ثلاثة آلاف دينار جزائري لدخول وجدة والحدود لم تغلق يوما:”النهار” تقتحم الحدود “المفتوحة” مع المغرب وتدخل إلى مدينة “وجدة”, “من قال إن الحدود مع المغرب مغلقة فقد كذب” !

ثلاثة آلاف دينار جزائري لدخول وجدة والحدود لم تغلق يوما:”النهار” تقتحم الحدود “المفتوحة” مع المغرب وتدخل إلى مدينة “وجدة”, “من قال إن الحدود مع المغرب مغلقة فقد كذب” !

التهريب، اختراق الحدود، الحلابة، المخدرات.. أسماء تنطلق من مغنية لتحط بوجدة المغربية أو العكس صحيح، تلك التجاوزات وجدت أمامها الطريق معبد وتبقى العملية تخضع لمبلغ مالي قد نقول عليه رمزي مقارنة بتخطي الحدود التي قيل عنها إنها أغلقت، هذا ما لم تجده “النهار” التي اقتحمت الحدود المغربية مع الحراڤة ودون تأشيرة، ليس تحديا بل لتنقل رسالة للمسؤولين لإعادة النظر في قضية الحدود.

رالي الحلابة بطريق مغنية
انطلقنا من منطقة الرمشي على الساعة الحادية وعشرة زوالا باتجاه مغنية، الطريق كان عبارة عن رالي لسيارات من نوع مارسيدس “82” ورونو “21” ورونو “25”، وكان عدد السيارات يوحي للمارة وكأن الحدود الجزائرية المغربية لا تزال مفتوحة!
وما استوقفنا قبل وصولنا إلى مغنية هو تجمع كبير من السيارات أمام محطة البنزين بمرسى بلمهيدي ولم تكن الوحيدة التي كانت على هذا الشكل، بل تبين فيما بعد أن جميع محطات البنزين التي هي قريبة من بعضها البعض كانت شبه مستعمرة من طرف مهربي الوقود إلى المغرب مقابل مبالغ مالية بخسة والذين يطلق عليهم تسمية “الحلابة”.
نزلنا من السيارة واقتربنا من المحطة ونحن متأكدين من أن الحلابة لن يكشفوا لنا عن حقيقة النشاط الذي يقومون به ولكن بمجرد أن وجهنا السؤال لبعضهم إن كانوا في المحطة من أجل التزود بالوقود فقط أم أنهم حلابة، رد العديد منهم وبلهجة واحدة “نعم نحن حلابة نشتري الوقود من المحطة لنبيعه بالحدود الجزائرية المغربية”، وقد قبل هؤلاء الجلوس إليهم والتحادث معهم في هذا النشاط غير الشرعي.

الدولة تبيع الوقود بالأورو ونحن نبيعه للمغاربة بالدينار
خلال الحديث معهم أبدى الكثير من “الحلابة” تذمرهم من الأوضاع الاجتماعية التي يعيشها الشاب الجزائري الذي أصبح يجازف بحياته كي يوفر لقمة العيش.. الكلمات التي كانت تصدر عنهم كانت كلها اتهامات للسلطات المحلية على ما تفعله من تجاوزات ويرون أن لجوءهم إلى بيع الوقود الجزائري إلى المغاربة هو مجرد تجارة لا غير، وبرر أحدهم موقفه قائلا “الدولة تبيعو بالأورو ونحن نبيعه بالدينار كي نعيش فقط”.
يقول السيد “ن.م” يبلغ من العمر 29 سنة لديه شهادة ليسانس في علم الاجتماع تخرج في 2001، وضع 8 ملفات طلب عمل لدى وكالة التشغيل دون رد فقرر الدخول إلى عالم “الحلابة” منذ زمن قصير “منذ خمسة أشهر فقط أصبحت أتاجر بالوقود” مضيفا أن ما يقوم به “حق مشروع كوني جزائري ولدي نسبة في البترول” وعبر عن قناعته بأن لجوءه إلى تسويق الوقود للمغاربة “هو تصرف في حقي من النفط ولا يحق لأين كان أن يمنعني من ذلك”. وإذا كان هذا حال من تخرج من الجامعة بشهادة عليا فكيف سيكون حال من لم يجلس في مقاعد الدراسة يوما واحدا؟!
فتحي هو أيضا من “الحلابة” عمره 30 سنة بدأ قبل أربع سنوات كاملة مهنة التسويق غير الشرعي للوقود الجزائري لفائدة المغاربة على الحدود المشتركة بين البلدين. وحسب تعبيره “تعودت على لبروسيات والخدمة ما توفرش حتى لقمة العيش لكن راهي ماشية” مضيفا أن “الأمن يعرفنا ويعرف ما نقوم به ولا يعترض طريقا إلا في بعض الأحيان عندما تأتيه الأوامر من الأعلى”. أما عن المبلغ الذي يجنيه الحلاب من هذه العملية، قال محدثنا إنهم  يجنون 400 دينار إلى 800 دينار في الخزان، أي خلال عملية واحدة لتسويق الوقود.
أصغر “الحلابة” يدعى “م.م” لم يشفع له سنه الذي لم يتعد 19 عاما دخول عالم الموت هذا، كان يقود السيارة بسرعة فائقة همه الوحيد الوصول إلى محطة البنزين التي يجدها تعمل لتعبئة الخزان والانطلاق في رحلة تسويق الوقود عند المغاربة.

