ساعات عند عائلة الانتحاري عبد الرحمن أبو عبد الناصر العاصمي

ساعات عند عائلة  الانتحاري عبد الرحمن أبو عبد الناصر العاصمي

جهتنا الأولى كانت حيا من الأحياء الشعبية بوادي اوشايح، حيث كان يسكن العربي شارف، المدعو عبد الرحمن أبو عبد الناصر العاصمي، الانتحاري الذي استهدف المجلس الدستوري أول أمس بسيارة تحمل 800 كلغ من المتفجرات، رفقة عائلته المتكونة من 7 أفراد، خمسة ذكور وفتاتين.

اقتربنا من باب المنزل، طرقناه عدة مرات، لا أحد يجيب، ليقف شيخ في السبعين ويخبرنا بأن العائلة غير موجودة، توجهنا بعدها إلى الباب الفوقي حيث وجدنا ابن عمه واقفا، في بادئ الأمر حسبناه والد العربي أو أخاه، غير أنه أوضح لنا بأنه ابن عمه، وبأن عمه رحل منذ فترة ليست بالطويلة، واشترى قطعة أرض بعين النعجة حيث بنى منزلا، ومن هناك مباشرة توجهنا إلى منزل عمي مولود “والد العربي”، بعد أن اتصلنا به لإخباره بأننا نريد أن ننزل عليه ضيوفا لساعة أوساعتين من الزمن، وما كان من عمي مولود إلا أن أبدى استعداده لاستقبالنا، رغم الموعد الذي كان من المفترض أن يجمعه بالشرطة.
ولدى وصولنا إلى المكان المحدد بقيادة من عمي مولود، ذلك الكهل البشوش، الذي كان ينتظرنا تحت الأمطار، يركب معنا السيارة، ويدلنا على موقع المنزل، ما سبب الزيارة هل طرأ أي جديد؟ يتساءل عمي مولود،وبدا جليا أن العائلة لا تعلم إطلاقا بأن الانتحاري الذي استهدف المجلس الدستوري، وخلف في حصيلة أولية، 10 قتلي والعديد من الجرحى هو ابنها المحبوب “العربي”، الذي غاب عن المنزل منذ ما يزيد عن السنة.

استفاد من ميثاق السلم بعد سنتين سجنا
” نريد أن نعرف فقط بعض التفاصيل عن ابنك العربي”، يرد عمي مولود، والله منذ أن غادر المنزل في السنة الماضية لم يظهر عنه أي خبر، لقد استفاد من ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، بعد أن قضى سنتين بسجن الحراش، بتهمة، دعم وإسناد الجماعات الإرهابية، لقد استدعتني الشرطة أمس –ليلة وقوع التفجيرات- على الساعة السابعة والربع مساء، وأجروا لي تحاليل عدة، ثم أفرجوا عني، ليضربوا لي موعدا اليوم -أمس- على الساعة التاسعة صباحا، بوحدة الأمن ببوروبة، حيث سجلوا لي محضرا شفويا، وأنا على موعد معهم الآن، يتوقف عن الكلام، ويسرح بعيدا وكأنه يتساءل عن سبب استدعائه من قبل الشرطة.
وعند وصولنا إلى المنزل، فوجئنا ببناية متواضعة من طابقين غير مكتملة، تدل تصاميمها على أن البناء، توقف بها منذ زمن، طابق أرضي غير مكتمل وطابق أول به فتحات بكل الجوانب، يفتح الباب، “تفضلوا راكم في داركم”، يصحبنا هو والابن عمار، لنجد الوالدة، والأختين وزوجة الأخ في الانتظار، بوجوه شاحبة كلها تساؤل عن المغزى من زيارتنا لهم في هذه الفترة بالذات، دخلنا غرفة الضيوف، المتواضعة، بها مكتبة صغيرة وكنبتين.

خالتي مليكة شلت حزنا على سجن العربي
تجلس والدة العربي، التي أصيبت بشلل على مستوى الرجل اليسرى، واليد اليمنى، بعد ارتفاع الضغط لديها، اثر الصدمات التي كانت تتلقاها بعد دخول ابنها السجن، وتسأل، أهلا بكم، هل بإمكاني مساعدتكم في شيء، “نعم الحاجة، نريد فقط أن تحدثينا عن ابنك، العربي، كل ما يتعلق به منذ أن أنجبته إلى أن غادر المنزل”، تغرورق عيناها بالدموع وتبدأ الحكاية، “راني حابة نشوفو ونطفي الجمرة اللي راهي شاعلة في قلبي من وحشو”، هكذا تبدأ خالتي مليكة الحكاية، كنا نسكن في وادي اوشايح، في منزل من غرفتين، وبما أننا عائلة من سبعة أفراد، فضيل، العربي – من مواليد الـ8 مارس 1976-، محمود، عمار، ومروان، وفتاتين، وهيبة و ياسمين، صغيرة العائلة، اشترينا قطعة من الأرض لتوسعة المسكن، قصد تزويج أبنائي، العربي أفضل الأبناء لدي، لا أذكر مطلقا أنه أغاضني بكلمة، إنه الوحيد الذي لا يرد عندما اصرخ، لأنني كثيرة القلق، لتضيف، لقد درس في ابتدائية ومتوسطة بالمقرية بالعاصمة، ثم انتقل إلى ثانوية “أحمد زبانة” بخروبة، تخلى عن مقاعد الدراسة بعد رسوبه في نيل شهادة البكالوريا.

عمل بصيدلية خاصة لمدة 5 سنوات
التحق العربي بالعمل، على مستوى صيدلية لدى أحد الخواص، بالواحات بالقبة، لمدة تقارب الخمس سنوات، تقول خالتي مليكة التي كانت تسرد قصة ابنها والدموع لا تكاد تتوقف، ويدها المشلولة ترتعش، “ما عندوش الزهر في الخدمة وين يروح ما يلقاش”، خاصة وانه يعاني من مرض على مستوى الظهر أصيب به بسبب العلب الثقيلة التي كان ينقلها بالصيدلية، تضيف الوالدة، أدى مناسك العمرة مرتين، قبل أن يلقى عليه القبض سنة 2005، هنا تتدخل زوجة الأخ التي لم تتوقف عن البكاء منذ دخولنا المنزل وعلمها بأننا قصدناهم للسؤال عن شقيق زوجها، “أعرفه منذ أكثر من 6 سنوات إنه إنسان محترم والكل يشهد له بذلك، يحترمني ويحترم أبنائي، لم أتلق منه يوما شيئا سيئا، كل أبناء وادي اوشايح، يعرفونه، يصلي صلاته في وقتها، كان يعاملنا بكل بساطة، ولا يمنع عنا شيئا، حتى التلفزيون كان يرى فيه أمرا عاديا”.

العربي يحصل على بكالوريا 2004-2005 بالسجن
هل هو ملتح ؟ سؤال طرحناه، لنعرف تقريبا بعض ملامحه، ترد الوالدة نعم ويعرف ربي، وماذا بعد عمله بالصيدلية خالتي مليكة، كيف تم حبسه؟ تتنهد بعمق وتحاول مسح دموعها، كان معزوما لدى أخيه للعشاء إلى أن حضرت الشرطة وطلبت منا إخباره بالتوجه على الفور لمركز الشرطة، “لقد أخذته بنفسي في اليوم الموالي، إلى مقر الأمن الوطني بوحدة الدار البيضاء، في الحقيقة لا أذكر التاريخ بالضبط ولكن كان ذلك سنة 2004،” يقول الوالد، “وهناك عرفت بأنه متهم بدعم وإسناد الجماعات الإرهابية بالأدوية على اعتبار أنه يعمل بالصيدلية”، يسترسل عمي مولود، لقد بقي في السجن سنتين، وأفرج عنه بموجب ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، لم أفكر يوما بأنه بإمكانه فعل ذلك، لقد استفاد من البراءة، لو أعرف فقط أين هو، سأحاول إرجاعه إلى جادة الصواب، فأمه ستموت حزنا عليه.
“حصل على شهادة البكالوريا في السجن، بشعبة الآداب والعلوم الإنسانية دفعة 2004-2005 “، تقول الأخت الصغرى ياسمين، وهنا يزيد ألم الوالدة وتصيح “راني حابة نشوفو ما شبعتش منو، قعد معايا 7 أشهر وراح، النار راهي شاعلة في قلبي”، وتسترسل قائلة “فتح محلا لبيع المرطبات، سنة 2006 مباشرة بعد خروجه من السجن كل شيء كان على ما يرام”.

كان يود السفر إلى البقاع المقدسة للعيش بها ويتزوج بجلبابية
و تسترسل خالتي مليكة باللغة الفرنسية ، لقد غادر المنزل في 9 نوفمبر 2006، كان يود الزواج من شابة متجلببة من عائلة أحد أصدقائه الذين عرفهم بالسجن، وعندما قلت له بأنني لا أعرف  العائلة ولا علم لي إن كان لديها بنات للزواج، غض الطرف عن ذلك إلى يومنا هذا، وعندما سألنا عن الوجهة التي قصدها العربي، قال الوالد بأنهم لا يعلمون، كلما أخبرهم به هو أنه مسافر، “أخبرني بأنه مسافر وطلب جواز سفره وبعض الوثائق”، وهنا تتدخل زوجة الأخ لتهدئة حماتها، “إن شاء الله ما يكون غير الخير، في الحقيقة هو كان يود السفر إلى البقاع المقدسة والعيش هناك، نظن أنه فعل ذلك”.
هل كانت لديه أموال للسفر؟ لا، كل ما أخذه معه هو جواز السفر وبعض الوثائق الخاصة به، من شهادة ميلاد وغيرها، لم يظهر عنه أي خبر منذ أن غاب عن المنزل، يقول الوالد.
وماذا عن أصدقائه؟ ليس له أصدقاء باستثناء صديقين له من السجن، استفادا معه من الإفراج، الشاب الذي توفي عقب خروجه من السجن، (م . و)، -ويرفض الأب التعليق عن سبب الوفاة-، و (ي ج) الذي اختفى أيضا باختفاء العربي. تساءلنا إن كانا قد سافرا معا، فرد عمي مولود بأن لا علم له بذلك، 
وهنا يظهر الابن عمار قلقه على الوالدة ويطلب منا بطريقة لبقة الكف عن الكلام، بعد أن بدأت حالة الوالدة تتدهور. غادرنا المنزل والوالدة تعانقنا وتطلب منا بتودد إخبارها بالجديد إن استجد، في الوقت الذي حاولنا نحن التكتم قدر المستطاع تجنبا لإثارة مأساة نحن في غنى عنها.
ولدى وصولنا إلى الباب الخارجي، يلحظ الابن عمار صورة بيدي ضمن الأوراق التي كنت أحاول إدخالها في حقيبة يدي، يطلبها بإلحاح، ثم يأخذها، ليسارع إلى فتحها، يسكت ويقدمها للوالد، يقرأ ما هو مكتوب عليها بإمعان، يقول الوالد إنه هو، “تع بن عكنون” -يقصد الانتحاري-، يعانق ابنه ويبكي الرجلان بحرقة، ويعجز اللسان عن التعبير، وفي هذا الوقت بالضبط تنزل الفتاة الكبرى من فوق وتسأل باكية، ماالذي حدث “كاينة حاجة قولولي”، يحاول الأخ والأب تهدئتها دون إخبارها بالأمر، ورغم أننا حاولنا تماسك أنفسنا أمام المظهر الحزين الذي خيم على العائلة إلا أن الطبيعة البشرية كانت أقوى، ما جعلنا نسرع في الانصراف مع توديع العائلة التي تركناها تغرق في حزنها، هي دموع لبداية مأساة ستتحملها عائلة ذنبها الوحيد أن ابنها أخطأ. 


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة