بعد أن أخذ القدر أغلى الناس منّي فقدت اليوم حنان أبي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدتي الفاضلة.. أولا أشكرك جزيل الشكر على رحابة صدرك وصبرك على كلّ من ألقى لك بشجنه وحيرته، وهذا ما جعلني اليوم أستنجد بحنانك وبتفهّمك لأحظى برد منك ينير طريقي الذي بات مظلما ومليئا بالآلام.فأنا سيدتي فتاة في 18 من العمر، أمرُّ في الآونة الأخيرة بمشكلة ستعقّد حياتي وتكاد تدخلني قوقعة البؤس والحرمان، فبعد أن كنت رقم واحد في حياة أبي صرت آخر اهتماماته بعد أن تزوّج، لا أنكر سيدتي أني لم أرى أية معاملة سيئة من هذه الأخيرة لكن أبي هو المشكل.. فبعد أن توفيت أمي وأنا في سن 15، لم يبق لي في الحياة سوى والدي الذي كنت أعيش في كنفه الأمان وأبصر بعينه الأمل والمستقبل وكل شيء جميل، أغدق عليّ من حنانه، ورعاني أحسن رعاية وبكل جدارة استطاع أن يخرجني من أحزاني إثر فقداني أعزّ الناس، وأنا بدوري؛ على الرغم من صغر سنّي إلا أني حاولت أن أكون دوما تلك البنت المطيعة والمجتهدة فقط لإرضائه وإسعاده، لكن ما إن قرر الزواج ودخلت تلك المرأة حياتنا انقلبت الموازين وغيّر أبي وجهته واستحوذت هي على كلّ اهتمامه ووقته..إنه حقا شعور رهيب عندما تحسّ أن أغلى وأعزّ ما تملك في الدنيا يُسلَب منك، خاصة وأن والدي هو كل ما بقي لي في هذه الحياة بعد أمي رحمها الله، حزني كبير سيدتي، وأنا اليوم لم أجد سواك صدرا رؤوما أشكو له ما يخالجني من أسى على حالي، فهل يعقل ما أنا عليه الآن..؟، أرجوك دلّيني على طريقة أستعيد بها حبّ أبي؛ تعود من خلاله المودّة تفرض نفسها بيننا من جديد..؟
فتاة من الوسط
الرّد:
بنيّتي أشكرك جزيل الشكر على الثقة التي منحتني إياها في الوقت الذي تعيشين فيه اضطرابا عاطفيا وتأرجحا في المشاعر بين الماضي والحاضر، لهذا أدعوك إلى أن تهدّئي من روعك وأن تسيطري على مشاعرك وكذا على أفكارك لأني أظنك متوترة وقلقة جرّاء علاقتك مع والدك وعلى تلك الهوة التي تشعرين بها معه، والآن سأتحدّث إليك وأخاطب فيك عقلك الكبير الذي يقدّر الأمور حق تقدير؛ لأني ومن خلال كلماتك لمست فيك نوعا من النضج والوعي الكبيرين.بنيتي.. لقد قلت في بداية الرسالة أنك لم تري أية معاملة سيئة من زوجة والدك، وأن أصل مشكلتك والدك ومشاعره التي مالت إلى زوجته، وهذا يقودني إلى طرح سؤال؛ هل ما تشعرين به حقيقة لمستها في تعامل والدك معك وأن زوجته تتعمّد جلبه لها، أم أن المرأة لم تؤذك وأن ما تمرين به مجرّد إحساس بالغيرة خلق لديك هواجسا وتخوّفات من وقوع ما لا ترغبين فيه مستقبلا..؟بنيتي.. أتفهّمك جيّدا وأقدّر ما تشعرين به تماما؛ فأنت لا تريدين خسارة حبّ والدك الذي طالما مدّك بالقوة والأمان في هذه الدنيا، فأنت في مرحلة عمرية حساسة وهي أكثر فترة يحتاج فيها الأبناء إلى رعاية خاصة من والديهم وإلى حنانهما الفيّاض، فبعد أن كنت أنت من تحظى بحصة الأسد من اهتمام والدك؛ فجأة وجدت أنثى أخرى تقاسمك كل ذلك، لكن يا بنيتي عليك أن تكوني متفهّمة لوالدك فهو مسؤول عن تلك المرأة لأنها أصبحت زوجته ولابدّ عليه أن يكون لها نصيب من اهتمامه ورعايته، لا بل حتى حنانك وحبك أنت أيضا.فإن كنت حقا لمست ذاك التغيير على والدك اعلمي انه لا يملك تلك القدرة ليقرأ ما يدور في ذهنك أو يسمع أفكارك، ولهذا عليك فتح باب للحوار معه واحرصي على أن تكوني لبقة وذكية في عرض مطالبك التي هي من حقك؛ فربما تجدين لديه ما يطمئنك وما يثلج صدرك ويغيّر الأفكار التي تدور في رأسك، أما إن كان ما تحسّينه مجرّد أوهام وهواجس؛ هنا عليك أن تقيّمي الأمور بشكل موضوعي، وأن تتخلّصي من شعور الأنانية وأن لا تطلبي من والدك أن يهمل زوجته ويصبّ كل حبه واهتمامه نحوك، لأنك ابنته وهي زوجته ولكل منكما الحق في حبه وحنانه، لأنه ومن جهة أخرى لكل منكما دور لا تستطيع الثانية أن تقوم به.حاولي بنيتي بعقلك الكبير وأخلاقك الرفيعة أن تكوني دائما البنت المثالية التي تسعى إلى إسعاد والدها تماما مثلما كنت تفعلين، وتأكدي أن شعور والدك أبدا لن يتغيّر مهما تغيّرت الظروف، بارك الله فيك بنيتي وأنبتك منبتا طيبا إن شاء الله..
ردّت نور