المغناوي “محروڤ” والحوادث سببها الحلابة

خلال مرور الحلابة على الحواجز الأمنية، أصبح هؤلاء يتفننون في الحيل للإفلات من الرقابة التي أصبحت لديهم مألوفة، بل همهم الأساسي الآن البحث عن الأماكن التي تصلح في كل سيارة لتعبئتها بالوقود وهي الطريقة المثلى بالنسبة لديهم لقطع الشك في الحواجز الأمنية. وتبين أن لجوء الكثير من الحلابة إلى شراء سيارات من نوع “مارسيدس طراز 82” أو “رونو21” و”رونو25″، يكون عادة لتوفرها على قدرة أكبر في تغيير خزان الوقود إما مضاعفته أو توسيعه.
والظاهر أن عمل الحلاب ليس سوى لتوفير لقمة العيش، لكن هناك من استغل الفرصة وأنشأ شركة على شكل حظيرة سيارات يشتغل عليها شباب بطال مقابل 200 دينار، وتبقى طريق مغنية طريق الموت فحوادث المرور التي يتسبب فيها الحلاب لا تعد ولا تحصى لأن تفكير الحلاب ينحصر فقط في الوصول إلى محطة الوقود قبل غيره ليذهب على الحدود لبيع هذه الكميات من النفط للمغاربة الذين يقومون بنقلها على متن البغال للمغرب، بل وأحيانا عبر السيارات لأن الحدود بين الجزائر والمغرب والتي هي رسميا مغلقة منذ سنة 1994 ليست مغلقة في واقع الأمر، إلا في ذهن الرسميين في البلدين فقط. وتحرك “الحلابة” بين بين مغنية وجربة يكون بحرية المهم أن لا يخرجوا عن نطاق المنطقتين، لأن “المغناوي خارج مغنية مشبوه، إما مخدرات أو تهريب”.

هل توجد حدود ين البلدين؟!
خرجنا من محطة الوقود لنواصل سيرنا باتجاه الحدود المغربية التي تبعد عن مدينة مغنية بنحو 8 كلم، قابلتنا شرطة الحدود التي تركناها واتجهنا بطريق ضيق يفصل بين المغرب والجزائر. توقفنا أمام آخر قطعة أرض جزائرية لمحنا بها راعي رفقة قطيعه توجهنا نحوه مباشرة وسألناه عن الخط الذي يفصل الجزائر عن المغرب، فأشار لنا بيده إلى بعض البيوت التي كانت تفصلها عن الأرض التي كنا نقف عليها وبها أشجار الزيتون.
قال الراعي “تلك المنازل تقع على تراب مغربي” وخلال تفقدنا المكان وقع نظرنا على حي سكني بنفس لمكان، اتجهنا نحوه مباشرة ونحن لا ندري إن كان الحي تابع للتراب الجزائري أو المغربي؟. كانت هناك سيارة من نوع بيجو406 وبداخلها ثلاثة شبان سألناهم إن كنا لا نزال نقف فوق أرض الجزائر، فرد علينا سائق السيارة قائلا بلهجة ساخرة “نعم نحن في الجزائر بحي العقيد لطفي بالعشاش وسننطلق الآن إلى مدينة وجدة، هل تريدون الذهاب؟!”

الركبة إلى مدينة وجدة

في بادئ الأمر اعتقدنا أن صاحب السيارة يمزح لكن بمجرد أن تعرف على هويتنا وقلنا له بأننا صحافة جئنا إلى المنطقة للقيام باستطلاع حول العائلات التي تقيم على الحدود بين الجزائر والمغرب، وقد كان ردهم بسيط “لماذا هل توجد حدود ين البلدين”. وبعد حديث دام دقيقتين طلبنا منهم الجلوس معهم داخل السيارة للحديث عن الأمر بجدية، لم نجد أي اعتراض من طرف السائق الذي فتح لنا الباب الخلفي، جلسنا رفقة الشباب الذين كانوا شبه متخوفين منا في بداية الأمر وهذا بعد أن أخبرناهم أننا صحفيون، لكن حاولنا طمأنتهم وأن ما نقوم به يخدم الجزائر والمغرب ليرد علينا السائق “اسألي ما تريدين ونحن نجيبك”، طلبنا منهم أن يحدثوننا عن العائلات التي فرقتها الحدود بين البلدين.
رد السائق “ي.ع”، 32 عاما، أن عمله يقتصر على نقل الأشخاص إلى الحدود المغربية مقابل 1500 دينار جزائري للشخص الواحد ليسلمهم إلى السائق المغربي والذي بدوره يوصلهم إلى منطقة لحدادة مقابل 1500 دينار جزائري فعملية قطع الحدود -حسب محدثنا- لا تتطلب سوى 3000 دينار جزائري.
ويتدخل شاب كان يجنبه في السيارة قائلا “ماذا تفعل العائلة التي يكون أفراد منهم يسكنون بالجزائر والبقية بالمغرب سوى اتخاذ سبيل الحرڤة عبر الحدود، خاصة وأن ثمن التذكرة يفوق 3 ملايين سنتيم” وأضاف “الأمر ليس كما تصفه السلطات حدود وحراس الحدود، بل الأمر بالنسبة لنا أسهل من ذلك بكثير في الصباح أكون في الجزائر وفي المساء أتجول بأزقة وجدة” وأضاف “أبوايا منفصلان أمي بالجزائر وأبي بالمغرب، فلا يوجد أي شيء يمنعني من التنقل وبحرية لرؤيتهما”. وفي هذه الأثناء يتدخل شاب ثالث ويطلب منا التوقف والرحيل والاكتفاء بما حصلنا عليه من معلومات وأن الوقت تأخر على مغادرتهم والدخول لوجدة ولم يخف تخوفه منا، لكن وبعد تبادل قصير للحديث معه وافق على الحديث معنا، حيث صرح بأن عمره 19 عاما وأن مهنته “الطرابندو” وقال إنه يعمل “كي أوفر لقمة العيش وجميعنا نعمل من أجل ذلك”.
وأخذ السائق الكلمة له من جديد وطلب منا أن نرافقهم إلى مدينة وجدة كي نرى بأم أعيننا بأن عملية الحرڤة لا تتطلب عناء كبير، حينها لم يكن الأمر سهلا ولم نستطع أخذ القرار في تلك اللحظة، احترنا بين الرحيل أو العودة إلى الفندق بتلمسان، وبعد تفكير قررنا الحرڤة عبر الحدود ليس للمغامرة، بل لمعرفة إن كان الأمر بتلك السهولة كما سمعنا.

الانتقال من مغنية إلى وجدة
في صباح الغد انطلقنا من الفندق نحو مغنية الساعة كانت تشير إلى الحادية عشرة ونصف صباحا، كنا ثلاثة تقاسمنا الأدوار قررت أنا والمصور قطع الحدود البرية. أما السائق فيقوم بإيصالنا فقط بالسيارة إلى حي العقيد لطفي بالعشاش ثم ينتظرنا أثناء العودة هذا إذا عدنا!!
وصلنا إلى الحي في حدود منتصف النهار والنصف لم نجد سيارة الأمس، لكن وجدنا ثلاثة شبان كانوا جالسين بمدخل إحدى العمارات بالحي أعطيناهم نوع السيارة وملامح السائق وسألناهم عن مكان تواجد السائق الذي جئنا من أجله.
قام أحد الشباب بالاتصال به هاتفيا، لكن كان جهازه مغلقا وبعد حديث قصير تأكد الشاب أننا نرغب في قطع الحدود وأننا بحاجة إلى قطع الحدود البرية في هذه اللحظة، فهم الشاب القصد فطلب منا المجيء معه لقد فهم غرضنا ونحن وافقنا على الركوب معه.
اتجهنا الاثنين نحو السيارة تاركين وثائقنا لدى رفيقنا الثالث، ما عدا بطاقة التعريف وآلة التصوير، كان شكل السيارة والسائق لا يوحي بأننا قد نتحرك من مكاننا فما بالك بقطع الحدود.
فالسيارة كانت معظم أجزائها متناثرة، لكن مقصدنا جعلنا نتجاهل شكل السيارة ووضعيتها المهترئة، ركبنا السيارة التي اتجهت نحو طريق ضيق يتوسط بستان كبير.. المسافة التي سرناها لا تتجاوز العشرة دقائق لتتوقف السيارة ويطلب السائق منا النزول نزلنا أمام منزل صغير كان على شكل بيت قصديري، كان به شاب تحدث إليه السائق وقال له إذا سألك أحد على السيارة قل له إنها معطلة، ساعتها أخبرنا السائق أن أرض الجزائر تنتهي في تلك النقطة وطلب منا أن نتقدم إلى الأمام سيرا على الأقدام، لأن السيارة المغربية التي ستوصلنا إلى وجدة تبعد مسافة عشر دقائق على النقطة التي توقفنا بها.
سرنا بطريق ضيق وسط الأعشاب وكانت على يسارنا أرض واسعة، أخبرنا السائق أن الأرض التي نمشي بها أرض مغربية فإذا بحائط يقابلنا كان هناك رجلان يجلسان أمامه، أخبرنا السائق أنهما مغربيان يريدان المرور لكن على الأقدام تجاوزنا ذلك الحائط، فإذا بنا نجد مخزن كان إلى جنبه رجلان سلم عليهما السائق وبقوا يتسامرون في الحديث وبعد لحظات أخبرهم السائق أننا نريد المرور إلى مدينة وجدة فطلب منا أحد الرجلين أن ندخل إلى المخزن الذي كنا نقف أمامه كي لا يرانا أحد، دخلنا إلى ذلك المكان الذي كان به محرك كبير للسقي وأدوات فلاحية كما كان يركن المخزن سرير عليه فراش جد متسخ عرضوا علينا الجلوس وأمام تلك المشاهد وما قد ينتظرنا لم نمانع وجلسنا ننتظر في السائق المغربي وبعد خمسة دقائق دخل علينا رجلان آخران وجهوا لنا وابلا من الأسئلة والاتهامات، سأل الأول المصور سيد علي “هل تريد الهروب؟” ليوجه لي السؤال نفسه وكان ردي أنا والمصور أن “دخولنا لوجدة ليس للهروب بل لمدة ساعات وسنعود بعد ذلك إلى الجزائر مجددا”.  
