“النهار” تلج عالم “حفّاري القبور” بالجزائر.. تسييج القبر يكلف صاحبه ما بين 4500 و6500 دج وأشخاص امتهنوها منذ 20 سنة وآخرون اضطروا لإخفاء طبيعة عملهم حتى يظفروا بزوجة

“النهار” تلج عالم “حفّاري القبور” بالجزائر.. تسييج القبر يكلف صاحبه ما بين 4500 و6500 دج وأشخاص امتهنوها منذ 20 سنة وآخرون اضطروا لإخفاء طبيعة عملهم حتى يظفروا بزوجة

– كثيرا ما أهجر مصدر رزقي الأول لأفتك أحد المعاول من بين يدي أهل الميت لاكتساب الحسنة
– اضطر إلى إخفاء حقيقة عمله عن زوجته حتى دخل بها خوفا من أن تهرب منه
كثيرا ما يكون ذكرهم في المجالس أمام أبنائنا حتى يصابوا ببعض الذعر ويتوقفوا عن شقاوتهم، كما أن الكثيرين يعتبرونهم نذير شؤم ويتجنبون التعامل معهم بالرغم من أنهم أناس عاديون مثلنا، فقط  لظروف وجدوا ضالتهم في هذه المهنة التي يتجنبها الكثيرون، بالرغم من أنها مهنة شريفة مثلها مثل الكثير من المهن. ومع هذا هناك أشخاص فضلوها للارتزاق وحفظ ماء وجوهم وهناك من درجوا على تأديتها لوجه الله وحبا في كسب الآخرة.

يمتهن حفر القبور منذ 20 سنة كاملة وتسييج القبر بـ4500 دج
كانت الساعة تشير إلى تمام الحادية عشرة عندما دخلنا مملكة الأموات المعروفة بـ”سيدي أرزين” ببراقي.. سكون قاتل وهدوء غير اعتيادي.. فقط نسمات الريح التي تعبث هنا وهناك بين القبور، بطريقة تبعث الرهبة في النفوس. قطعنا أشواطا طويلة بين القبور إلى حين التقينا بشخصين يتجاذبان أطراف الحديث عند أحد مداخل هذه المقبرة التي ضاقت بما تحمل بين جنباتها.. اقتربنا منهما على أساس أننا أشخاص عاديون بما أنهم يرفضون الحديث للأغراب ويرفضون الخوض في مواضيع لا تعنيهم.
اقتربنا من عمي الحاج (72 سنة)، شيخ قوي البنية تبدو عليه ملامح الفضول والبشاشة في ثياب عادية، يسند ظهره إلى جذع شجرة، والذي ارتاب لوجودنا في مكان كهذا، فكان يسألنا بإلحاح من نكون، وعن دعوى وجودنا في هذا المكان الذي لا يقصده إلا أولئك الذين يودعون موتاهم، لكننا تملصنا من الإجابة عن هذا السؤال المربك الذي قد يجعلنا نفشل في المهمة التي جئنا من أجلها، وبعد أن ارتاح لوجودنا حدثنا عن رحلته بين الأموات والتي تفوق العشرين سنة قضاها هناك؛ فهو يعرف جميع سكان هذه المدينة تقريبا، وكان شاهدا على دفن أغلبهم “قضيت 20 سنة كاملة في هذا المكان قبل أن أحال على التقاعد منذ سنة تقريبا ومع هذا لا أزال أحن إلى هذا المكان الذي التهم أحلى سنوات عمري، فأنا جالست هؤلاء أكثر من مجالستي للأحياء خارج حدود هذه المقبرة، وهذا ما جعل عودتي للواقع صعبة نوعا ما”. ويتابع عمي الحاج “الجميع يعرفني على مستوى براقي، لأني كنت شاهدا على دفن أغلب الموجودين هنا وأعرف عائلاتهم وأستطيع أن أخبركم بأسمائهم وتواريخ وفاتهم، ولكم أن تتأكدوا بأنفسكم من هذا. قضيت عقدين كاملين هنا في هذا المكان دون أنيس، فقط هذه القبور التي أخذت على عاتقي بناءها، وإعادة تهيئتها بنزع الحشائش الضارة عنها وإعادة دهنها، وفي بعض المرات إعادة تعبئتها بالتراب باستعمال الحمالة اليدوية”.
تعجبنا لأمره كيف يقوم بهذا وهو في هذه السن الحرجة التي لا تحتمل نوعية هذه الأعمال التي تحتاج إلى جهد عضلي كبير، فأخبرنا أن هذا يأتي بناء على طلب من أصحاب القبر أو أهل الميت، أما عن بناء القبور وتسييجها فقال “أنا في هذه النقطة واسطة بين أهل الميت وصديقي البناء الذي يرسل عماله وسط الأسبوع لإتمام القبور المراد تسييجها، والتي تصل إلى عشرة قبور، والتي تسلم نهاية الأسبوع غالبا”. تفاجأنا كيف أنه يقوم بهذه الوساطة دون أن يتقاضى أجرا على ذلك فابتسم قائلا “غالبا ما أتلقى مبلغ 50 دج على القبر الواحد الذي أعرضه عليه والتي غالبا ما أقتني بها خبزا لأولادي نهاية دوامي الذي ينتهي في حدود الساعة السادسة، لكن هناك بالمقابل مرات عدة يكون فيها صديقي سخيا معي”. وعن تكلفة تسييج القبر الواحد قال أنها تتراوح بين 4500 و6500 دج بحسب طلب أهل الميت ورغبتهم في الصورة التي يفضلون أن يظهر عليها قبر ميتهم.
وهنا تدخل زميله، وهو شاب في عقده الثالث، والذي كان يضحك باستمرار وهو يستند إلى جذع إحدى أشجار الكاليتوس التي أنعمت عليهما بضلالها قائلا: “مهنتي هنا هي الحراسة، تسلمت المشعل عن عمي الحاج بعدما أوصدت في وجهي أبواب الرزق، فما كان مني إلا أن تقدمت إلى مصالح البلدية طالبا عملا ضمن الشبكة الاجتماعية لأجد نفسي هنا وسط الموتى، ومع هذا أنا سعيد جدا لكوني أتقاسم المكان مع عمي الحاج الذي قدم الكثير ولا يزال لهذه المقبرة التي يعرفها شبرا شبرا”، وأكد لنا هذا الأخير حلاوة المكان مما جعلنا نطرح ألف سؤال وسؤال (؟؟؟).
حان وقت المغادرة وودعنا عمي الحاج طالبين منه شيئا ما يريد إيصاله إلى المجتمع، فأجابنا بنبرة ممزوجة بالأسى والدعابة في آن واحد “أمنيتي أن أدفن في هذه المقبرة العزيزة على قلبي كثيرا، فقط لدي رجاء سأجعله أمانة في أعناق أبنائي ومن يعرفني، أريد أن أدفن على حافة الطريق حيث تمر السيارات لأستأنس بأصواتها، فلكثرت ما بقيت وحيدا في هذا المكان نشأت عندي عقدة “الكلام بصوت عال وأتشبث بكل شخص يتخطى حدود هذه المدينة النائمة”.

“عمي الضيف” يحفر القبور لوجه الله

ودعنا عمي الحاج بعد أن دعينا له بموفور الصحة والعافية، قاصدين مقبرة “سيدي زيان” شرق العاصمة والكائنة بين حدود ولايتي الجزائر والبليدة والتابعة لبلدية الكاليتوس. تجولنا قليلا إلى أن صادفنا أحد الشباب والذي أخبرنا أن هذه المقبرة الأشخاص هم الذين يقومون بحفر قبور موتاهم بعد أن يستخرجوا التراخيص اللازمة من مصالح البلدية، لكنه كشف لنا عن وجود ثلاث أشخاص يمتهنون حفر القبور غالبا ما يكونون في عين المكان مع الأمسية، وعن الأجرة التي يطلبونها غالبا لحفر قبر ما، قال إن المبلغ يعادل أو يفوق الـ500 دج، أما إذا كنا نريد حفر قبر ما وبسرعة فعلينا بالتوجه إلى “عمي الضيف” وطمأننا بألا نقلق بشأن الأجر بعدما حاولنا استقصاء الأمر، موضحا بأن هذا الشخص لا يتقاضى أي أجر وإنما يؤدي هذا العمل خالصا لوجه الله تعالى، والذي كان بيته في إحدى المزارع القريبة من المقبرة.
قصدنا أول بيت صادفنا، وسألنا عن منزله فكان هو المطلوب. تصورنا ونحن ننتظر أن يطل علينا كهل  يكون قوي البنية، وإذ به يطل علينا مبتسما ومرحبا.. شيخ تجاوز 77 سنة بقليل، أبيض اللحية والشعر، ببشرة سمراء يظهر أنها تتعرض إلى لفحات الشمس باستمرار. انزوينا رفقته خارج منزله المتواضع وما إن عرف مهنتنا والهدف من وراء هذه الزيارة حتى ازداد بشاشة، وقرر أخذنا معه في زيارة إلى مستودعه الذي ما إن دخلناه حتى ذهلنا للعدد الكبير من المعاول والرفوش وكافة الوسائل اليدوية والأدوات، التي تستعمل عادة في حفر القبور، وقال بشأنها “أنا من اقتناها لفعل الخير، وفي الحالات التي تكسر مقابضها أعيد إصلاحها أو أعوضها بأخرى جديدة، وكلما أسمع بوجود جنازة ما أهرع إلى المقبرة وأكون سباقا لحفر القبر للميت دون أن أطلب أي مقابل لكوني أقدم هذا العمل خالصا لوجه الله تعالى. وأنا على هذه الحال منذ سنوات طويلة ولكني توقفت عليها طيلة سنوات الإرهاب ليجرني الحنين إليها بعد استتباب الأمن بالمكان”. عندها بادرناه بالسؤال عن شعوره عندما قام بحفر أول قبر، فرجع بذاكرته إلى الوراء، تنهد وقال: “واجهتني صعوبة كبيرة في البداية، كيف لا وأنا سأقضي وقتي وسط هذا المكان الموحش، حقيقة تملكني الرعب حينها لأني كنت أتوقع أن يحل بي شيء ما مع الوقت (يبتس) مثل الأرواح وغيرها، وبالرغم من تخوفي من هذه المهنة إلا أنني سرعان ما اعتدت عليها واحترفتها، لدرجة أنها أفضل هواياتي على الإطلاق؛ فكثيرا ما كنت أهجر مصدر رزقي الأول كفلاح لأفتك أحد المعاول من بين يدي أهل الميت لاكتساب الحسنة. وصدقيني فهي مهنة طيبة يكسب صاحبها من ورائها الكثير من الأجر”.
ومع تقدمه في السن وملامح التعب التي خطت وجهه، لم يتوقف عن هذا العمل بل كثيرا ما ساعد أهل الموتى كما أسماهم هو “سكان الباطيمات”، على تقبيل الميت، ويقصد بها وضع جثمان الميت باتجاه القبلة. وعن الأوقات المفضلة لحفر القبر قال إنها الفترة المسائية حتى يجف القبر ويدخله صاحبه في اليوم الموالي. لكن كثيرا ما يعجل أهل الموتى بدفنهم خوفا عليهم من التعفن.

