انسداد فرص العمل ببعض الولايات يضطر الكثيرين إلى الحرڤة داخل الوطن:”الزوافرة”.. وصف ارتبط برجال أنهكتهم مشقة السفر والبحث عن العمل

انسداد فرص العمل ببعض الولايات يضطر الكثيرين إلى الحرڤة داخل الوطن:”الزوافرة”.. وصف ارتبط برجال أنهكتهم مشقة السفر والبحث عن العمل

عندما تغيب كل الحلول في الحصول على منصب شغل أو أي عمل يضمن المعيشة للأفراد في بعض المناطق والولايات يضطر سكانها للسفر بعيدا عن منازلهم وأهاليهم بحثا عن لقمة العيش وبشتى الطرق وفي مختلف الميادين غير مكترثين للمتاعب اليومية التي تلاحقهم في مراكز العمل وفي أماكن إقامتهم وفي طريقة عيشهم بصفة عامة وحتى مع أعوان الأمن الذين غالبا ما يأخذونهم إلى مراكز الشرطة للتحقيق معهم بصفتهم غرباء عن المنطقة.. هم “الزوافرة” كما يحلو للبعض مناداتهم إلا أن المصطلح يجرحهم.
هذا هو حال الكثيرين ممن وجدناهم بمقاهي الشراڤة وعين البنيان ودالي إبراهيم وبئر خادم والقادمين من مختلف ولايات القطر الجزائري خاصة ولاية ميلة، جيجل، برج بوعريريج، الشلف والمدية وسبب قدوم هؤلاء من هذه المناطق بالذات هو نقص حركة الشغل وانسداد طرق توفير المعيشة بهذه الولايات من جهة ومن جهة أخرى الفقر الذي يعاني منه هؤلاء وعدم قدرتهم على خلق نشاطات تجارية أو صناعية تتطلب مبالغ مالية كبيرة، فالحل الوحيد بالنسبة لهم هو امتهان حرف أو أعمال لا تتطلب دينارا واحدا من رأس المال. وعن قدومهم إلى العاصمة دون غيرها أكد لنا الكثير منهم على إنها المكان الأكثر حركة في مختلف الميادين خاصة في ميدان البناء الذي يمتهنه أغلبيتهم وذلك للحركة الكثيفة التي تتميز بها العاصمة وكذا المشاريع التي تتحصل عليها الولاية في هذا الميدان، فالكل هنا من أجل هدف واحد وهو العمل ثم العمل لتلبية حاجيات عائلاتهم البعيدة عنهم.