س/ ما هي صلة القرابة التي تربطكما؟
ج/ أبناء الخال.
س/ لماذا تريدان الذهاب إلى وجدة؟
ج/ زيارة عمل.
وبعد التحري في بعض القضايا المتعلقة بحقيقة الرغبة في زيارة مدينة وجدة المغربية، تبين لنا أن الرجلان اللذان كانا بصدد مساءلتنا لم يكونوا في الواقع إلا مخبرين لحراس الحدود المغربية، خرجا ليدخل سائق السيارة الذي اصطحبنا لذلك المكان الموحش ليخبرنا أننا لا نستطيع تجاوز الحدود إلا بعد تقديم العنوان الذي سنقصده، لم نتوقع ذلك الشرط لكن تداركنا الأمر واتصلنا بصديق وطلبنا منه إعطائنا اسم وعنوان مغربي يكون ساكن بوجدة وبعد عدة محاولات دامت نصف ساعة كاملة تمكنا من الاتصال بشخصين، وبعد الحصول على العنوان، طلب السائق الجزائري من صاحب قطعة الأرض أن يتصل بأخيه كي يأتي ليوصلنا إلى مدينة وجدة، وفي هذه اللحظة أخبرنا السائق الجزائري أنه سيرحل وطلب منا أن ننتظر قدوم السائق المغربي فطلبنا منه أن يبقى معنا قليلا وقد وافق على ذلك بتردد.
بعد فترة وجيزة اتصل به شخص وطلب منه القدوم لأخذ سيارته التي تركها على الحدود وقبل رحيله أخبرنا أنه يخاف أن لا نعود ثانية إلى الجزائر وقد نسبب له مشكلا وهنا طلب من صاحب الأرض الفلاحية المغربية التي نتواجد فوقها أن نترك لديه وثائق الهوية كضمان وتفاديا لأي مشاكل وبعد أن سلمناه البطاقتان رحل السائق الجزائري وتركنا أمام مصير مجهول وأخبرنا قبل رحيله أننا لما نعود سيتصل به صاحب الأرض كي يرجعنا من حيث جاء بنا. وبعد دقائق من رحيله إذا بنا نسمع صوت سيارة خرجنا مسرعين لكن لم تكن السيارة التي ستأخذنا بل كانت تحمل حراڤا مثلنا. اللحظات كانت صعبة ومرهقة وكانت 15 دقيقة الإضافية التي انتظرناها بمثابة سنة كاملة من الوقوف وفي عز الخوف من المصير الغامض وصلت سيارة ثانية وهنا تقدم منا السائق المغربي وطلب منا العنوان في وجدة فأعطيناه العنوان فقام السائق المغربي بالاتصال برقم هاتف صاحب العنوان الأول للتأكد من الأمر، فنفى هذا الأخير معرفته بنا. أما الثاني لم نكن نملك رقم هاتفه، هنا راوده الشك وهنا كاد أن يبطل رحلة “الحرڤة” لولا أننا ترجيناه بأخذنا إلى مدينة وجدة ووعدناهما أننا لا نغادر السيارة إلا بعد إيجاد الشخص الذي سنقصده وإن لم نجده سنعود رفقة السائق المغربي من حيث أخذنا.

النهار تخترق الحدود المغربية

كانت الساعة تشير إلى الثانية وإثني عشرة دقيقة زوالا عند انطلاقنا نحو وجدة، رحيلنا كان على يد مخبري حراس الحدود المغاربة. أما السائق الذي كان يبدو في بادئ الأمر أنه عنيف تغير كليا وأصبح في لحظات قصيرة شخصا آخر، لا يريد منا سوى مصارحته بالأمر ليساعدنا، في تلك اللحظة لم نجد سوى حجة واحدة أخبرناه بها وكانت هي الحل الوحيد أمامنا “جئنا لوجدة لمعرفة إن كان الطريق مؤمن وسهل لشراء ألبسة مغربية نقوم ببيعها في العاصمة التي نملك بها محلا تجاريا”. لم يخف السائق فرحه بذلك ورد قائلا علينا ببهجة لم تخف على وجهه “لماذا لم تقولوا هذا الأمر من الأول” وعرض علينا المساعدة.
وأمام ارتياحه لنا طلبنا منه أن يلف بنا بعض شوارع مدينة وجدة وبعد ذلك يأخذنا لمنزله لكي نرتشف معه الشاي.
لم يمانع السائق، بل رحب بالأمر وخفف علينا ارتياح السائق من الضغط الذي كنا نعيشه وفي لحظات بدأنا نكتشف سحر مدينة وجدة التي أصبحنا فيها بعد مدة لم تتجاوز العشرين دقيقة. الطريق الذي سلكناه إلى وجدة كان لا يختلف عن الطرق الجزائرية.
خلال الطريق إلى مدينة وجدة لمحنا حاجزا أمنيا، فقام السائق بتغيير الطريق وكان الأمر بالنسبة له عاديا لم يثر قلقه، بل كان يسير بنا وهو واثق من نفسه بأنه لا يوجد أحد يستطيع أن يوقفنا.

الحدود ستفتح “بالسيف عليهم”!!
تجول بنا السائق في وجدة وتعرّفنا على بعض المعالم بالمنطقة كالباب الغربي لحديقة لالة مريم وحديقة لالة عائشة والسوق الذي وجدنا معظم محلاته مغلقة لأن زيارتنا لوجدة كانت يوم جمعة.
كما سألنا عن العنوان الثاني الذي أعطيناه لسائق قبل انطلاقنا، لكننا لم نصل إليه، فتوجه بنا المغربي إلى بيته الذي يقع بمحاذاة السوق، وقبل أن ندخل كان يبدو لنا أن للسائق منزلا كبيرا. صعدنا معه إلى الطابق الأول ودخلنا إلى قاعة الاستقبال، وسألنا: ماذا نشرب؟ فلم نتردد وطلبنا منه أن يعد لنا الشاي المغربي.. ذهب مباشرة إلى زوجته ليطلب منها إعداد الشاي، ليعود ويطلب مني أن أذهب للتعرف عليها ورغم عدم معرفتها بي استقبلتني بحفاوة وتبادلنا أطراف الحديث ليطلب السائق من المصوّر الانضمام إلى الجلسة الحميمية.
جلسنا جميعنا وسط المنزل الذي كان يتميز بنقوش مختلفة الأشكال على السقف، أما الجدران فقد كانت جميعها بالبلاط التقليدي المغربي، وزيّنت الجلسة رائحة الشاي الأصيل، بالإضافة إلى طبق مغربي يدعونه “السميطة” وحتى التمر الجزائري كان حاضرا.
حديثنا كان مختلفا، بداية من 1963 إلى يومنا هذاحيث بدأ محدثنا كلامه بقضية الحدود قائلا “الحدود ستفتح بالسيف عليهم” وأضاف “الجزائريين والمغاربة إخوة لن تمنعهم الحدود من التنقل نحن نتحرك بكل حرية ولم يوقفنا احد لا الحراس المغربي و لا الحرس الجزائري نحن ندفع ونمر”.
بدأ السائق في عرض الكلام المتداول عند المغاربة وقال أن “الجزائر غنية جدا لكن خيراتها يستفيد منها الحكام أما الشعب فهو يعاني” وأضاف “الأوضاع المعيشية بالمغرب أحسن بكثير من الجزائر فسعر البطاطا عندنا لا يتجاوز 20 دينار جزائر لكن عندكم وصلت إلى 70 دينار جزائري”!!
انتقادات مضيفنا السائق المغربي كانت لا تعد ولا تحصى ليصل إلى قضية الصحراء الغربية “الصحراء الغربية مغربية لا نقاش في هذا الأمر والقضية افتعلها القذافي وبومدين”.
حديثه لم يخرج عن الانتقاد والتذمر من الجزائر هذا الأمر جعلنا نغلق باب النقاش و نتحدث عن الحدود والتهريب وكيفية الدخول والخروج بين حدود البلدين.
الحديث معه ألغى أي معنى للحدود وأكد على أن الجميع “يدخل ويخرج دون أي قيد المهم أن يدفع الواحد الأموال وأن تتحول منطقتا وجدة ومغنية وكأنهما تخضعان لسياسة الصعاليك قطاع الطرق”.
السلع تروج هناك وتصل إلى أبعد نقطة بالبلدين عارضا علينا خدماته في حالة ما إذا أردنا شراء السلعة مؤكدا على أنه لن يخيب ظننا به حيث قال “أنا أتعامل مع جزائريين من بلاد القبائل معرفتي بهم عبر الهاتف فقط وآخر من المسيلة أقوم باقتناء البضائع
بدلهم و أوصل السلعة إلى غاية الحدود وهناك سأجد جزائري ينتظرني ويقوم بتحميلها إلى غاية مغنية.
أما عن سعر هذه الخدمات فقد صرح محدثنا على انه يأخذ 2000 دج للحقيبة الواحدة أما الجزائري يفرض على التاجر مبلغ 4000دج نظرا لتضييق الخناق بالحدود الجزائرية مشيرا أن عدد الحراس بالمغرب أكثر ما هو موجود بالجزائر لكن الفرق بينهما أن  حراسهم طيبون ويرضون بأي مبلغ يعطى لهم كي يسمحوا بمرور السلع أما حراس  الجزائر وصفهم بالمتعنتين ليس تطبيقا للقانون بل (زكارة)  ويبقى المبلغ الذي يدفع لحراس الحدود الجزائريين مضاعفا على ما يأخذه المغاربة وطلب منا المغادرة لأن وقت تغير فرقة الحرس الجزائرية وقد تصعب عملية الدخول الجزائر.
صعدنا السيارة لمغادرة وجدة لكن طلبنا من السائق أن يسمح لنا بالتقاط صورة داخل وجدة التي دخلناها “حراقة”لم يمانع بل أصبح يختار لنا أجمل مكان بالمنطقة لكي تبقى لنا تذكارا ووقع اختياره على حديقة” لا لا عيشة” بطريق البارك  مؤكدا لنا على أنه لا يجرئ أي احد كان من الشرطة أو الشعب أن يقترب منا لأن الجميع يعرفونه انه يتعامل مع أشخاص يدخلون بغية التجارة أو الزيارة. وما أن أكمل حديثه معنا توقف أحد أفراد الشرطة المغاربة حيث سلم عليه دون أن يعترض طريقنا أو يسأل علينا.
عدنا من نفس الطريق التي أتينا منها  لنصل إلى مزرعة المغاربة وهناك أول من التقينه هو مخبر حارس الحدود الذي حقق معنا قبل الانطلاق كما أنه لم يفوت الفرصة وعاود  فتح التحقيق مجددا لكنه كان أكثر ثقة من المرة الأولى ووجه لنا تهمة الدخول إلى وجدة بغرض بيع المخدرات أو ما شابه ذلك وخاصة أنه كان متأكدا أننا سنذهب بدون عودة.
وما زاد من شكوكه هو قصر المدة التي قضيناها بالمغرب لولا تدخل السائق المغربي الذي أقنعه أننا جئنا لغرض معاينة الطريق التي ستكون ممرا لتجارتنا حسب اعتقاده  ليفاجئنا الحارس المغربي برده” لماذا لم تفصحوا عن مبتغاكم منذ البداية الطريق آمن ومرحبا بكم في أي وقت “.
 وفي الوقت الذي كنا نتبادل فيه الحديث مع صاحب المزرعة اتصل السائق الجزائري ليقوم بأخذنا من حيث جئنا ودعنا السائق المغربي تاركا رقم هاتفه وكله آملا أن نتصل خلال هذا الأسبوع انعقد اتفاق العمل سوية.

الحكام يتخذون القرار والشعوب تتصارع !!

لم نكن الحراقة الوحيدين بالمزرعة بل كان هناك شاب مغربي يريد الدخول إلى المغرب وشيخا ينحدر من الصحراء الغربية  بالضبط من منطقة “طانطا”  الذي كان متجها إلى عائلته القاطنة بتمنراست على حد قوله.
دار بيننا (المغرب ، الجزائر ، الصحراء الغربية)  حوار حول الاختلافات في موضوع الصحراء المغربية والذي تبين عدم رضا الطرف المغربي الذي كان يعمل بوهران  “النقش على الجبس ”  على موقف الجزائر تجاه القضية لكن الشيخ أغلق النقاش  بجملة ” الحكام يتخذون القرار والشعوب تتصارع” لتأتي السيارة وتأخذ المغربي باتجاه وجدة وتليها لتأخذ الشيخ باتجاه مغنية وبعد دقيقتين تصل سيارة صديقنا السائق الذي كان في قمة السعادة وكان هو أيضا متأكدا على عدم عودتنا من جديد ترحيبه بنا كان يوحي وكأننا من أقاربه الذين طالت غيبتهم.

 دخول مبعوثا “النهار” إلى الجزائر جريا على الأقدام

 كنا من المفروض أن نعود كما جئنا بالسيارة وفي نفس الطريق لكن تواجد الدرك بالمنطقة حال دون ذلك وطلب منا السائق  أن ندخل الحدود جريا على الأقدام  عبر أشجار الزيتون التي تفصل بين البلدين وبمجرد دخولنا إلى أول شبر بالجزائر حتى وجدنا حارسا جزائريا قام بتمريرنا على مركز الحدود دون أن يشعر بنا أحد وهذا مقابل مبلغ مالي أعطاه له السائق الذي وجدناه  ينتظر بسيارته.
ركبنا السيارة وتوجهنا إلى بيت السائق الموجود بالمنطقة لاستعادة بطاقاتنا التعريفية وأبى السائق أن يعيدنا من حيث أخذنا كي لا يشعر بنا الأمن ووضعنا بالطريق الوطني الرابط بين وجدة ومغنية بقينا ربع ساعة ونحن ننتظر في قدوم سيارتنا.
وخلال المدة  التي كنا ننتظر فيها السيارة  مرت علينا الشرطة مرتين و بعد ركوبنا السيارة أوقفنا حاجز أمني للدرك والذي قام بتفتيش السيارة ووثائقنا وسمح لنا بالمرور  لنتفاجأ بعد دقيقتين بحاجز آخر الذي قام بتفتيش السيارة ثم أخذنا إلى مركز الدرك بمغنية بغية التحقيق وأخبرنا رئيس الفرقة أن لديهم معلومات أننا من الصحافة ومنذ يومين  ونحن نحوم بالمنطقة وما لفت انتباهنا أنه في نفس الذي كنا نستجوب فيه كان هناك شابان بالغرفة المقابلة من “الحلابة” هم أيضا كانا ينتظران فتح التحقيق معهما.
وبعد التأكد من  حيازتنا على أمر بمهمة القيام باستطلاع حول التهريب في منطقة تلمسان أخلي سبيلنا ولم يكن هذا آخر حاجز في الطريق بل حتى فرقة الجمارك ساهمت في عملية التفتيش ، انتهت  رحلة الحرقة التي قامت بها “النهار”  في  ساعات متأخرة من مساء الجمعة.

حوار بين المزارع مساعد الحراقة مع مبعوثة “النهار”
13000 دج مقابل اختراق الحدود الشرقية للمغرب
صاحب المزرعة بالمغرب: من أنتما ؟
مبعوثا “النهار”: نحن جزائريان جئنا من العاصمة باتجاه وجدة ؟
صاحب المزرعة: هل تريدان الدخول إلى المغرب هروبا من جريمة قمتما بها؟
مبعوثا “النهار”: طبعا لا نريد الدخول لوجدة لمدة ساعات فقط ونعود من جديد.
صاحب المزرعة: لماذا ؟ ما هو هدفكم هناك ؟ أتريدان الحرقة إلى اسبانيا ؟
مبعوثا “النهار”: قلنا لك أننا نريد زيارة وجدة  بغرض العمل.
صاحب المزرعة: ما هو نوع  العمل الذي يجعلكما تدخلان وجدة لمدة ساعات ؟ أكيد أن القضية تتعلق بمبلغ مالي كبير او مخدرات أو ما شابه ذلك.
مبعوثا “النهار”: لا بل سنلتقي بصديق قصد إمضاء عقد عمل  يجمعنا
صاحب المزرعة: جوابكما لم يقنعني صارحاني بحقيقة الأمر لكي تمرا شكلكما أنكما لستما بإخوة وأشعر أنكما تريدان فعل شيء ما هناك.  
مبعوثا “النهار”: الأمر لا يهمك المهم أننا سنعود خلال ساعات والسيارة إلى ستأخذنا ستعيدنا.
صاحب المزرعة: هل تعرفان المبلغ الذي ستدفعانه؟ يقدر بـ 1 مليون و 300 سنتيم لكما 3000 دج تدفعانها لصاحب السيارة الجزائري و 3000 أخرى للسائق المغربي و 1000 دج تدفعاها لي مقابل مروركم على المزرعة ونفس المبلغ تدفعانه عند العودة
مبعوثا “النهار”: هذا كثير.
صاحب المزرعة: المبلغ يقسم على عدة أطراف  فالسائق الجزائري يقوم بالدفع للحرس و المغربي يقوم بنفس الشيء للحرس المغربي ( عائلات كثيرة تسترزق من هذا العمل )


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة