سياحةُ الانتحار لعبةٌ ترفيهيّةٌ مغايرة

سياحةُ الانتحار لعبةٌ ترفيهيّةٌ مغايرة

سياحة الانتحار؟ يا إلهي.. استوقفني عنوان الإعلان المستهْجَن، وأنا أبحث

 في صفحات السياحة، فعاجلتُ الحروفَ لأًصِلَ إلى المعنى.. وكيف لا تعجب! عِشْ، تَرَ عجبًا!

شركةٌ خاصّةٌ بسياحةِ الانتحارِ ومُرخّصةٌ في سويسرا، تضمنُ لمَن يَرغبُ في التّرفيهِ عن نفسِهِ طرُقًا غيرَ مؤلِمة، وبتكاليفَ مقبولةٍ، كما تضمنُ مدافنَ ومقابرَ للأجانب، ممّن يرغبونُ في الانتحار!

تبريرُ الشّركةِ ومزاعمُها أنّه و”حسب تقريرٍ قدّمتْهُ منظّمةُ الصّحّةِ العالميّةِ فإنّ مليون وستمائة ألف شخص يقتلون سنويًّا بطرق عنيفةٍ، نصفُهم عن طريق الانتحار”، ففي كلّ عام يموت 873 ألف إنسان بعمليّات انتحار ناجحة ومختلفة التنفيذ!

أكثرَ من 63 ألف سويسريّ انتحروا عام 1995 دونَ مساعدةِ أحد،  وأنّ معدّلَ الانتحار في الصين 287 ألف في العام، وفي بريطانيا يُماثلُ حالَ الصّين، وفي أمريكا معدّلُ المنتحرين 18.526 في العام الواحد، أمّا في فرنسا فهناك 40 ألف محاولة انتحارٍ سنويًّا، وفي اليابان 30 ألف ياباني سنويًّا، وتشهد الدّولُ الإسكندنافيّة وأوروبا الشّرقيّة نسبةً كبيرةً من المنتحرين سنويًّا، أكبر من دول آسيا وأمريكا اللاّتينيّة، ففي مصر 750- 1200 حالة انتحار، وفي اليمن بين الأعوام 1996- 2002 ما يزيد عن 4100 حالة، وفي الاردن اكثر من 1200 حالة، وفي السعودية اكثر من 700 محاولة قضى منها 470 حالة، وفي اسرائيل عام 1991 بلغ 1204 حالة، وعام 1997 بلغ 2400 حالة، وعام 2002 بلغ 6000 حالة، وفي ألمانيا عام 2007 بلغ 9402 ، وقد طالتْ يدُ الانتحار السجون والأسرى ففي فرنسا بحسب وزيرة العدل انتحر 75 سجينًا عام 2007، وَ 112 سجينًا عام 2008، لينخفض إلى 96 سجينًا عام 2009، عام 2009 بلغ عدد المنتحرين بالجيش الأمريكي 140 عسكريا، في أمريكا عام 2002 بلغ عدد المنتحرين أكثر من 31 ألف حالة وهنالك 5 ملايين أمريكي حاولوا قتل أنفسهم، و ويقدم نحو 25 الف شاب وفتاة على الانتحار في العام الواحد، ونسبة الانتحار زادت 60 بالمائة خلال النصف القرن الماضي!

وتُفيدُ الإحصائيّاتُ أنّ عددَ المنتحرينَ ثلاثةَ أضعافِ القتلة، ومحاولاتُ الانتحارِ والفعليّ عند الذّكور أكثرَ مِن الإناث، إلاّ الصين هي الدّولة الوحيدة في العالم الّتي يزيدُ فيها الانتحارُ بينَ النّساء عنه بين الرّجال، والأرقامُ مخيفة، فهناك 3000 حالة انتحارٍ في اليوم، ومقابلَ كلّ حالةِ انتحار، هناك 20 محاولة للانتحار.

وحسب إحصاءات الأمم المتّحدة، فإنّ هنالك 450 مليون شخص يعانون مِن اضطراباتٍ نفسيّةٍ وعصبيّة، وأكثر من 90 % مِن حالاتِ الانتحارِ يرتبطُ انتحارُهم باضطراباتٍ نفسيّة ويأسٍ وكآبة!

أمامَ الأرقامِ المُفزِعةِ الّتي ينهارُ الإنسانُ على أعتابِها انتحارًا، تنعقُ الغربانُ مُوَلوِلةً، ترثي حالَ هذا البرجَ البشريَّ البائسَ روحيًّا وما آلَ إليهِ، حينَ أخذتْ تصفُقُهُ رياحُ الظّلمِ العاتية، وتلطُمُهُ أمواجُ العصرِ الهادرة، وتُلوّحُ بهِ في فضاءِ التّيهِ والضّياعِ مناديلُ الغموض!

أينَ تحُطُّ نواقيسُ الذّعرِ والهلع بالإنسان يا ترى؟

أعَلى أرصفةِ الذّلِّ والتّهميش، تتناوشُهُ مناقيرُ العذابِ المعقوفةِ، فيذوي في بؤرةِ الفراغ كآبةً؟

أم علَى هاوياتِ القهرِ والعجْز، تنهشُ كرامتَهُ عيونُ الشّفقةِ الكاذبة، فتمتصُّ لبَّهُ وقلبَهُ كمدا؟

هل الانتحارُ خطيئةٌ فيها تعرّضٌ حقيقيٌّ لحربٍ روحيّة مع الذّات؟ أم هو جريمةُ قتلٍ، يُعاقِبُ عليها القانونُ والدّين مَن ينجحُ ومَن يفشلُ أيضًا؟ كيف؟

الانتحارُ بحسبِ المسيحيّة خطيئةٌ فادحةٌ، إذ هو تمرّدٌ وتجذيفٌ على سلطةِ الله وإرادتِه، حينَ يُقصّرُ الإنسانُ رحلةَ عمرِهَ، لتقودهُ خطاهُ إلى بحيرةِ النّار، وما مِن تبريرٍ يتشفّعُ له، لأنّ السّيدَ المسيحَ نفسهُ صُلِبَ من أجل الخطيئة، ليفتديَ المؤمنين بالله، والانتحار يراهُ الكتابُ المقدّسُ مساويًا للقتل!

كذلك الإسلامُ حرّم الانتحار، اعتمادًا عل الآيةِ (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ، إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)! (النساء)/ وهو أمر إلهيّ يجب ألاّ نخالفه. حديث شريف :عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا! فهل (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)[النساء:30]، فيالتخويف والترهيب رادع؟

في جميع الدّيانات والرّسالات السّماويّة، يُعتبرُ المنتحرُ في حُكم الجاني والمجنيّ عليه معًا، ودينيًّا يُعتبرُ قد أزهقَ نفسًا، ولا يجوزُ الصّلاة أو التّرحّم عليه.

لكنّ الإنسانَ في شرائحِهِ العُمريّة؛ أطفالاً وشبابًا، مراهقين وشيوخًا، بفئاته ذكورًا وإناثًا، جنودًا أسرى ومرضى، فقراء وأثرياء، مثقفون وأميون، يتدحرجُ بعضُهم على مدارجِ الانتحار، وما مِن سفوحِ إنسانيّةٍ تحمي أو تُضمّدُ جراحَ تُعسائِها، فتقفُ عقاربُ الضّمائرِ في عجْزِها أمامَ مساءلات تتلوع حسرة:

كيف بشيوخ تحوّط مسيرةَ عطائِهم مناخاتُ الاكتئاب، حينما يتمكّنَ منهم سلطانُ العجْز وقلّة الحيلة حتّى في خدمةِ أنفسِهم، فلا يجدون من يسعف كرامة شيخوختهم وعجزهم! وهل أشقى من أولائك؛ مَن امتدّتْ كفوفُ أعمارِهم بذْلاً وعطاءً وتضحيةً، لينتهي المطافُ بما يقابلونَهُ من قلّةِ رعايةٍ وعنايةٍ ورأفةٍ بشؤونهم الأساسيّة، وهُم في أمَسّ الحاجة للآخرين؟

 

كيف تَفرَغُ الحياةُ فجأةً مِن دفْءِ العلاقاتِ الأسريّة والاجتماعيّةِ والعواطفِ الحميمة، فلا تحتضن مراهقيها وشبابها وفتياتها وأطفالها وأناسَها بحنانٍ يقيها وحشة المآسي؟

كيف تتمكّن العزلةُ القاتلةُ على أبراج الإنسانيّة، وكيف تستولي والوَحدةُ على قِيمِها، فتنهارُ النفوس أمامَ جبروتِ المادّيّات؟ 

وهل أقسى من مشاعرِ اللاّجدوى في حياةٍ حافيةٍ مِن مباهجِها، وفارغةٍ مِن شحناتِ طاقاتِها؟

كيفَ نُغيّرُ أنماطَ سلوكيّاتِنا للأرقى، ونُخفّفُ مِن معاناةِ مَن نُبصرُهُم ونُجاورُهم، بحيث نُعزّزُ مكانةَ الإنسانِ الحيِّ منّا وفينا، في جميع مراحلِ عمرِهِ، حتّى لحظةَ تفيضُ روحُه، وهو يشعرُ بقيمةِ وجودِهِ المُبارَك، وفائدتِهِ المرجوّةِ لمجتمعِه؟

هل الانتحارُ جريمةٌ بجُلِّ أبعادِها ومقاييسِها دائمًا، أم أحيانًا؟ ما هي دوافعُ الانتحارِ والأسباب؟


التعليقات (7)

  • أبو بكر النزال

    أولاً .. أسجل استغرابي من عدم وجود تعليقات على موضوع بهذه الأهمية ومقالة بهذه القيمة والبيانات ..

    ثانيًا .. أقول إن الكلام عن الانتحار تجريمًا وتحريمًا يبقى مجرد كلام مثله مثل الكلام عن أي موضوع آخر ..

    فالعبرة بالحقائق على أرض الواقع ، وليس بالمعتقدات والقوانين النظرية ..

    لا يتجرأ عاقل مدرك على فعل ما يؤلمه ، إلا دفعًا لما هو أشد إيلامًا ..

    المعتقدات الدينية ليست وسيلة لمنع الانتحار ، بل هي أحد أهم أسباب الانتحار .. مع الأسف ..

    كثيرون اعتمدوا وبنوا حياتهم وأحلامهم على ما قيل لهم في طفولتهم ، من أن الله سيمنحهم حياة طيبة في الدنيا والآخرة ، إن هم عبدوا الله واستقاموا في سلوكهم مع الناس ..

    فتفاجؤوا عندما كبروا ببؤس الحياة والمعيشة الضنكى .. رغم أنهم أدوا ما عليهم كما قيل لهم ..

    لم يُستجب دعاؤهم !!

    قالوا لهم هذا امتحان ، وتجاهلوا الآية التي تعد المؤمن بحياة طيبة اليوم وغدًا – إن هو عمل صالحًا !!

    كأنما على المؤمن أن يمضي حياته في قاعة امتحان !!

    أمضى الكثيرون شبابهم في انتظار وعود رجال الدين ..

    ثم استيقظوا متأخرين ، ولم يعد لديهم من الوقت ما يسمح لهم بتغيير مجرى حياتهم وقناعاتهم ..

    صُدِموا ، ولم يجدوا أمامهم من سبيل غير الرحيل عن حياة الذل والتضليل ..

    كيف لهؤلاء أن يصدقوا بحياة طيبة في الآخرة ؟

    وكيف لهم أن يخافوا عقابًا بسبب انتحارهم ؟

    لا أرى الموت سوى امتداد طبيعي للحياة ، وهو بذلك بديلها الطبيعي عندما تفقد الحياة طبيعيتها بأي سبب من الأسباب ..

    فحري بنا أن نغير فكرتنا عن الموت ..

    فليس الموت سوى فكرة ، وليست الحياة كذلك سوى فكرة ..

    حري بنا أن نعترف بأن الحياة ليست مناسبة لكل من دخلها بقرار بشري وشهوة بشرية ..

    جميل أن تنتشر مثل هذه الشركة السويسرية في كل بلدان العالم .. وخاصة البلدان العربية والإسلامية ..

    وليرحل بهدوء وسلام كل من لم يجد له مكانًا هنا ، وليترك الحياة ميدانًا للصراع بين من يملأ نفوسهم الجشع وحب التسلط ..

