سعدان ولد أمام الملعب وتربى بمحيطة وكبر بداخله ورفض عرضا ليصبح طيارا بأمريكا

سعدان ولد أمام الملعب وتربى بمحيطة وكبر بداخله ورفض عرضا ليصبح طيارا بأمريكا

قاهر الفراعنة

ومروض التماسيح وصاحب الفضل في عودة الأمل المفقود للجزائريين، الهادئ أثناء المقابلات والثائر أمام شاشات التلفزيون، شيخ المدربين، المحنك والمهندس والبروفيسور المتواضع والثعلب… مدرب الفريق الوطني رابح سعدان أو كما يسمونه أهل باتنة “كمال”، وبعيدا عن الأفراح التي صنعها، والبطولات والملاحم التي كان مهندسا لها على ميادين كرة القدم، سواء أمام مصر وزامبيا مؤخرا، أو مع جميع الفرق التي لعب لصالحها عندما كان شابا وبعيدا عن الإنجاز الكبير الذي صنعه عام 1978 عندما قاد الفريق الوطني للأواسط إلى البطولة العالمية باليابان أين تقابل مع النجم مارادونا الذي كان يلعب في فريقه الأرجنتيني، ولأنّ التاريخ الرياضي الحافل بالبطولات يعرفه الجميع..”النهار” وقصد إتاحة الفرصة للجزائريين عموما وعشاق الكرة المستديرة والمستطيل الأخضر على وجه خاص للتعرف على الوجه الآخر لهذا الشيخ الشبح الذي أدخل الرعب في نفوس أبطال إفريقيا وأدخل الشارع المصري في حزن عميق وطويل بثلاثية نظيفة لا غبار عليها، وهناك في أدغال إفريقيا، روّض تماسيح زامبيا وأسقطهم في شباكه بثنائية هي الأخرى جاءت على طريقة الكبار، وأصبحت قاطرته التي تحمل لاعبين شباب موهوبين، كالوحش المفترس، قد يلتهم أي فريق قوي، وقصد التعريف والتعرف على هذا القائد الذي طالما انتظره الجزائريون لينسيهم أحزانهم التي طال أمدها ويدخل الفرحة في قلوبهم بعد أن افتقدوها طويلا، انتقلنا إلى حي “السطا” أقدم وأعرق الأحياء بمدينة باتنة، باحثين عن منزل مسقط رأس”كمال”، وكم كان ذلك سهلا، إذ وبمجرد أن سألنا أول شاب صادفناه أمامنا حتى أشار لنا بأصبعه والفرحة واضحة على وجهه “هاهي داروا لهيه وين حال خوه الشريف مكتب تاع محاسبة”، وقبل التوجه إلى بيته سألنا عددا من الجيران عن خصاله وعن تعامله معهم، فكان ردّ كل من سألناه بشهادات كلها تصب في خانة الطيبة وحسن الخلق والتواضع والشرف، ليس سعدان فقط ممن شهد له بذلك، بل العائلة كلها شهد لها بهذه الخصال الحميدة.

وُلد أمام الملعب وتربى أمامه وكبر داخله

ولد المدرب الوطني رابح سعدان في منزل متواضع مجاور لملعب “سفوحي” بحي السطا سنة 1946، من عائلة تنحدر من منطقة “العنصر” بالميلية ولاية جيجل، باعتبار أنّ والده المرحوم عمار المتوفي سنة 1970، استقر في ولاية باتنة عام 1910 بعد أن قدم إليها من ولاية جيجل، فتربى عمي رابح وترعرع بجوار ملعب سفوحي الذي أحبه كثيرا، وعلى أرضيته تعلم كرة القدم وأحبها وعشقها وأصبحت تسري في عروقه مثل الدّم، ورغم ذلك فقد استطاع أن يوفق بين معشوقة قلبه “الكرة المستديرة” ومساره الدراسي منذ أن كان تلميذا في ابتدائية الأمير عبد القادر المجاورة لمنزله بممرات مصطفى بن بولعيد ثم إكمالية الإخوة العمراني، مرورا بالطور الثانوي بقسنطينة أين تمكن من الحصول على شهادة الباكالوريا، فرع علوم، خلال الموسم الدراسي 1965/1966، ولأن رابح سعدان كان تلميذا نجيبا، فقد تحصل حينها على عرض واقتراح لأن ينتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتكوين في إحدى المدارس المختصة في تكوين الطيارين، إلا أنه رفض ذلك وبقي يداعب كرة القدم التي أحبته بدورها وكوّنت معه قصة حب أسطورية، بدأ سعدان يجني ثمارها ويوزعها على الجزائريين بالتساوي من شرق الجزائر إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها وعلى كل جزائري في كل بقاع الدنيا، ورغم ذلك أيضا فقد وفّق رابح سعدان في بناء أسرة صالحة متكونة من أربعة أبناء، تزوج منهم ولد وبنت.

