والبرواقية.

الشيراطون اسم على مسمى

السؤال الذي يطرحه القارئ أو الذي يزور هذه المؤسسة لماذا يطلق عليه تسمية الشيراطون. النهار أرادت طرح أول سؤال للسيد نابوت محمد قاضي تطبيق العقوبات والذي استقبلنا بمكتبه وصرح أن التسمية الجديدة جاءت من السجناء الذين أطلقوا عليه هذا الاسم نسبة إلى الفندق الفخم فهو يوفر لهم كل اللوازم والضروريات لشروط الحياة وقد تم تدشينه في أوت 2001 ويعتبر من المؤسسات الرائدة على المستوى الوطني لعدة معطيات والتي أكدها لنا السيد جغفور عبد القادر نائب مدير المؤسسة والذي رافقنا بحضور قاضي تطبيق العقوبات في كل خطوة خطوناها داخل هذه المؤسسة من خلال الجولة التي قامت بها النهار.

السجن …لا وقت للفراغ والكسل
كانت الساعة التاسعة صباحا عند وصولنا على البوابة الكبيرة أو المدخل الرئيسي لهذه المؤسسة المحروسة من طرف أعوان ليس مسموح لهم بالخطأ وقد حظينا باستقبال خاص بمجرد أن تأكدوا أن يومية النهار بصدد القيام بجولة في السجن وبعد انتهاء الإجراءات القانونية وسحب بطاقة إثبات الهوية والهاتف النقال تمكنا من اختراق جناح الإدارة لتكون وجهتنا الأولى بعد أن سهل لنا نائب المدير العملية بعد أن قام بشرح كل المعطيات التي تحتويها المؤسسة العقابية في مختلف التخصصات، وأثناء الحديث وصلنا إلى المخبزة حيث تأكدنا أن كل سجين يؤدي دوره داخل المؤسسة ولا مجال للاعتماد على الغير، فالمخبزة الكبيرة تحتوي على فرن كبير بالإضافة إلى السخان وقد لفت انتباهنا أكياس لا تعد ولا تحصى من الطحين بحيث يتولى 7 مساجين مهنة المخبزة، بعدها مباشرة تحولنا إلى المغسلة حيث أكد لنا السجين المسؤول عن الغسيل أنه يتم كل 3 أشهر انتزاع الأسرة من السجناء لتتحول إلى الغسل بعد أن يعوضوها بأخرى نظيفة أما البدلة العقابية فتغسل بحسب الظروف، ونحن نقوم بزيارة مطبخ المؤسسة اطلعنا على الطبق اليومي ليوم السبت بحيث يتناول السجين فطور الصباح المتمثل في القهوة والحليب والخبز، بينما وجبة الغذاء فتمثلت في فاصولياء جافة بالخضروات مع السلاطة والبيض أما وجبة العشاء فتتمثل في مقرونة بالسقية والخبز ولا يخلو الطبق من المقبلات والطبق يراقب يوميا من طرف قاضي العقوبات ونائب المدير ويحفظ الطبق الشاهد لمدة 24 ساعة في العيادة يرجع له في حالة وقوع تسمم، أما الطباخين فهم دائما من السجناء يشرف عليهم عون مختص. بعدها اتجهنا إلى أحد المجمعات سجن الشراطون فهو وبأحد الأجنحة تمكنا من الدخول إلى المكان الترفيهي حيث تقربنا من السجناء وهم منهمكون في نشاطات ترفيهية مختلفة فمنهم من كان يفك الكلمات المتقاطعة وآخر يعزف على آلة موسيقية أما الثالث فوجدناه بصدد تحضير لوحة زيتية تزامنا مع الاحتفال بيوم العلم 16 أفريل، والفروع الترفيهية كثيرة ومتنوعة بالشيراطون.  
ومن الترفيه توجهنا إلى الورشات المخصصة بالنجارة وميكانيك السيارات ونجارة المباني حيث تحتوي على آلات ضخمة ولوازم خاصة بالتعليم ويشرف على الدروس التطبيقية والنظرية أساتذة مختصين كما أكد لنا نائب المدير أن السجناء المكونين يتحصلون على شهادات تساعدهم على المضي إلى الأمام بعد حصولهم على الإفراج وهذا بالاتفاق مع مراكز التكوين المهني والجامعات كما خص أن هذه الشهادات لا تعطى أي إشارة أن صاحبها كان في فترة عقاب تفاديا لنظرة المجتمع المجحفة. أردنا التأكد من مدى تجاوب المساجين من عملية التكوين فتقربنا من عمي محمد البالغ من العمر 64 والمحكوم عليه بـ 6 سنوات سجنا نافذا فأخبرنا أنه وخلال إقامته هنا تمكن من تعلم حرفة ستكون له سلاحا يتحدى به الزمن حيث يستطيع وبفضل التكوين الذي لا يستهان به  في السجن فك أي نوع من أنواع السيارات ليركبها من جديد والقائمة طويلة فكل سجين استطاع الحصول وفي ظرف قصير على شهادات في مختلف الاختصاصات وهذا بفضل السياسات التي يتبعها السجن فهو لا يتقبل أن تطبق سياسة الردع والعقاب على هؤلاء الأشخاص بل يظن قاضي العقوبات أنه يجب التكفل ماديا ومعنويا بهذه الشريحة لهذا يتم تحفيزهم على التعلم ونيل الشهادات ومقابل هذا تتاح للسجين فرصة نيل الإجازة المسموحة في المناسبات والأعياد إلى جانب الزيارة القربة والإفراج المشروط الذي جاء به القانون الجديد الصادر عام 2005 حيث يستطيع السجين الحصول على الإفراج بحسب السيرة الحسنة وعدد الشهادات التي تحصل عليها بشرط أن يكون قد قضى نصف مدة العقوبة، وقد سجل سجن سيدي بلعباس أول سجين على المستوى الوطني قد استفاد من الإفراج المشروط.
ومن مراكز التكوين كانت وجهتنا إلى مكتبة السجن وهي أهم محطة لنا حيث يعطى المسؤولون أهمية قصوى للتعليم بكل أطواره الابتدائي والمتوسط والثانوي والجامعي وحتى محو الأمية، وما زاد اندهاشها هي الكتب القيمة التي تحتويها هذه المكتبة حيث يوجد 6995 كتابا بما فيها 5872 للغة العربية أما كتب الفرنسية فعددها 1123 كتابا إلى جانب الكتب الدينية والمصاحف وقد سألنا المسؤول عنها فيما يخص قوانين الإعارة فأكد لنا أن الكتاب يبقى في حوزة المستعير لمدة أسبوعين كما يمكن له إلقاء الكتاب لأطول مدة بشرط أن يجدد الطلب، وقد استطعنا الاطلاع على أرقام تشير إلى عدد المسجلين في مختلف الفروع حيث تمثل نسبة 245  سجينا مسجلا بما فيهم 73 مسجل لامتحان الباكالوريا و135 مسجل لامتحان التعليم المتوسط، أما جامعة التكوين المتواصل فعدد مسجليها 37 سجين وكل هذا لموسم 2007-2008 والعدد مرشح للزيادة بما أن الشيراطون تحصل على المرتبة الأولى وطنيا بنسبة نجاح 100 بالمائة في البكالوريا وشهادة التعليم الأساسي لعام 2006-2007.

النساء.. الدموع.. الأمل والمثابرة
ونحن نتبادل أطراف الحديث أخبرنا قاضي تطبيق العقوبات أن المشوار مازال طويلا حيث توجهنا بعد سجن الرجال مباشرة إلى سجن النساء والذي لا يضم سوى 42 سجينة وهناك كانت بانتظارنا كل من مسؤولة السجن السيدة شراك ومسؤولة الإدماج وبمجرد دخولنا القاعة المخصصة لمحو الأمية لمحنا أن المعلمة غائبة ولكي لا تنقطع الدروس تابعت السجينة الأم لخمسة أطفال تعليم باقي السجينات وكان عددهن 7 وبعد استجوابها اكتشفنا أنها كانت تمارس مهنة التعليم بالطور الابتدائي ولم تكن تدري ما يخبئ لها الزمن وبالرغم من القضبان فالأمل موجود والدليل تمكنها من الحصول على عدة شهادات الأولى في الإعلام الآلي والثانية في الإسعافات الأولية بالإضافة إلى شهادة البكالوريا وحتى السجينة المالية صاحبة 22 ربيعا (ي.أ) أرادت الاستفادة من تعلم اللغة العربية مع طور محو الأمية وحسب قولها فإنها فرصة لن تجدها في بلادها فمن تعلم لغة قوم أمن شرهم. بعدها اتجهنا إلى قاعة الإعلام الآلي أين كان لنا حديث مع السجينة (ل.ن) والبالغة من العمر 46 سنة حيث حكم عليها بـ 8 سنوات سجنا قضت منها 4 سنوات وقد تمكنت من نيل شهادة البكالوريا بشعبة آداب وعلوم إنسانية كما تحصلت على شهادات في الحلاقة والإسعافات الأولية وهي بصدد تحضير مذكرة مع زميلاتها حول الإعلام الآلي أما بقاعة تعليم الحلويات التقينا بالسجينة ( د.ف) والبالغة من العمر 37 سنة والتي حكم عليها بالسجن المؤبد وكم كان الحزن والطموح إلى الحرية باديين على وجهها الضعيف بعد ما قضت 10 سنوات بالسجن فهي أم لطفلين، أكدت لنا أن طوال مدة سجنها لم تتلق أي إشكال أو سوء معاملة لكنها لا تتمنى سوى الخروج من السجن والالتحاق بطفليها، إلا أن المؤبد لم يمنعها من الحصول على شهادات هي الأخرى كالحلاقة والخياطة والإسعافات الأولية…الخ.

الشيراطون لا يخلو من جو المنافسة
فوجئنا ونحن نقوم بهذا التحقيق عندما دخلنا أحد الأجنحة فوجدنا مجموعتين (أ) و(ب) وكل مجموعة تتضمن 4 متسابقين وكأننا نشاهد مسابقة بين الثانويات وهذا تحضيرا ليوم العلم ولكم وددنا أن يشاهد القارئ مدى حميمية ذلك الجو الأسري. وبعيدا عن الانطواء والحزن وبروح رياضية، خصت تلك القاعة بميكروفون لمنشط المسابقة وآلة تصوير وحتى الكاميرا، حتى أن المنشط تقرب منا وطلب من النهار اختيار السؤال حسب القرعة وقد وقع اختيارنا على الرقم (6) والذي كان كالآتي: ماذا اخترع جون ستيفنسون وكان الجواب صحيحا، وما هو إلا دليل على دور هذه المؤسسة في تثقيف هذه الفئة.  


التعليقات (1)

  • 1

    1

أخبار الجزائر

حديث الشبكة