    جميل أن تقام للموت حفلات جماعية راقصة ، كما تقام للحياة .. إنه وجهها الآخر ..

    عند المسلمين آية تقول: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ..

    وعندهم مقولة شرعية تقول: الضرورات تبيح المحظورات ..

    ولا شك أنه لم ينتحر إلا من لم يعد يستطيع الحياة ..

    وليس صحيحًا أبدًا اختزال أسباب ودوافع الانتحار في مشكلات مادية أو صدمات عاطفية أو ما شابه ..

    وليس صحيحًا أبدًا اعتبار الكآبة وحب الوحدة أمراضًا نفسية ..

    إن الصادق يرفض المجتمع الكاذب ويعتزله .. فهل هذا مرض نفسي ؟

    ما المطلوب من الصادق ؟ هل عليه أن يكذب لكي يستطيع التواصل مع المجتمع ولا يوصف بالمريض النفسي ؟؟

    أرجو النشر ، ومعذرة على الجرأة في الطرح .. لكنه رأي موجود ..

    وشكرًا جزيلاً للكاتبة .. ومعذرة لتأخر تاريخ التعليق عن تاريخ المقال بكثير ..

  • صمادي سفيان

    الإنتحار ، من مناةلم يفكر في الإنتحار معنا و مادة ، سواء في حالة يأس هم كرب غم جوع عطش ضيق ……كلنا انتابنا شعور و حس على انه الحل لهروب من العسر ، فمنا من فع و منا من ينتضر و منا من حالفه الحظ فتراجع لأنه صفة الفاشلين ، لكنةهناك انتحار ذات معنى آخر من يؤدي بنفسهةو غيره إلى التهلكة و ضرر بقصد او دون قصدة بنضرية فكرة برنامج متهور كم خلف هذا النوعةمنةالمنتحرين؟ كما هناك انتحار في حالة غضب شديد أو جنون هل هذا النوع يسمى انتحار ؟

  • انت ملحد و لا يجب التعقيب على كلامك ال فارغ الدى لا اساس له .

  • عمار بن لعماري

    لا إله إلا الله محمد رسول الله
    الحمد لله رب العالمين
    بسم الله
    ليس شيءٌ أخوف لقلوب الصالحين وأشدّ إزعاجاً لهم من خاتمة المطاف ونهاية التطواف في أرجاء الحياة، ومعرفة الحالة التي سيُختم لهم عند الموت بها؟ ولأجل هذه القضيّة ذرفت عيونهم ووَجِلَت قلوبهم، وكيف لا يكون ذلك وصدى قول النبي –صلى الله عليه وسلم- : (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) في الحديث المتفق عليه، لا يزال في آذانهم ولا يفارق خواطرهم؟ وإذا كانت العبرة بالخواتيم، فخاتمة السوء هي والله البلاء ال

  • IDJAAFER

    الإنتحار جريمة في كل الأديان السماوية منها والوضعية وهي فكرة الملاحدة والماديين وهي نوع من الرفض لقضاء الله وقدره في الدنيا وقنوط ويأس.

  • الانتحار وسيلة من وسائل الهروب من المشاكل

  • حمادة

    الإنتحار ليس لعبة إنه جريمة ومن يقول ان المشاكل و الأزمات تدفعه لدالك فهو ضعيف الشخصية و ضعيف الإيمان , لو كان مؤمنا لعرف ان كل ما يصيبه حزن أو فرح هو إمتحان له و يجب عليه ان يحسن الظن بخالقه , من صبر مثل سيدنا أيوب عليه السلام ؟ هو نبي و يجب أن نقتدي به عندما نقرأ قصته مع الصبر نراه يضيء ليالينا المظلمة , فما نمر به لا يساوي و لو جزء يسر من ألمه و حزنه و لكنه لم يقنط من رحمة الله . كل الأنبياء و الرسل عليهم السلام صبروا من أجل تبيغ الأمانة و الرسالة , ولهداية الناس لعبادة الواحد الأحد , أما تلك الشركات الدجالة فهي تتاجر بامال و أرواح الناس المغرر بهم لمادا

أخبار الجزائر

حديث الشبكة