حفار القبور.. نذير شؤم لمن يراه أو يعاشره؟

تلك نظرية أكدها لنا جميع من صادفناهم وسألناهم عن هذه المهنة التي تبعث الرهبة في النفوس، وكثير من الطرائف والمآسي التي رواها لنا بعض هؤلاء، حيث قال لنا أحدهم “جيراني يتعمدون اجتنابي وهم في حال أشبه بالقطيعة معي ومع أبنائي، قلما يكلموننا ولا يدعوننا لأفراحهم، وإذا مات لديهم شخص ما يقصدوننا على مضض وكأنني من تسبب في وفاته، وهذا ما أكسب أولادي عقدة نفسية، ويسألونني دائما وباستمرار لماذا اخترت حفر القبور؟ فأقنعهم دائما وباستمرار بأن المسألة قضاء وقدر وأن هذا نصيبي من هذه الدنيا، وأحاول في كل مرة أن أفهمهم بأنه من الأجدر بهم رفع رؤوسهم عاليا بهذا العمل المشرف؛ ففي هذا المكان يتساوى الجميع الإناث والذكور، الأغنياء والفقراء، الأصحاء والمرضى، وهو المكان الوحيد الذي نؤول إليه جميعا ولا نضطر لدفع المقابل لولوجه فهنا يتساوى الجميع.
أما “السعيد” فهو شاب من بين أولئك الشباب الذي نزحوا إبان العشرية الدموية التي تخبطت فيها البلاد سابقا، وقد امتهن هذه المهنة مقابل مبالغ مالية رمزية يسلمها له أهل الميت دون أن يفرض عليهم رأيه، وعن حب في العطاء، مضيفا أن الجميع يهابه ويخشى الاقتراب منه، حتى أنه اضطر إلى إخفاء حقيقة عمله عن زوجته حتى دخل بها خوفا من أن تهرب منه لأنه يقضي يومه كاملا يسعى بين المقابر ليحفر قبر هذا أو ذاك، بما أنه لم يجد أي عمل بديل “احترفت هذه المهنة بعد أن أوصدت في وجهي كل الأبواب لأن السلطات تعتبرني دخيلا على العاصمة وأنا لا أملك بطاقة إقامة مثل الجميع، فأنا كما ترون، حراڤ، داخل البلاد”.
ودعنا هذا العالم الغريب والبسيط في الآن نفسه، والذي لا يزال يحمل في طياته الكثير من الأسرار والطرائف والغرائب، ويبقى أن نعلمكم أن هناك الكثير من ممتهني هذه الحرفة الغريبة يعملون تحت لواء المؤسسة العمومية لتسيير المقابر.


التعليقات (1)

  • 1

    1

أخبار الجزائر

حديث الشبكة