سيظل منتخبنا ينتصر وينهزم بضربة حظ.. لو بقينا على هذه الحال!

سيظل منتخبنا ينتصر وينهزم بضربة حظ.. لو بقينا على هذه الحال!

لم نتعلم شيئا وحيدا في حياتنا، وهو عدم التفريق بين الكلام الذي يبدو دائما مجانيا، وبين الواقع كحقيقة تحتاج إلى علوم ودراسات دقيقة، وويل للرجال الذين يقولون ما لا يفعلون، وقد تم الإشارة إليهم والتنبيه عليهم في قرآننا العظيم.

وفي مآثرنا العربية يشار إليهم بالأنواع والأصناف، لكنهم يشتركون ويلتقون في مضمار واحد، وهو الوقوع في تناقض رهيب، بين القول السهل والفعل الممتنع، الذي يحتاج إلى تضحيات وإعمال للعقل والمنطق، فيقولون ما لا يفعلون؛ لأنهم مصابون بحمى الأحلام والطموحات والآمال، ولكن هذا غير كافٍ للتعامل مع الحقائق على أرض الواقع، والتي تحتاج إلى برمجة وتخطيط والتفكير في الجزئيات قبل العموميات.

مدربنا الحالي ماجر، بقدر ما تغنينا بأمجاده وأناقته الكروية، ولا أحد يشك بأنه أيقونة زمانه، ولكننا نتساءل هل هو شرط أن يصبح الجندي البطل المغوار قائدا فذا، وصاحب بصيرة وكيّسا لمقارعة جميع الأهوال والتقلّبات، سواء المناخية أو النفسية الاجتماعية؟! إنها نظرية نسبية ليس إلا، ولم يثبت التاريخ نجاعتها وطلاقتها، فكم مرّ في التاريخ لاعبون مهرة، لكنهم حين تولّوا زمام قيادة فرق أخفقوا.

وفي المقابل، هناك مدربون نجحوا ولا يوم تقمّصوا ألوان بلدهم الكروية، والسبب أنهم نجحوا في الإلمام بجميع المعطيات التي تمكّنهم من الظفر بالنتائج، وقد تذكرت مؤخرا مقولة طريفة لأحد اللاعبين قبل مباراة إيران الودية وهي مفيدة جدا، أكد فيها أن ماجر قال لهم: «يجب أن تفوزوا بالمباراة، لكنه لم يقل لنا كيف نفوز!».

ماجر لاعب ذكي في الرواق، وعُرف به تحت اسم «11»، لكنه ليس من السهل أن يتجزّأ فكره من أجل أن يكون مراقبا فطنا لجميع الأروقة والمنافذ، وصانعا لكوكبة متناسقة ومنسجمة حسب القدرات. لقد كان حليلوزيتش الصربي حاسوبا بإمكانه استيعاب جميع التحكيمات والبرامج الصالحة والمفلحة في زمانها ومكانها، يحمل في ذهنه اجتهادات كانت أقرب للأرض من دون إعطائها صبغة التجريب الفلسفي.

ففي الأدبيات العامة وأجندة الفكر دائما، يقال إن العجينة تحتاج إلى آلة كي تصبح أكثر جمالية وجاهزية لأي نوع من الاستعمال، أي بمعنى أن المادة الأولية لا بد لها من منظومة مُحكمة تقودها وتضبطها نحو الإخراج المفيد والمرضي للجميع، كأن يصبح الرسّام فنانا حقيقيا، إلا إذا تعلّم التقنيات في كبريات المعاهد وعلى أيدي المختصين.

والأمر كذلك مع الموسيقي، لن تصبح عازفا ماهرا إلا إذا درست أصول الموسيقى وأدبياتها، أما إذ أنت ترسم أو تعزف أو تكتب أو حتى ترقص عفويا معتمدا على موهبتك السماوية، فأنت بلا شك – وخاصة في هذا العصر – في تعداد المدرسة البدائية، لذلك فنحن في عصر لا يحترم المواهب الطبيعية، هذا كان مع قرون مضت، بل نحن في عصر التقنية والثقافات المتعددة وعصر تسخير جل العلوم وتطبيقها على الحياة العامة.

هناك معاهد في العالم تدرّب حكّام كرة القدم على إتقان جميع لغات العالم، لحاجة هذا الأخير أن يعرف كيفية التحاور مع كل لاعب. ولنتساءل دائما ونحن شبه مندهشين من مستويات منتخبات عالمية، كألمانيا وإسبانيا أو البرازيل وبلجيكا، لماذا استطاعت هذه المنتخبات أن تحافظ على مستويات مردودها وعطائها؟ أليس بفضل التكوين والتأطير والتلقين؛ لأن الرياضة عندهم علم وسوف نقولها بالفم الملآن إنها إحدى العلوم الدقيقة الشاملة، للعديد من الجزئيات، بدءا من نظرة اللاعب داخل المستطيل الأخضر إلى سقوطه.

لن نصبح كألمانيا وإسبانيا إلا إذا وضعنا العواطف جانبا وآمنا بثقافة التنظيم الجيد، وهنا يكمن القول إن ماجر نفسه لن يفعل شيئا؛ لأننا صراحة عجزنا عن تكوين وإعداد منظومة كروية، والدليل مستوى بطولتنا، فحتى لو استقدمنا أفضل المدربين في العالم، فسنبقى ننتصر وننهزم بضربة حظ؛ لأن ثقافتنا التسييرية بُنيت على الترقيع والتجريب، وهو ما يقال عنه «البريكولاج»، في شتى مناحي الحياة.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة