جفاء أبي ساقني إلى المعاصي… فما السبيل لأستعيد رضا ربي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أمي نور.. اسمحي لي إن قلت لك أمي، لأني حقيقة وكلّما قرأت لك أتذكّر والدتي التي أخذها القدر مني وأنا في بداية المشوار لتتركني أعاني مع والدي الذي تعتبر الحياة بالنسبة إليه مجموعة كبيرة من الموانع إلا اللهث وراء الأموال.. لن تصدّقي سيدتي إن قلت لك أني أعيش بحبوحة مالية، لكن لا طعم لي في هذه الحياة، وهذا ما دفع بي إلى البحث عنها بأي ثمن كان؛ ولكني للأسف وقعت في فخ المعاصي وارتكاب الذنوب، فبعد وفاة أمي رحمة الله عليها؛ قرّر أبي أن يعيد الاستقرار لحياته إلى جانب امرأة تسهر على رعاية شؤونه؛ لكنها الأخرى تعاني من جفائه وغطرسته، فأبي المصون سيدتي يظن أن الحياة ماديات وفقط.. وكلّما عقبت زوجته المغلوب على أمرها يردّ عليها “أنا أتعب من أجلكم”، وكأننا نحتاج منه فقط ما يجعلنا نعيش في ثراء فاحش.. أعلم أن هذا ليس سببا كافيا لأرمي بنفسي في وحل المعاصي؛ لكنها كانت الطريقة الوحيدة لأنسى بها الفراغ الذي تركته أمي ونسيان قسوة أبي.. فلن تصدّقي سيدتي إن أخبرتك بأني لم أترك أي نوع من المخدرات لم أتذوّقها،لا لشيء فقط لأعيش غيبوبة تذهب بي بعيدا عن هذا العالم الذي لم يعد لي فيه ما أقاوم من أجله..أعلم سيدتي أنك ستعاتبين علي تفكيري وتصرّفاتي تلك وأنا في الثلاثين من عمري، لكن صدّقيني إن قلت لك أني لا أجد السبيل الذي أنتهجه لأحيي به مشاعر أبي وأجعله يتراجع عن ذاك المنطق الذي قضى على حياتنا جميعا.سيدتي.. أنا فعلا تائه في بحر هذه الحياة، ولا أدري أين ولا كيف سينتهي بي الأمر؛ لأني فعلا قد ضقت ذرعا من جفاء والدي؛ كما لا أخفيك أني ضقت ذرعا أيضا من نفسي، حيث فقدت الثقة في كل شيء من حولي ويئست من هذه الحياة، فأنا أشعر بتقصير رهيب في حقّ اللّه، وأنه غير راض عليّ، فهلاّ أنرت دربي من فضلك وأرشدتني إلى جادة الصواب، فأنا في أمس الحاجة إلى صدر حنون يضمّني وإلى يد دافئة مفعمة بالصدق لأن تأخذ بيدي إلى عالم السكينة والطمأنينة، وراحة الضمير..؟
ابنك المعذب رياض
الرّد:
بني.. تأكد أنه لشرف كبير لي حين وضعتني في ذاك المقام واعتبرتني أما لك، وأنا بدوري أقول لك يا بني أنا في خدمتك وفي خدمة جميع القراء بصدر رحب وحب كبير فألف شكر لك، بني لقد تأثرت كثيرا لما جاء في رسالتك كما احترمت أكثر صراحتك في الطرح، فأنت على يقين بأنك مخطئ في حق نفسك ولكن اسمح لي بأن أخبرك بأنك مخطئ حتى في حق والدك الذي يعتقد أن الحياة هي راحة مادية وهو يسعى جاهدا لتحقيقها وتوفيرها لك.بني.. إن اعترافك هذا هو أكبر دليل على رفض لكل ما أقدمت عليه لأنك ترفضه بداخلك، وأما إصرارك عليه فهو ليس هروبا من جفاء والدك لكنه في واقع الأمر عقاب لأبيك ولفت لانتباهه بطريقة غير مباشرة لتجعله يحسّ بك ويتودّد إليك لتجد أنت السبيل لتحريك مشاعره تجاهك، لكنك في آخر المطاف وجدت نفسك غارقا في فخّ الإدمان ومعاصٍ أخرى، وأكبر دليل على ذلك أنك لم تجد فيما أنت عليه الحل وتحاول أن تتخلّص منه بأي ثمن كان، وتأكد أن الله يغفر لمن يشاء وهو في انتظار توبتك عن المعاصي عن قريب، لهذا سارع إلى مغفرة من ربك بالتقرّب إليه بالطاعات والعبادات، فإن الحسنات تمحو السيئات، وما دامت لديك رغبة قوية في إنقاذ نفسك من جحيم المعاصي تيقّن أن الله سيكون معك وأنه سيمدّك من قوّته لتقف على رجليك من جديد؛ وتحظى بحب والدك الأكيد، لذا فأنا أرى أنه قد حان الوقت لتقوم أنت بالمبادرة، وأن تبحث في قلب والدك عن ذاك الحب الذي أظن أنه يفتقده هو الآخر منك، ففاقد الشيء لا يعطيه، فحاول أن تتودّد إلى والدك أكثر وأن تشعره بأهمية وجود في حياتك، قاسمه التعب والعمل وبادله ذات المشاعر التي تبحث عنها، فمن المؤكّد أنه يحمل لك الكثير والكثير منها، فلا يوجد أب في الحياة لا يحب الخير لأطفاله، ثم أنا أرى بأنه الوقت المناسب لتبدأ في التخطيط لبناء سقف الحلال إلى جانب امرأة تساندك وتغمرك بالحب والحنان.بني، افتح ذراعيك وعانق الحياة التي أراها تمدّ لك يديك وأنت في مقتبل العمر، فأنا وعلى الرغم من تورّطك الكبير في نفق المخدرات المظلم، إلا أني أرى بأنه لديك رغبة جامحة في التخلّص من ذاك السم القاتل، وهذا سيساعدك لا محال في تحقيق حلم الراحة أخيرا، لأنك تيقنت أنه طريق لا نهاية له، بل ومليء بالمعاصي والمخاطر، فلا تيأس وأحسن الظن في والدك الذي يحبك أكثر من أي شيء في الدنيا وأغدق عليه من فيض حنانك وسترى كيف أن الأمور كلها ستكون كما تحب أنت، وفّقك الله يا بني وأنا في انتظار أخبارك فلا تبخل عليّ..
ردّت نور