 سعدان يحب “البابيفوت” و”الدراجات الهوائية” وأكلته المفضلة هي”الدوبارة” عند عمي عبد الرزاق

ولأنّ شقيقه الوحيد “الشريف” الذي يصغره سنا بثماني سنوات يعرف كل صغيرة وكبيرة على “كمال”، قصدنا مكتب الخبرة الخاص به بمنزله بحي السطا غير بعيد عن المنزل الذي ولد فيه “كمال”، فوجدناه في انتظارنا، وبتواضع كبير أخذ يسرد علينا حكايات عن طفولة الشيخ سعدان، الذي قال لنا عنه أنه كان وإلى جانب حبه لكرة القدم، يحب كثيرا لعبة “البابيفوت” التي يتقنها بشكل كبير، إلى جانب أنه كان يهوى ركوب الدراجات الهوائية كثيرا، وتحدث لنا عن طبعه الهادئ منذ الصغر، وأنه لا ينفعل كثيرا، وقبل قيامه بأي تصرف فإنه يفكر أولا ويدرس جيدا أي قرار سيصدره، كما أن رابح سعدان، حسب شقيقه الشريف دائما، فإنه من محبي النوم كثيرا ولساعات طويلة، أما عن أكلته المفضلة على الإطلاق فهي “الدوبارة” بلا منازع، شريطة أن تكون عند عمي عبد الرزاق المعروف بباتنة والمشهور بهذه الأكلة الشعبية التي خطفت شهية سعدان، حيث أنه لا يدع فرصة زيارته لباتنة إلا وطلب من شقيقه اصطحابه لتناولها خاصة في أيام البرد الشديد، ففي آخر زيارة له إلى ولاية باتنة قبل حوالي شهرين من الآن، يقول شقيقه الشريف، أنّ أول ما طلبه منه اصطحابه إلى عمي عبد الرزاق أين تناول صحنا من الدوبارة الحارة، كما يعرف على سعدان أنه قليل الاستماع للموسيقى عدى الشعبي منها، إلى جانب أنه لا يحب الأعراس والحفلات عدى العائلية الخاصة منها.

المجنون وخطة مواجهة الفراعنة المقترحة على شيخ المدربين

وخلال زيارته الأخيرة إلى ولاية باتنة قبل حوالي شهرين من الآن، يروي لنا “الشريف” كيف استوقف أحد المجانين رابح سعدان في الشارع بعد أن علم أن هذا الشيخ هو مدرب الفريق الوطني، حيث أخذ يقدم له النصيحة عارضا عليه خطة لعب مبنية على الهجوم والدفاع و”التخلاط” قبل أن يأمره بالعمل بها وتطبيقها ضد فريق الفراعنة إذا أراد الفوز، ولأنّ هذا المختل عقليا كان يشرح خطته وهو واثق تماما من نفسه ولأنّ المدرب الوطني رابح سعدان من جهته كان يستمع بتمعن لنصائح المجنون، انفجر العشرات من الشباب الذين كانوا يتابعون درس المختل ضحكا لعدّة دقائق، فهل يا ترى وجد سعدان ما هو مفيد في خطة المجنون؟ وهل يا ترى طبّق شيئا منها للعمل بمقولة “خذ الحكمة من أفواه المجانين”؟.

سعدان يتوقع نتيجة المقابلة قبل إنطلاقها.. لكنه دائما يتحفظ 

حسب شقيق الشيخ دائما، فإنّ هذا الأخير يتوقع نتيجة المقابلة قبل انطلاقها وغالبا ما تكون تكهناته صحيحة، لأنه قبل المباراة يكون قد اطلع على الظروف النفسية لكل لاعب وما مدى قابلية كل واحد منهم على إعطاء ما يملك من إمكانيات، لأنّ حسب ما يرويه لشقيقه، قد يكون أحد اللاعبين من ألمع وأقوى لاعبي الفريق، لكن قد لا يقدم شيئا في مقابلة ما وأكثر من ذلك فإنه بإمكانه أن يؤثر سلبا على مجريات المقابلة وقد يساهم حتى في انهزام الفريق، إذا كان هذا اللاعب تشاجر مثلا مع زوجته أو تأثر بحادثة ما، ففي هذا المجال فإنّ المدرب وحده هو الذي يعرف متى يمكن لكل لاعب تقديم الأفضل، فقد لا يقدم ألمع اللاعبين مردودا جيدا عندما يلعب تحت ضغط جمهوره والعكس إذا لعب خارج الميدان، ولهذا يريد رابح سعدان فرض احترام كامل أعضاء أسرة الفريق لقراراته وتوجيهاته، لأنه يعلم تماما متى وماذا يمكن أن يقدم هذا اللاعب أو ذلك، وإذا أمر أحدهم بعدم اللعب في مقابله ما فهذا ليس إنقاصا من شأنه، بل لأن رابح سعدان يعرف جيدا ماذا يفعل، إلى جانب معطيات أخرى متعددة جعلت “عمي كمال” يتوقع نتيجة المقابلة قبل بدايتها، لكنه لا يبوح بهذه التوقعات لأنه يعلم تماما كرة القدم ومفاجآتها.

لماذا لا ينفعل الشيخ وهو يتابع المقابلة على أرضية الميدان ؟

لا شك أنّ الجمهور الرياضي الجزائري والعربي عموما قد شاهد الشيخ رابح سعدان عندما يتابع المقابلات التي تجمع فريقنا ضد مختلف الفرق الأخرى، وهو في كامل هدوئه ورزانته، بعيدا عن الإنفعال والصراخ على اللاعبين، حتى أنه أحيانا لا يبرح مقعده إلا نادرا، وعن ذلك يقول شقيقه الشريف أنّ رابح سعدان يرى المقابلة كالقطار إذا انطلق لا يمكن إيقافه، وأن أي صراخ على اللاعبين أثناء المقابلة قد يؤثر بالسلب لا بالإيجاب، لأنّ ذلك قد يشوش على تركيزهم بما يؤدي إلى ارتباكهم وبالتالي فقدان التركيز المطلوب، لذلك يسعى سعدان دائما إلى وضع الخطة المناسبة قبل المقابلة وأثناء التدريبات ويقدم النصائح والتوجيهات أثناء ذلك للجميع، وعندما تنطلق المقابلة يبقى يتابع الوضع من بعيد والاكتفاء ببعض النصائح البسيطة بين الشوطين أو أثناء التغييرات، لكن الأمر يختلف عندما يكون يتابع مقابلة ما على شاشة التلفزيون لأنه يصبح شخصا آخر، فهو معروف بانفعالاته وانتفاضاته عند كل لحظة تضييع لاعب ما للكرة، أو عندما يلاحظ أنّ مدرب أحد الفريقين وضع خطة بدت له غير مناسبة.

الجمهور: “انظروا للنتيجة عندما يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب

 ولأن الجمهور هو أحد أطراف المعادلة الرياضية المهمة، تحدثنا مع عدد معتبر منهم، حيث أجمع كل من سألناه عن الفريق الوطني ومدربه رابح سعدان على أن ما حقق لحد الآن هو ثمرة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فالشيخ البروفيسور رابح هو إطار متقاعد من وزارة الشباب والرياضة، عمل لسنوات طوال كأستاذ بالمدرسة العليا للرياضة وتخرج على يده العشرات من المدربين الحاليين بنسبة حوالي 80 بالمئة، وقد لا يعلم الكثير بأنه من حجاج بيت الله ومن عشاق زيارة الكعبة في أكثر من مرّة.

أفراد عائلة سعدان تعزل نفسها قبل مباريات الفريق الوطني لأنها تخاف من ردّة فعل الجمهور في حالة الخسارة

وحسب شقيق عمي رابح، فإنه ومعه كل أفراد العائلة يقومون بعزل أنفسهم قبل أي مقابلة كروية، وهذا مخافة ردّة فعل سلبية من الجمهور الرياضي في حالة خسارة الفريق الوطني وأيضا مخافة الإستماع لكلام غير مرضي من قبل بعض المناصرين، لذلك نجد جميع أفراد عائلة سعدان تنطوي على نفسها وتنعزل عن العالم الخارجي إلى غاية انتهاء المقابلة.

هذا هو رابح سعدان قاهر الفراعنة والزامبيين، والمتقدم بخطوات ثابتة وموزونة نحو كأس العالم، بواقعية كبيرة بعيدا عن التفاؤل المفرط، فهو كما قال أحد مقربيه “ما يكذبش على روحو وما يحڤرش روحو”، ولأن الحال هو هكذا ولأنّ الفريق الوطني يملك لاعبين لهم قدرات هائلة فردية وجماعية، فمن حقنا أن نحلم بالمونديال، وإذا كانت الحكمة تقول “جيش من الأرانب يقوده أسد خير من جيش من الأسود يقوده أرنب” فماذا يا ترى عن “جيش من الأسود يقوده أسد”؟.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة