تراثنا والثورة الفكرية

تراثنا والثورة الفكرية

سئلت مرة من قبل مراسل جريدة خليجية: لماذا تركز على الحوارات المذهبية وخاصة بدون مقدمات يفهمها الناس؟

فأجبت بما يلي: الحوار بين علماء المسلمين فقرة من فقرات برامجية كثيرة ومتنوعة في قناة المستقلة. هدف هذا الحوار هو معرفة تراث الفرق الإسلامية ونقده، وبوجه خاص نقد الرؤى والأطروحات والفتاوى التي تغذي مشاعر الحقد والكراهية بين الناس وتوقد النار باستمرار من أجل أن تقى هذه المشاعر حية.

الحرية تعني التسامح والقبول بحق الإختلاف. وكثير من الأطروحات المدونة في تراث الفرق الإسلامية، والتي تدرس في المعاهد والجامعات اليوم، تجعل الكراهية نواعا من أنواع العبادة. وهذا أمر محزن ومخالف للعلم ولحقيقة الدين كما جاء في القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية المطهرة.

كيف تواجه ثقافة الكراهية وتقنع الناس بالتخلي عنها؟ الإعلام له دور هام في هذه المهمة. نحن نسلط كشافات الضوء على أطروحات الحقد والبغضاء ليتجنبها الناس، وليدرك علماء تلك الفرق، ممن يعيشون معنا في هذا العصر، أنه ليس بوسعهم التمسك بتلك الأطروحات وتدريسها لأبنائهم ثم الإدعاء في نفس الوقت بأنهم ملتزمون بقيمة التسامح ومناصرون للوحدة الإسلامية.

من أجل تحقيق هذا الهدف نحتاج إلى الصراحة والصبر وأعلى درجات حسن الأدب. هذا ما نفعله أو بالأحرى، هذا ما نجتهد للإلتزام به. ولولا اتهامي بالمبالغة لرددت ما قاله لي أحد الجامعيين المرموقين عن برنامج “الحوار الصريح”. قال لي: إنك قد لا تدرك الحجم الحقيقي لأثر هذا البرنامج. وأضاف: إن برنامج الحوار الصريح ثورة حقيقية في تاريخ الفكر الإسلامي. قد يكون هذا الرجل مبالغا. وقد أكون مبالغا مثله. تأكد بنفسك واسأل الناس.

وسألني المراسل: هناك من يرى بأن بعض ضيوفك طائفيون وبعضهم مؤدلجون أو مبتدعون. كيف يمكن الوصول إلى نتيجة الحوار الصريح عبر هؤلاء؟ فأجبت: هناك نوعان من الحوار. حوار العلاقات العامة والدعاية والتجميل، وهناك الحوار الصريح. قناة “المستقلة” هي مدرسة الحوار الصريح. لقد درست في جامعة لندن لدرجتي الماجستير والدكتوراه. عشت مع الغربيين، ورأيت كيف استفادوا من جرأتهم على النقد وتحررهم من أي قداسة مزيفة لاجتهادات السابقين لهم من الباحثين والكتاب.

أنا استفيد من تجربتي الغربية عبر تبني خيار الحوار الصريح وعبر الدعوة للديقمراطية وحقوق الإنسان. إذا أردت حوارا صريحا عن التراث الشيعي أو الحنبلي أو فكر ابن تيمية فأنت لن تنجح باستضافة خبراء في العلاقات العامة. أنت تحتاج لضيف يعرض حقيقة ما يعتقد به ويقبل السؤال والمراجعة. أكثر ضيوفنا يقولون الحقيقة كما هي، ومن خلال الأسئلة التي تطرح عليهم مني ومن مناظريهم ومن الجمهور يدركون، إما أثناء البرنامج أو بعده، يدركون ما يحتاج إلى مراجعة ونقد وتجديد في تراثهم. حتى لو عاند هؤلاء الضيوف، فإن ملايين الناس الذين يشاهدون الحوار في بيوتهم سيفعلون ذلك. وهكذا يحصل التقدم المرجو نحو التسامح والمحبة والقبول بحق الإختلاف.

الثورة الفكرية الحقيقة تحتاج إلى الصراحة لا إلى المجاملة.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة