النهار تقتحم معاقل الإرهاب بمنطقة بني فوغال جنوب جيجل : الهجرة الجماعية للتائبين خوفا من التصفية الجسدية

النهار تقتحم معاقل الإرهاب بمنطقة بني فوغال جنوب جيجل : الهجرة الجماعية للتائبين خوفا من التصفية الجسدية

كنا نخدع أنفسنا بفتاوى يصدرها الأمراء والجماعة السلفية للدعوى والقتال رأس الأفعى…مقاومون يستنجدون ويطالبون برد الإعتبار

جيجل لم تكن فقط جزءا من الأزمة بل كانت معقل الأزمة وعاصمة صنع القرار الإرهابي بقيادة مدني مرزاق الذي اتخذ من جبل بني خطاب بتاكسانة مركزا وطنيا له، يؤتمربإمرته 1200 مسلحا،كان ذلك قبل تسليم أسلحتهم في إطار تدابير الوئام المدني. ومنطقة بني فوغال صورة حية عن التضاريس الصعبة للولاية والتي ساعدت الجماعات المسلحة على اتخاذها معقلا لها، على غرار الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي كان يقودها التائب من أبناء المنطقة(ز.صالح)، قبل أن يخلفه الأمير المكنى أبو عمير، وكذا كتيبة المرابطين التي يمتد نشاطها إلى غاية جبال ايراقن ولعوانة، والتي ماتزال تمارس أنشطتها الدموية حتى الآن، ورغم كل المخاطر التي قد يتعرض لها الزائر للمنطقة بحكم المداهمات التي تتعرض لها بين الفينة والأخرى من طرف إرهابيين يستغلون أكواخا وبيوتا مهجورة للتحصن، إلا أننا بكثير من الجرأة والحذر وقليل من الخوف حاولنا أن ندخل المنطقة ليس كفاتحين ولا غازين ولكن فقط كإعلاميين نحمل لولاء “النهار الجديد”.

بني فوغال..شاهدة على عصر الدم والدموع

تقبع منطقة بني فوغال بجنوب ولاية جيجل على بعد37كلم تقريبا، تابعة إداريا لبلدية بودريعة ببني ياجيس، هذه الأخيرة التي يحدها شمالا بلدية تاكسنة ذات الطابع السياحي الجبلي الخلاب، غربا بلدية ايراقن سويسي، شرقا بلدية جيملة وجنوبا بلدية بني عزيز وعين السبت التابعتين إلى ولاية سطيف، تظهر للعيان وسط سلاسل جبلية ذات الغطاء النباتي الكثيف، هي شاهدة على عصر الأزمة الدموية بماخلفته من معاناة لأهالي المنطقة المنتشرين عبر قرى مبعثرة. أزيد من500 عائلة من مشاتي أوطى أعمر، أولاد طاهر، المسيلة، لعرجة وغيرها فضلت النزوح باتجاه بلديات تاكسنة ،الأمير عبد القادر وقاوس، فرارا من جحيم الإرهاب، في حين عشرات العائلات مثل عائلة بولحية توجهت نحو مدينة العلمة بولاية سطيف، حيث يروي معلم من ذات العائلة أنه ترك والده ببني فوغال وفر بجلده بعدما اختطفته جماعة إرهابية ونجا بأعجوبة من قبضتها ولم يعد إلى الدوار منذ 15 سنة تقريبا