البناء المهنة الأكثر ممارسة من طرف هؤلاء

الأغلبية المطلقة ممن استجوبتهم “النهار” يمارسون مهنة البناء بشكل واسع سواء عند أصحاب البنايات الفردية أو عند أحد المقاولين فمنهم من يمتلك بعض الإمكانيات المستعملة في هذا النشاط كالحطب وآلة خلط الإسمنت المسلح ومختلف الوسائل الخفيفة وهؤلاء هم الناشطين بكثرة ومعروفين في أوساط المواطنين الذين يبحثون عن بنائين، أما النوع الآخر فلا يمتلك شيئا إلا الحرفة التي يتفنن فيها ويتقنها بأصابعه القوية وهؤلاء يعملون غالبا كمكملين للعمل الذي قام به أصحاب النوع الأول، إذ تجد أصحاب المنازل يبحثون عن ذوي الخبرة والتجربة الكبيرتين المتوفرة فيهم لما يتوقف عليه عمل هؤلاء من إضفاء الجانب الجمالي للعمارة، حيث قال لنا عمي “ع.ب” البالغ من العمر 63 سنة والقادم من ولاية ميلة والذي وجدناه بمقهى بمدينة الشراڤة إنه قدم إلى الجزائر العاصمة من أجل البحث عن قوت أبنائه السبعة القصر ويضيف قائلا “أنا أعمل بناء منذ أن كان عمري 17 سنة والحمد لله هذه هي الحرفة التي كسبت بها قوت أبنائي لكني أصبحت اليوم غير قادر على تحمل المزيد من مشاق هذا العمل المتعب الذي لا يطاق” وآثار الحسرة بادية على وجهه من شدة التأسف على الوضع المزري الذي حتم عليه ممارسة هذا العمل. وأكد لنا آخر يبلغ من العمر 43 سنة أنه قدم من برج بوعريريج وهو يمارس هذا العمل الذي ورثه عن أبيه قائلا لنا “ولد الفلاح يبقى فلاح”.
كما صادفنا في جولتنا لبعض المعامل المتواجدة ببئر خادم مجموعة من الشبان لا يزيد عمرهم عن 20 سنة يمارسون هذا العمل الشاق، وعند اقترابنا منهم قال لنا أحدهم إنه يبلغ من العمر 17 سنة قدم إلى هنا من ولاية المدية مع أبيه ليساعده في إعالة العائلة بعد توقفه عن الدراسة في السنة السادسة قائلا لنا “إن الجميع في حينا يتوقف عن الدراسة في سن مبكرة ويأتي إلى الجزائر العاصمة لممارسة مهنة البناء كون آباءنا يمارسون هذه المهنة، من جهة ومن جهة أخرى لا تتطلب الكثير لا من المال ولا من المستوى التعليمي”.
وفي نفس السياق تقربت “النهار” من بعض أصحاب البنايات الجديدة سائلة إيّاه عن البنائين المطلوبين بكثرة والذي أجابنا قائلا “إن بنّاءي الشرق مطلوبون بكثرة” مؤكدا لنا أن العدد الهائل من البنائين المتواجدين بالجزائر العاصمة والقادمين من ولايات الشرق الجزائري خاصة ميلة، سطيف، جيجل يفوق بكثير اليد العاملة النشطة في الشركات الصينية والمصرية.

الصينيون حطمونا والحرڤة أصبحت داخل بلادنا

هذه الكلمات وأخرى ردّدها الكثير من هؤلاء “المهاجرين” من الولايات الأخرى إلى الجزائر العاصمة، فكل عبر حسب طريقته عن مدى استيائه الكبير من نقص فرص العمل في ميدان البناء والبلاط خلال هده السنوات القليلة الأخيرة بعد استدعاء الشركات الأجنبية المتخصصة في هذا الميدان خاصة منها الصينية والمصرية اللتان استحوذتا على كل المشاريع الكبرى في المنطقة. وفي نفس سياق الهجرة يقول أحد البنائين الذي يبلغ من العمر 56 سنة والقادم من ولاية ميلة، إن الهجرة التي تتطرق إليها مختلف الجرائد يوميا والتي تكون وجهتها إلى الدول الأوروبية وتعالج على أنها ظاهرة خطيرة فإنها لا تقل حدة عن الهجرة التي تطال سكان الولايات الداخلية، فأنا هنا -يقول- منذ 40 سنة لم أحضر يوما لازدياد أبنائي، الكل كبر في غيابي. اليوم هم يعرفون أمهم ولا يعرفون شيئا عن أبيهم إلا ذلك الرجل الذي يوصل لهم النقود ويعود ليختفي أشهر عديدة، أفليست هذه هي الهجرة؟! يقول. كما أكد لنا آخرون أن الولايات التي يسكنون بها شبه خالية من الرجال والشبان الذين يهاجرون جماعات جماعات إلى الجزائر العاصمة طلبا لقوت معيشتهم ومعيشة أولادهم، فالهجرة حسب رأيهم هي التي تتم داخل البلاد أكثر من التي تعيشها نحو البلدان الأوروبية، مستندين إلى المعاناة اليومية التي يتعرضون لها من مسكن وملبس وعمل في بلد لا يستفيدون بدينار واحد من مدخراتهم ولا يختلف عن البلدان الأخرى التي تعتبر قبلة الجزائريين للهجرة إلا من حيث اللغة العربية فقط.

المقاهي مكان اجتماعاتهم اليومية ومراكز بحثهم عن العمل

على غرار الأماكن العمومية التي يجتمع فيها شباب وشيوخ الأحياء بالعاصمة من حدائق وأماكن الترفيه وشواطئ البحر، هؤلاء القادمون من ولايات بعيدة يفضلون المقاهي لاجتماعاتهم اليومية كل مساء بعد فترات العمل بالنسبة للعمال، إذ تجدهم يحتلون بعض المقاهي كلية كتلك المتواجدة بالشراڤة قرب محطة نقل المسافرين حيث تجدهم جماعات جماعات يستأنس بعضهم بالآخر مشكلين فرقا متعاضدة فيما بينها تكون غالبا من نفس الجهة. ومن جهة أخرى تجد العاطلين عن العمل يأتون إلى هذه الأماكن للبحث عمن يوجههم إلى مختلف المعامل الموجودة وحتى أصحاب المنطقة الذين يبحثون عن بنائين أو بلاطين ودهانين يقصدون هذه المقاهي لعرض خدماتهم على هؤلاء وكأنها أصبحت تتحدى مراكز الدولة المخصصة للبحث عن العمل والتي أثبتت عدم نجاعتها.
وفي سياق آخر، أكد لنا أصحاب هذه المقاهي أنهم يعملون بكثرة مع هؤلاء الذين باتوا يشكلون فئة من الزبائن لا يمكن الاستغناء عنهم بحسب تنشيطهم للحركة التجارية ككل بدليل أنه يخيم السكون والركوض التجاري على هذه المناطق في فترات الأعياد والمناسبات حيث يعود هؤلاء إلى منازلهم وهذا حسب تصريح العديد من التجار.

طلبة وحملة شهادات عليا “يلوذون” بالمباني الخالية
حال “عيسى.ص” الحامل لشهادة الليسانس في علوم التسيير والقادم من ولاية ميلة إلى الجزائر العاصمة لممارسة مهنة البناء بعد أن أغلقت في وجهه كل فرص الظفر بمنصب شغل في ميدان تخصصه، قال لنا إنه يمارس هذه المهنة منذ مدة طويلة بعد اقتناعه بعدم جدوى الانتظار في ظل الظروف المزرية التي تعيشها عائلته؛ حاله حال “إ.ب” الحامل لشهادة مهندس دولة في الإلكترونيك والذي وجهنا إليه بعض مقربيه إذ وجدناه بأحد المباني يعمل كبناء وبعد حوارنا معه أكد لنا أنه يحمل هذه الشهادة منذ أكثر من 5 سنوات ولم يتلق الرد على كل الطلبات التي تقدم بها إلى المصالح المعنية. وبعد دردشة طويلة أخدنا إلى مكان مأواه المتواجد وسط ركام من الحطب والغبار يفترش الكرتون ويتكئ على الآجور ففعلا يثير شفقة كل من يراه على تلك الحال، وأكد لنا آخرون أنه حتى الذين لا زالوا لم يتخرجوا من الجامعات بعد يأتون إلى هنا لقضاء عطلهم للبحث عن عمل لتوفير مصاريف الدخول الجامعي.
النتيجة التي خرجنا بها من حوارنا مع أغلبية هؤلاء “المهاجرين” إلى الجزائر العاصمة من أجل العمل هو أنهم يعملون دون أي تأمين سواء الذين يمارسون عملهم كأحرار لدى أصحاب المنازل الفردية أو الذين يعملون لدى المقاولين حال “ح.ع” البالغ من العمر 46 سنة الذي قال لنا إن صاحب البناية الذي كان يعمل لديه لم يعطه حقه المتمثل في 400 ألف دج وبدون أي سبب “كونه ابن المنطقة ويتعامل مع أمثالنا بالقوة فقط”، أما فيما يخص التأمين عن الحياة لدى الضمان الاجتماعي فيقول “الضامن ربي” وأمثال عمي حميد كثيرون ممن سيحرمون كذلك من منحة التقاعد بعد بلوغهم الستين وما فوق.
هذه هي حال هؤلاء المهاجرين الذين يعتبرون الصعوبات التي يواجهونها طيلة حياتهم تتجاوز بكثير الصعوبات التي يتلقاها إخوانهم في المهجر، فالمبيت على الكرتون وفي العراء ومشقة البحث عن العمل غير المستقر والمتواصل ومحنة الابتعاد عن الأهل والأقارب لأكبر دليل على ذلك.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة