بعد أن بلغا من الكبر عتيا.. هل أتخلى بأمرٍ من زوجتي عن والديّ
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
سيدتي، لا أخفي عنك أن الدنيا ضاقت بي لدرجة أنني أصبحت فيها قاب قوسين أو أدنى من عدم معرفة الطريق السوي الذي قد أنهجه، أخاف أن أخسر ديني ودنياي، فهلا أنرت دربي؟
تتساءلين سيدتي عن المشكل الذي أعاني منه، فأخبرك بأن حياتي كانت تسير على نحو سليم، حيث كنت أعمل في شركة مرموقة بإحدى ولايات الجنوب، فانشغلت بتكوين مستقبلي عن كل ملذات الدنيا، وعندما لمست من نفسي بأنني أهل للمسؤولية، أوكلت لوالدي مهمة إيجاد عروس مناسبة، فاختارا لي من ظنا أنها ستكون سندهم في الكبر، إلا أن العكس كان صحيحا.فبعد مرور سنوات على إقامتي وزوجتي بالجنوب، وبإلحاح من والدي اللذين تقدما في السن، قمت بتحويل ملف عملي إلى مسقط رأسي حتى أكون إلى جانب من وهباني الحياة، فمضت بي الأشهر الأولى على أحسن ما يرام، إلا أنه وفي المدة الأخيرة انقلبت حياتي رأسا على عقب بعد أن أبدت زوجتي بعض الامتعاض من حياتنا الجديدة التي لم ترق لها قط.زوجتي -سيدتي- لم تخجل من نفسها وهي تخبرني بأنها سئمت وملت من بقائها إلى جانب والدي اللذين حمّلتها مسؤوليتهما، مطالبة إياي بضرورة اتخاذ مسكن مستقل بعيدا عنهما، لم أخل سيدتي ولو لوهلة بأنني سأعيش مثل هذا الموقف في حياتي، فكيف لي أن أهرب من والدي اللذين أغدقا علي الحب والحنان من أجل امرأة الأرجح لها أن تدفعني إلى بر والدي وليس العكس.انتظرتها أن تغير رأيها، فضربت لها أمثلة عديدة لأزواج أخذوا البركة من بقائهم إلى آخر لحظة من عمر مسنيهم، منذرا إياها من مغبة ما قد يصيبنا من نقص الحسنات أو تقصيرنا تجاه من هم سبب وجودنا، فقد لا نجد نحن أيضا من يأخذ بيدنا عندما نبلغ أرذل العمر.فاجعتي سيدتي زادت عندما وجدت زوجتي تخيرني بين أن أبقى إلى جانب والدي أو الفوز بحبها وقربها، حيث بلغت بها الجرأة أن طلبت مني الطلاق إن أنا تمسكت بالخيار الأول، وهذا ما جعلني أحيا بين نارين، فلا أنا قادر على هدم عش الزوجية ولا أنا ممن يفكرون في هجر ذويهم بعد أن بلغا من العمر عتيا، ساعديني سيدتي فقد تهت في بحر الحيرة والعذاب.
الحائر من بومرداس.
الرد:
ما أصعب أن يخيّر المرء بين أمرين أحلاهما مر، وما من شك أن الحيرة والعذاب هي من أكثر الأمور التي تكون من نصيبه لدرجة أن الأمور قد تختلط فتخلق حالة من التيهان، إلا أنه عليك أن تدرك أنّ ما من مشكل إلا وله حل.زوجتك أخي، للأسف، نسيت -إن لم نقل تناست- أنك ومن دون والديك لم تكن لتوجد، وقد استغربت أمرها ورغبتها الملحة في جعلك تتنصل ممن منحوها زوجا صالحا لا هدف له في الدنيا إلا إرضاءها حتى ولو كان ذلك على حساب حياته.أظن أخي المحترم أن زوجتك ما كانت لتضعك بين مطرقة رضاها وسندان والديك لولا إحساسها بأنك تكن لها من الحب الكثير، وهذا ما يدفعك للتفكير مليا قبل اتخاذ قرار من شأنه أن يغضب الله عليك ويجعلك تعيش تأنيب الضمير ما بقي لك من العمر.الأرجح في الموضوع أن تأخذ بزمام الأمور، وتضع حدا لتصرفات زوجتك المتغطرسة، فقد صار لزاما عليك أن تغير من الليونة التي كنت تتعامل بها معها، وتبدي نوعا من الشدة في التعامل حتى لا تسوّل لها نفسها أن تطلب منك المحال، ففراق والديك وهما في أرذل العمر، لا يقبله عقل العاقل.تذكر أخي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فطاعة الوالدين فوق كل اعتبار، ولست معك إن أنت طاوعت زوجتك في هدفها، ولتبدأ في استعمال طرق الحوار والترهيب في عواقب هجر الأولياء، ولتحسسها بأنها ستنال نفس ما اقترفته في حق ذويك على يد فلذات أكبادها مستقبلا، ومادامت زوجتك تصر على لغة المراوغة والمساومة، ما عليك إلا أن تسألها عما إذا كانت تقبل بأن ينال والداها نفس ما حكمت به على والديك من حكم جائر على يد كنّة لنا كل الحرية في وصفها بأبشع الصفات، حتى ترى وتتيقن من حجم المشكلة التي هي سببها.أخي العزيز، ثق واعلم أن البقاء إلى جانب هذه المرأة المغرورة سيجعلك تخسر كل يوم شيئا من المقومات والأخلاق التي جبلت عليها، فالأجدر بك إذن فراقها حتى لا تصل إلى المحال، ولتغنم بقرب والديك فرضاهما فوق كل اعتبار، كما أن الجنة هي منال من طاع وأطاع، فلا تخسرها حتى لا تعيش تحت وطأة الندامة ما بقي لك من عمرك، وتيقن أنك ستجد من النساء من طاعة الله لديهن فوق كل اعتبار.
ردت نور