“ريح الجنوب” تعود من بني فوغال

 رحلتنا انطلقت على متن ناقلة من نوع هونداي لنقل المسافرين باتجاه مشتة صيدا، فالإنطلاقة مضمونة ولكن إكمال الرحلة ركوبا من سابع المستحيلات لأن العوائق كثيرة وكل شيء يعلن عن معاناة يشهد عليها الدهر عمرت مع سنوات الجمر ببلادنا.
أعلن سائق الحافلة بلوغ المحطة  الأخيرة بعد ساعة تقريبا من السير المتواصل فوق الدروب الوعرة والمنعرجات الخطرة ثم كانت النهاية بمرتفع كاد يحبس الأنفاس حيث انطلق من واد ميسة وانتهى في قمة منطقة الشوف، “تفضلوا بالهبوط”،”قرية صيدا ترحب بكم”، قال قابض الحافلة. وردت اللوحة التي تعلن وصولنا منطقة نقطة النهاية، في الوقت الذي كنا نردد بدواخلنا “بني فوغال تدعوكم إلى ضبط النفس والتحلي بالشجاعة الكافية لمقاومة هاجس الخوف،الذي يتملك القلوب مباشرة مع مد الخطوات الأولى في المنطقة المحرمة” كيف لا والمنطقة لا تشرق بها الشمس حتى يعود الإرهاب إلى مخبئه، وأصعب ما في الرحلة نحو بني فوغال ذلك الصراع الداخلي بين الزائر ونفسه حين تتوسله قدماه أن يعود أدراجه ويحاول هو إجبارها على مد خطوة أخرى إلى الأمام، نعم يحدث ذلك لأن المنطقة محرمة على السلطات التي منعت عنها الكهرباء،الطريق وحتى الصحة التي تعاني كثيرا، المهم في هذا الدوار البعيد عن الأعين كنت أتساءل هل هو نفسه الذي كتب عنه بن هدوقة رائعته “ريح الجنوب” رغم إختلاف الزمان والمكان، ولكن التضاريس واحدة والمعاناة نفسها، وريح جنوب بن هدوقة هذه المرة ليست طبيعية ولكن مجموعة إرهابيين.

حينما ينقطع التيار تتقطع القلوب

روى الكثير من سكان البلدية الجبلية المصنفة في خانة البلديات الأفقر على الصعيد الوطني، أن التيار الكهربائي ينقطع لمجرد سقوط زخات المطر، أو هبوب رياح عادية، ومع كل انقطاع تتقطع قلوب السكان خشية المداهمات التي قد تحدث فجأة لاسيما بالقرى القابعة في سفح جبل تمزقيدة على غرار رأس البور، صيدا، لعشاش والناطور، أو تلك المجاورة لجبال بني خطاب كالمربع، دار الغابة، سطيطرة وتنقلست، فالاحتياطات تتخذ إذا تعلق الأمر بتحرك مريب،أو بلوغ معلومات مفادها أن ريح المداهمات ستعصف بديار القرى القريبة من المناطق الغابية، والمعضلة الأكبر حسب رواية السكان أن الكهرباء تغادر المكان دون سابق إنذار، وفي عز النهار أحيانا وفي أجواء مناخية عادية جدا، فالحذر مطلوب رغم الاستتباب الأمني في العديد من القرى.
بومدين لم يمت ودوار يبحث عن الإستقلال
مواطن أخر أثار استغرابه وجودنا بالمنطقة ،معتبرا ذلك مفاجأة كبيرة جدا، فالدوار لايعوده أحد لا في السراء ولا في الضراء، قال(ب.ص) “نحن نتوق إلى شمس الاستقلال، فنحن بأولاد طاهر نقضي ليالينا على وقع الشموع و”الكانكي” كوننا لم نستفد إلى حد اليوم من الكهرباء، لانعرف بكل صراحة من يحكم الجزائر وبعضنا الآخر لازال لايصدق أن الرئيس هواري بومدين قد رحل إلى مثواه الأخيروأنه لم يعد يحكم البلاد”، وأصر الرجل على هذا الاعتراف المر معلنا أن جيرانه لايعرفون لا التلفزيون ولا الثلاجة، ما بالك بالأخبار التي تتناقلها القنوات الفضائية حول مايجري في العالم، ليضيف قائلا “نحن لم نذق بعد طعم الاستقلال ،ظلام دامس وانعدام تام للطريق والصحة مريضة، فهناك قاعتان للعلاج موصدتا الأبواب بكل من أولاد طاهر و أوطى عمر، ولأجل حقنة نضطر إلى المشي على الأقدام قرابة 4ساعات كاملة،ولكم أن تتصوروا كيف يكون حال كهل  ينطلق على الثامنة صباحا ليبلغ ضالته عند منتصف النهار،أليس ذلك بعذاب شديد.”

بدل حقنة إرهابي وفوهة رشاش

سكان الجهة الجنوبية بجيجل محرومون تماما من الحملات التطوعية الصحية الموجهة لفائدة المواطنين ،والتي تخصص لها الدولة أموالا معتبرة، و لا من تلك الموجهة ضمن حملات تلقيح الحيوانات، فاللجان المكلفة بتجسيدها لم تطأ أقدامها دوار بني فوغال حتى ولو عرضت عليها أموال قارون، لأن الإرهاب يحاصر المنطقة ويعشش ببعض أركانها،ولا مجال للحديث عن المغامرة وبدلا من ذلك يستفيد السكان من حين لآخر من حملات المداهمة التي تقودها جماعات إرهابية تبتز المواطنين في أموالهم،وتأخذ الأغطية والمؤونة غصبا عنهم، ومن هنا فتحنا المجال للتطرق إلى هذا الشق الأهم في هذا الاستطلاع.

