تخلصوا من النرجسية وتحلّوا بالموضوعية.. من أجل بناء صرح عالٍ ومتين

تخلصوا من النرجسية وتحلّوا بالموضوعية.. من أجل بناء صرح عالٍ ومتين

اتفق مجموعة من العلماء، بمن فيهم الذين يشتغلون في مجال النبات والبيولوجيا، أن «النرجس» هو زهر جبلي ينبت في المناطق الجافة، خاصة آسيا الوسطى ومناطق البحر الأبيض المتوسط، وله 100 نوع.

ويتميز بخاصية منفردة، وهي أنه يقبل الحياة لوحده، حيث يهاجم جميع النباتات التي تنمو بقربه، ومن هذا التعريف العلمي المبسّط، أسقط علماء النفس الاجتماعي حياة هذا النبات الغريبة والسادية، وهو الذي يبدو دائما بلون الزعفران، يجثم ويتسيّد.

لقد أسقطوها على حياة الأفراد، حيث تصادف كثيرا منهم يتصرف وبشكل آلي مثل هذا النبات، ويقال هذا نرجسي، خاصة لدى فئة الفنانين والشعراء وعدد من الساسة ممن يحققون أي إنجازات.

وحتى الرياضيين، تراهم وبنفسيات مستشاطة لا يحبذون أيّا كان أن يتحدث في مجالسهم، فنجوم كل الجلسات حساسون أكثر من اللازم من أيّ انتقاد، يتهربون من الواقع ولا يرضون بغير المدح والكلام المعسول.

النرجسية تعريفا هي عكس العظمة والغرور، بل أخطرهما، لأنها تركن في زاوية حادة من الشخصية، وتبسط أذرع لغتها، إلى درجة أن صاحبها لا يستطيع محاربتها، بل يمتثل لها ويخضع ملبيا طلباتها، إلى غاية أن يصل إلى عدم التحكم في الذات، بل هي من توجهها توجها غير عقلاني، يتلاءم مع واقع الحال، حتى يحدث لها تصادم يومي مع الآخر، لا لشيء إلا لأن خطابها المستند عليه صاحبها يحوز على غاية واحدة وهي جذب الانتباه، بل قل الأضواء.

وهو ما يؤدي إلى اضطراب نفسي يتغلغل داخل النفس البشرية مُحدثا تشويشا بلا حدود، حيث يصعب على المرء بعدها التحكم في مساعدة واستقرار ذاته إن حدث وأن استنجدت وطلبت المساعدة، وينتقل هذا التشويش الذهني إلى أماكن العمل والصداقات والحب وعدم الثبات، وبالتالي يفقد التوازن.

والنرجسية موجودة لدى كافة البشر، ولكن بدرجات متفاوتة، لكن عيبها الوحيد أن المصابين بها يتركونها تكبر داخل ذواتهم، بل تتغوّل وتشيب وتفرّخ خلايا نائمة تذود عنها في كل ساعة من الزمن، حتى يصعب استئصالها، بل تموت مع صاحبها!.

وإذ نحن نتحدث عن الشعراء الذين تمّ ذكرهم في القرآن الكريم عن أنهم في كل واد يهيمون.. يتبعهم الغاوون يقولون ما لا يفعلون، وفي كثير من المرات مع عدد كبير من الجزئيات التي لا معنى لها، تراهم يضخّمون وينفخون فيها، بل يرون الجميع أدنى منهم.. وليس من الضروري أن يظل الشاعر منحني الرأس لسطوتها.

فهو أولا وأخيرا مبدع يملك جميع الوسائل المتاحة كي يكون عقلانيا وموضوعيا، يملك الفكرة والتصور والقلم الذي هو سلاح فتّاك، فوجب عليه أن يكون أمام الورق والمسودات شيء،.

وأمام المجتمع الإنساني شيء آخر، وجب عليه ألّا يخلط بين الحالتين، فقد قرأنا بأن الأنبياء وما أدراك ما الأنبياء، كانوا بشرا ينظر إليهم وهم يبلّغون الرسالة بنظرة، وفي حياتهم العادية بنظرة أخرى.. «ما أنت إلا بشر يوحى إليك».

والشعراء مثلما كانوا لسان القبيلة والأمة، فهم اليوم صحافة العصر والناطقين الرسميين للأحزاب ومقدّمي البرامج الأكثر شهرة، لأنهم يدركون الأشياء البليغة والخيال الواسع وسبل الإقناع، وكذلك لهم رؤى خاصة لعمق الأشياء والواقع، وبالتالي، فقد وجب الأخذ بكل أحاديثهم لأنها تنصب وتحطّ فوق نقاط جد حساسة.

وهذا هو الدور المأمول والمأخوذ على عاتق هذه الفئة، التي تبدو أكثر وعيا من غيرها، وليس دور الشعراء هو الانغماس في البكائيات ومناجاة التصوف ووضع جدار بينهم وبين الواقع، بل هم مرآة الواقع وأطباؤه ومترجموه، وعلى عاتقهم مسؤولية حضارية قصوى، كان ولا بد أن يتحلوا بها رغما عن أنوفهم، وإلا هم لا شيء وبلا معنى.

أخيرا نقول إن مسألة الانتباه والإدراك والوعي عوامل جد مهمة، وهي بمثابة مواد البناء الأصيلة والمحكمة من أجل بناء صرح عالٍ ومتين، وعكس هذا، فالبنيان طبعا سيكون هّشا رثّا وخادعا بمظاهره البّراقة.. والنتيجة انهياره!


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة