النهار تقضي أربع ساعات رفقة الطيارين العسكريين

النهار تقضي أربع ساعات رفقة الطيارين العسكريين

يقضون في السماء

أكثرممايقضونه في الأرض..يخافون على حياة ركابهم أكثر مما يخافون على أنفسهم…يواجهون المخاطر ليلا ونهارا… يتوقعون حدوثها في أي لحظة… يستعينون بخبراتهم حين يتوقف كل شيء أمامهم… عندما تتحدث إلى قائد طائرة تمرس في مواجهة المجهول كل يوم، تكتشف نوعا آخر من عشاق التحديات، لكنهم ليسوا كغيرهم لأن مجال الخطأ منعدم عندهم … غير أن الصدفة وحدها قادتني لمرافقة قائد طائرة عسكرية،  فدفعني الفضول..لاكتشاف الوجه الآخر للرحلات الجوية..كنت قد اختصرتها سابقا  في عبارة :” نرحب بكم ونتمنى لكم رحلة ممتعة معنا” و” قائد الطائرة وطاقمه يشكركم على اختياركم لشركتنا ونتمنى أن نلقاكم مرة أخرى”.

هم شباب في مقتبل العمر…يعشقون مهنتهم التي طالما حلموا بها وسنهم لا يتجاوز 6 سنوات..وربما عشقهم الكبير لمهنتهم هو سر نجاحهم و تألقهم..التقيناهم في رحلة عسكرية خاصة، رافقنا خلالها أبو بكر بن بوزيد وزير التربية الوطنية لولايتي الأغواط وغرداية الذي أشرف الاثنين الماضي على الانطلاق الرسمي لامتحان شهادة التعليم المتوسط، فأربعة ساعات من الزمن تقريبا كانت كافية للتقرب من قائد الطائرة ومساعديه للتعرف عن مهنتهم وعن مهامهم في السماء، وحتى عن المخاطر التي تواجههم يوميا، على متن طائرة من نوع ”فوكار 27” التي يعود تاريخ تصنيعها إلى سنة 1976 بهولندا، وهي التي كان يستقلها الرئيس الراحل هواري بومدين في تنقلاته.

الانطلاقة كانت من مطار هواري بومدين بالدار البيضاء في حدود الساعة 7 صباحا باتجاه ولاية الأغواط، وبعد حوالي ساعة من الزمن، هبطت بنا الطائرة على أرضية مطار مولاي أحمد مدغري بالأغواط، وكان ذلك في حدود الساعة 8 صباحا، وفي تلك اللحظات الخاطفة، كنت أسترق النظر من لحظة لأخرى باتجاه غرفة القيادة، ألاحظ وأراقب تحركات الطيار و مساعديه، حين انتابني خوف كبير من سقوط الطائرة بسبب الصعوبات التي تلقاها الطيار في القيادة، وبعد استفسارنا عن الموضوع، أكد لي قائلا:”إن طبيعة مناخ المنطقة يطرح أحيانا صعوبة في القيادة، لكن سرعان ما نتحكم في الأوضاع..”.غير أنني ولما طلبت منه الإذن لإنجاز روبورتاج عن طبيعة عملهم، تردد في البداية، لكنه سرعان ما وافق بعدما طمأنته بأنني لن أسيئ إليهم وإلى مهنتهم،على اعتبار أن مهمتي تقتصر فقط على نقل الحقائق كما هي في الواقع للرأي العام، من دون تحريف أو تزييف، علما أن العديد من المترشحين للبكالوريا يرغبون في الالتحاق بالمدرسة العليا العسكرية للطيران واهتمامهم بأدق التفاصيل التي تخص هذه المهنة.

قائد الطائرة..خبرة17 سنة خبرة ..وحلمه أن يطير بالرئيس بوتفليقة

اختار مستقبله وسنه آنذاك لا يتجاوز 6 سنوات، لما كانوا يسألونه عن المهنة التي سيختارها حين يصبح رجلا، كان يجيبهم بعفوية تامة”طيار و طيارا بارعا في القيادة..وبعد مضي 20 سنة تحقق حلمه، ولما سألته عن مهنته وعن الصعوبات التي تواجهه في رحلاته الجوية التي يقودها، أكد لي أنها مهنة جد صعبة، لأنهم وبكل بساطة معرضون للمخاطر في أية لحظة، على اعتبار أن الخطأ ولو كان بسيطا ليس من حقهم، بحيث أضاف قائلا:”أي خطأ في الطائرة غير مقبول، فخوفنا على ركابنا يفوق خوفنا على أنفسنا بالمهمة صعبة لكنها ليست بالمستحيلة، وما يمكن الإشارة إليه أن الجيش الشعبي الوطني هو الذي منحني فرصة التكوين والتخرج والالتحاق بالمهنة التي طالما عشقتها”..غير أن الحلم الذي لا يزال يراوده لحد الساعة، هو أن يطير في يوم من الأيام برئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، بحيث قال:”17 سنة خبرة في السماء..ولم يحصل لي شرف القيادة بالرئيس بوتفليقة”.

مررنا بظروف صعبة..لم نكن نغادر الثكنة..خوفا من التصفية الجسدية

مثله مثل بقية الجزائريين الذين مروا بظروف صعبة خلال الأزمة طيلة عشرية كاملة، حين قال لي بصريح العبارة:”مررنا بظروف جد صعبة في الوقت الذي كان كل جزائري مهدد بالقتل في أية لحظة، إلى درجة أننا كنا لا نغادر الثكنة خوفا من التصفية الجسدية”، غير أن الإرادة القوية وحب العمل هما اللذان دفعاني لمواصلة المشوار الذي بدأته.أجمل المناظر نراها عند الغروب والشروق وعدونا الوحيد هو الأحوال الجويةورغم أنني حاولت بذل مجهود بسيط لاكتشاف الأسرار التي تكتنف بغرفة القيادة، ورغم الشروحات التي قدمت لي من قبل الطيارين، غير أن الأمور بقيت غامضة بالنسبة لي، سوى أنني تأكدت في آخر الرحلة بأنه بالإرادة و العزيمة يصبح كل شيء ممكنا، ولما سألته عن أهم اللحظات التي قضاها وهو في السماء، أجابني بصراحة:”إن أحسن اللحظات التي أقضيها بالسماء، وأنا أقود الطائرة هي اللحظات التي تتبع شروق وغروب الشمس، وهي اللحظات التي قليلا ما نشاهدها على الأرض، غير أن العامل الوحيد الذي يرهق الطيار هو سوء الأحوال الجوية خاصة في الليل لما تنعدم الرؤية ويصبح الطيار مجبرا حينها على اتخاذ قرارات استعجالية، لكي ينقذ حياته وحياة من معه على متن الطائرة، خاصة لما يعجز دليل الطيار الذي يعد ”رفيقهم الدائم” في إيجاد الحلول السريعة لمشاكلهم الصعبة التي تواجههم في السماء.


التعليقات (1)

  • ربى يكون فى العون

أخبار الجزائر

حديث الشبكة