الهجرة الجماعية للتائبين خوفا من التصفية الجسدية

الشريط الجبلي من بابور إلى جبل سيدي صالح هو الأخطر بالنسبة لقاطني الدوار، فمنطقة أولاد طاهر التي ظلت تابعة “عسكريا” للجيش الإسلامي للإنقاذ سابقا لم تعد كذلك، وباتت في حكم الإرهابيين الذين يتجولون بحرية عبر الدروب الوعرة التي تميز المنطقة، ووصل بهم الأمر إلى حد استغلال الأكواخ المهجورة والإقامة بها وهم مدججون بأسلحة رشاشة، يغيبون برهة من الزمن ثم يعودون، وآخر مداهمة طالتهم قادها تسعة إرهابيين بأسلحة كلاشينكوف. وما يؤكد بقاء الخطر الهجرة الجماعية للتائبين خوفا من التصفية الجسدية حيث يروي في هذا السياق التائب(ب.إبراهيم) انه قرر منذ الاستفادة من تدابير الوئام المدني شد الرحال نحو منطقة بوهالي بتاسوست خوفا من التصفية الجسدية، خصوصا وأنه كان ينشط تحت إمارة مدني مزراق أو مايعرف بالجيش الإسلامي للإنقاذ، ويضيف في هذا السياق “إن حقد الرافضين للعودة إلى أحضان المجتمع يزداد يوما بعد يوم إزاء التائبين”  وما أعطاه هذا الانطباع أن الانتقام بلغ حد تصفية أفراد بعض العائلات، حيث ذكر هنا ماحدث بقرية صيدا منذ بضع سنوات فقط، أين أقدم إرهابي من الجهة على قتل عجوز طاعنة في السن انتقاما لعائلته التي تعرضت لنفس المكروه على يد جماعة أخرى، ولهذا يرى المتحدث أنه لامجال للبقاء في الدوار، وأظهر هذا التائب ندما شديدا على صعوده الجبل مؤكدا أن ظروفا استثنائية ميزت البلاد في فترة معينة أصابت في حق البعض و أخطأت في حق البعض الآخر، وأنه لم يصعد الجبل بدافع الدفاع عن الدين بل فعل ذلك بعد صعود أقرانه من شباب القرية، وكان محتما عليه انتهاج الطريق لحماية العائلة من بطش الإرهابيين.

كنا نخدع أنفسنا بفتاوى يصدرها الأمراء

 ويرى أنه من الأجدر على الذين لم يتخلو عن العمل المسلح أن يضعوا سلاحهم جانبا، فسفك دماء الأبرياء لايستند إلى أية حجة دينية أو دنيوية، وهو الحال الذي يسترجع ذكرياته التائبان (ي.م) و(ش.ا) عندما تحدثا عن ما جرى قبل عشر سنوات بين الجيش الإسلامي للإنقاذ المستحوذ وقتهاعلى الرقعة الجغرافية الممتدة من منطقة أولاد عامر بسطيف إلى بني فوغال بجيجل والجماعة السلفية للدعوة والقتال في عيد الأضحى، حيث إلتقت الجماعتان في معركة طاحنة خلفت عدة قتلى من الطرفين، وبما أن أفراد “الأيياس” استفادوا بشكل جماعي من الوئام المدني ولم يعد بحوزتهم الأسلحة فان البقاء بالدوار أصبح خطرا عليهم، ويستطرد(ي.م) قائلا “إن الرافضين لمسالمة المجتمع باتوا يتصرفون كالحيوانات المتوحشة ولم تعد في قلوبهم الرحمة والشفقة، والدليل أنهم هاجموا تائبا بضواحي منطقة بوحمدون ببلدية الأمير عبد القادر بعد فراغه من صلاة المغرب وكانوا يطمحون إلى تصفيته خاصة بعد حادثة الاستيلاء على بندقية أحدهم من طرف إرهابي تائب، فهؤلاء أصبح همهم اليوم ابتزاز أموال المواطنين والهجوم على مقرات البريد ،وسفك دماء الأبرياء ويخطئ من يصفهم بالمجاهدين، لقد اختطفوا الكثير من الشباب والرجال وقتلوهم كما حدث بمنطقة الزاوية بجيملة أين تم قتل الشاب (ب.ك) تحت جرم تأدية واجب الخدمة الوطنية” وأضاف المتحدث “كنا نخدع أنفسنا بفتاوى يصدرها الأمراء وهي في واقع الأمر لامستند نصي لها”.

الجماعة السلفية للدعوى والقتال رأس الأفعى

 وقد كان المسمى( ض.ع) هو المفتي الأول وينتمي إلى الجماعة التي تسمي نفسها الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وتنشط على محور بلديات زيامة، تاكسنة وايراقن، وبلدية بابور بولاية سطيف، تتكون من 30 فردا ويقودها الأمير المكنى عمير، نفذت العديد من العمليات الإجرامية أشهرها اختطاف تائبين من دوار”الكبابة” ببلدية تاكسنة يوم 14فيفري 2001 والذي ادعى انه اختطفته جماعة إرهابية ليعود إلى النشاط المسلح، حيث حكمت عليه محكمة الجنايات مؤخرا بعشرين سجنا نافذة،كما داهمت منزل تائب آخر غير أنه كان غائبا عن البيت آنذاك، واعتدت بالضرب حينها على والدته وزوجة أخيه،حيث سلبوا منهم الألبسة الخاصة بالنساء والأطفال وآلة خياطة وبعض الأدوات المنزلية ومبلغا ماليا قدره60000دج ،واستولوا على مجوهرات السيدة(ب.ح)، وبتاريخ 24/07/2001تمكن أفراد الفرع للبحث والتحريات بجيجل من العثور على بندقية صيد كانت قد أخفيت من طرف هذا الإرهابي مدفونة تحت التراب بمنزل والده بمنطقة اسراتو ببلدية تاكسنة من صنع روسي عيار12ملم تحمل رقم 9723819، وهي البندقية التي استولى عليها الإرهابيون خلال العملية التي قاموا بها بتاريخ04/08/2000بمنطقة أولاد طاهر ببلدية بني ياجيس والتي منحت للإرهابي(ب.ي م) للدفاع عن نفسه بعد استفادته من العفو الرئاسي، إلا أن الإرهابيين تمكنوا من أخذها من منزله أثناء غيابه.

إجماع على إدانة الإرهاب

مجموعة أخرى من التائبين تحدثنا إليها أجمعت على إدانة كل الأعمال الإجرامية التي تشهدها الجزائر حاليا،حيث قال التائب(ي.م) “إننا نتبرأ من كل الأعمال الوحشية التي تطال الأبرياء وندعوا هؤلاء إلى العودة إلى جادة الصواب، إن التائبين يعيشون ظروفا اجتماعية صعبة لم أجد لحد الآن منصب عمل أقتات منه وكل مافي الأمر أنني أعمل عند الخواص ،وأحترف كل المهن وأملي معلق على نجاحي في شهادة البكالوريا لأدخل الجامعة وأبني حياتي من جديد،وأناشد السلطات أن يمنحوني منصب عمل بالمطعم الجامعي بتاسوست حتى استطيع إكمال دراستي”

مقاومون يستنجدون ويطالبون برد الإعتبار

من جهتهم رجال الدفاع الذاتي تجمعوا بأعداد غفيرة على هامش إعداد هذا الروبورتاج ، وكلهم تذمر من الأوضاع الاجتماعية التي يمرون بها كون أغلبهم فقد منصب عمله ،بعد الوعود العسلية المقدمة لهم حيث فضلوا الوقوف إلى جانب الدولة في هذه المحنة،حيث يقول(س.م) “لقد سئمنا الحياة وحمل السلاح تحول إلى نقمة”، فهؤلاء تخلوا عن مناصب عملهم بالمؤسسات والشركات التي كانوا يشتغلون بها، بعدما أوهمتهم السلطات بأنها ستتكفل بمستقبلهم مقابل البقاء بالدوار لحماية المنطقة من خطر الإرهابيين،في حين يقول (ق.م) “لم نتوقع أن نصل هذا الحد المتدهور من الأوضاع الاجتماعية ،فأنا أقترض من اجل الحصول على كيس سميد وصاحب الدكان ينتظرني أزيد من سنة لأدفع له مخلفات ما اقتنيته من ضروريات الحياة، ويقول (ع.م) “لقد قررت أخيرا الرحيل لم يعد هناك مايشجع على البقاء فعائلتي على حافة الضياع”.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة