بعد أن تخطّف الموت حب حياتي أأبى مفارقة ذكرياتي
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
سيدتي الفاضلة نور، لا أدري من أين أبدأ ولا أين أنتهي، لكن لا يفوتني أولاً أن أشكرك على هذا الفضاء المميز بالصدق، والتفهم الذي يطبع ردودك النيرة، والتي أرجو من خلالها أن يحظى ما سأطرحه برد يعالج جروحي، ويهدئ من روعي لأن الأمر متعلق بحب حياتي الراحل.نعم سيدتي، إنه الشخص الوحيد الذي أحببت والذي شاء القدر أن يأخذه مني بعد أربع سنوات من الزواج، لقد كانت قصة ولا أروع كلّلت بأنبل النوايا وأصدقها، فكلما أشرقت شمس جديدة في حياتنا مع بعض كلما زاد حبنا، فقد كنا نقضي معظم الوقت معاً، وكأننا أحسسنا بأن الحياة لن تطول بيننا، والغريب في الأمر أنني لم أرزق بأولاد بالرغم من أن كل التحاليل كانت سليمة، ثم شاءت الأقدار أن تخطف مني ودون سابق إنذار أعز الناس إلي في حادث مرور مروع، آخذة معه ابتسامتي وكل شيء جميل في حياتي وأنا في زهرة العمر، رضخت للأمر الواقع وحمدت الله.وبعد أن استوفيت العدة رجعت إلى بيت أهلي، لكن لن تصدقي سيدتي أنني وبعد ثلاث سنوات من تلك الفاجعة لم أستطع أن أنسى يوما زوجي، كما أن صورته لم تفارق مخيلتي. من جهة أخرى، لا أكاد أبرح بيت المرحوم فأنا تقريباً أعيش مع أهله الذين لازالوا يكنّون لي الحب والاحترام، الأمر الذي يرفضه أهلي، فهم يضغطون عليّ دائماً للزواج ثانية، فالله حباني بالجمال، والكثير تقدم لخطبتي وفي كل مرة جوابي يكون الرفض، فأنا سيدتي أرفض أن أربط حياتي برجل لا أستطيع إسعاده، أرفض كذلك أن أتظاهر أنني أحبه في حين أن بالي مشغول بالماضي، بكل بساطة أرفض أن أكون لرجل غير الذي عشقه قلبي.سيدتي الفاضلة نور، ليس هذا فحسب فأنا أشعر أن كلام الناس قد كثر عني، وأصبحت تحت الأنظار، لا تتصورين مدى قلقي، فبعد أن قست علي الحياة حين سلبتني الفرحة، يقسو علي الآن والديّ لأفكر في الزواج ثانية، أنا أعيش ضغطاً كبيراً وأكاد أفقد صوابي، فهل من سبيل لأستعيد راحة بالي؟
أرملة من الشرق الجزائري.
الرد:
أشكرك بنيتي على هذه الثقة، وأحيى فيك كثيراً هذا الوفاء الذي هو عملة نادرة في هذه الأيام، لكن لنفكر معاً ونضع إجابات للأسئلة التي سأطرحها من خلال هذا الرد لعلنا نصل إلى ما بإمكانه أن يقنعك بأن الموت قضاء وقدر، وأن الحي أبقى من الميت والحياة تستمر.فقط قولي لي لمَ سميت قلق والديك عليك وعلى مستقبلك قساوة؟ هل يوجد في الحياة من يحبنا أكثر ممن منحوا لنا الحياة؟ أكيد لا يوجد، فلولا خوفهما لما ضغطا عليك، فاسمحي لي أن أقول لك إن أهلك على صواب، ثم إلى متى ستتحملين هذا الفراغ العاطفي؟ أدرك أن الجرح جديد، لكن بعد مدة من الزمن سينتابك شعور رهيب بالوحدة، لأن الله رغم كل شيء أنعم علينا بالنسيان، بنيتي هل فكرت في سمعتك التي باتت تحت الأنظار بعد ترددك المستمر على بيت أهل زوجك؟ فمهما يكن الأمر فإن هذا الفعل لا يجوز شرعا، وهل تضمنين عمر والدي زوجك لتبقي دائماً بصحبتهم؟ طبعاً لا، ألم تفكري في أنك مازلت صغيرة وأنك ترغبين في تذوق طعم الأمومة والعيش تحت كنف زوج صالح؟ كل هذه الأسئلة والكثير منها ألم تفكري فيها؟ ألا تدركين أنك تحطمين حياتك؟أنت الآن بنيتي تفكرين بعاطفة الوفاء، ولا جدوى من البقاء في بيت أهل زوجك -رحمة الله عليه- فالحياة هي هكذا لا تعطينا دائماً ما نحب، لكن من الأجدر بنا أن نحب ما تعطينا إياه ونعوّد نفسنا على ما لم يكن في الحسبان ولا في البال، فمن الخطأ أن نحرم أنفسنا، وأن نعيش على ماضٍ ليس بإمكاننا أن نغير منه شيئا على حساب مستقبلنا وسعادتنا، ألا تدركين أن ما أنت فيه الآن اختبار جعله الله لك ليمتحن درجة صبرك على من أغدقت عليه بالحب. عزيزتي كنت لأفهمك وأحترم قرارك لو أن الله رزقك بأولاد، لكن وأنت الآن وحيدة فلا مفر من الاستقرار. فكري في مستقبلك عزيزتي بحكمة وعقلانية كبيرين، وأصغي لما يقوله والداك، والزمن كفيل بأن ينسيك جراحك ويعوضك ما بشأنه أن يرسم البسمة على وجهك ويعيد الألوان لحياتك، عودي إلى بيتك وإلى أهلك، واستخيري الله في من يأتيك خاطباً، وأنصحك في الأخير بدعاء أم سلمة: “اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها”، هدئي من روعك عزيزتي وادعي الله واطلبي منه أن يرزقك بمن يقدرك ويحتويك بالحب وينسيك ما فات.
ردت نور.