شوارع تبسة أضحت قبلة لهم ومن كل الأعمار…عائلات تقتات من القمامة وأخرى تنصب على ذقون المواطنين

شوارع تبسة أضحت قبلة لهم ومن كل الأعمار…عائلات تقتات من القمامة وأخرى تنصب على ذقون المواطنين

بقدر ما تختلف حرفة التسول بين جميع محترفيها، فإن لكل طريقته في ابتزاز مشاعر الآخرين وكيفية إقناعهم بحالته في عجالة، ليتمكن من استجداء عطف وحنان المارة، وكي ينال ما تيسر من دراهم نظير ما ردده، وما حفظه عن ظهر قلب من أدعية، تُشعرك وكأن الأبواب المغلقة في وجهك ستفتح وأمورك المُستعصية ستحل، إذا أنت تكرمت ووضعت يدك في جيبك وتصدقت على هؤلاء الذين أصبحت جل ساحات وشوارع المدينة تعج بهم.
عائلات تتخذ من قبالة السوق الرئيسي الخضر والفواكه وآخرون فضلوا زوايا المساجد وفي كل شوارع تبسة وأزقتها، وأمام أبواب المساجد ومواقف السيارات، وفي الحدائق العمومية والمقاهي والأسواق، وفي المحطات والمطاعم، وفي حافلات النقل الحضري والعمومي وأمام البنوك، يستوقفك متسولون من مختلف الأجناس والفئات العمرية، كل يختار طريقته في التسول، فبعضهم يلجأ إلى الدعاء وتلاوة القرآن، والبعض يتخذ القصة المؤثرة وسيلة لكسب بضع دنانير، في حين تلجأ فئة إلى إظهار أماكن إصابتها بمرض أو وصفة شراء الأدوية التي عجزت عن توفير ثمنها، فيما تلجأ فئة أخرى إلى التسول بالكتابة، وذلك بتوزيع أوراق على ركاب الحافلات تحكي الوضع الاجتماعي الصعب لاستعطاف الناس.
وبين هذا وذاك يجد المواطن نفسه حائرا في التمييز بين المتسول الصادق والمتحايل، والذي لا يختلف فيه اثنان أن التسول ظاهرة اجتماعية تستدعي الوقوف الحازم للحد من تجلياتها وانعكاساتها.
ولتسليط الأضواء اقتحمت “النهار” عالم المتسولين بمدينة تبسة، وكان لنا عشرات المحطات وبكل محطة نجد قصصا مختلفة من طرف هؤلاء المتسولين. وبعيدا عن الإحصائيات الرسمية للعائلات الفقيرة التي يتراوح رقمها بين 22 ألف عائلة، حسب الجهات الرسمية و120 ألف حسب مصادر أخرى وجمعيات محلية، فإن معظم المتسولين في تبسة هم من الوافدين خلال العشريتين الماضيتين، وقد بيّن لنا ذات الاستطلاع أن من مجموع 244 حالة فإن نسبة 60 بالمائة من هذه العينات تعتبر من ضحايا عدم وجود رب أسرة بإمكانه الإعالة، ثم المشاكل الأسرية، مثل تعدد الزوجات، وجود عدد كبير للأطفال، الأب يعمل في ورشة أو حمّال، استحالة مواجهة القدرة الشرائية للمعيل، ثم الأمراض المزمنة، وتأتي نسبة 10 بالمائة من المستجوبين من فئة الأطفال اليتامى لا معيل لأسرهم، من أسرة فقدت الأم أو الأب، فيما تبقى نسبة 12 بالمائة من المستجوبين لا يعتبرون أنفسهم متسولين بل طالبوا إحسانا ومساعدات اجتماعية من طرف عامة المواطنين، خاصة وأن الواقع المعيشي يؤكد أن ظروف الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة التي تمر بها البلاد خلفت وراءها نسبة عالية من الفقراء الذين أصبحت مهنة التسول تمثل لهم عملا إضافيا يعينهم على الحياة.

الصيف فرصة للكسب السريع والوفير.. في انتظار شهر رمضان

ومع قدوم فصل الصيف تشهد عاصمة الولاية ارتفاعا كبيرا للمتسولين الذين يجدون الفرصة مناسبة للكسب السريع، وكما يقول المثل المحلي الشعبي “الصيف أب الزوالي”، وهو ما يرشح ارتفاع عددهم أكثر، في وقت أكد بعض الأخصائيين الاجتماعيين أن التسول في تبسة لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية، وإنما جريمة منظمة، باتت مزعجة ومقلقة في آن واحد، خاصة في فصل الصيف وبدء العطلة المدرسية، حيث ينضم في ذات الفصل العديد من الأطفال الذين أنهوا عامهم الدراسي إلى عشرات المتسولين أملا في الحصول على أكبر قدر من المال من خلال مد اليد، والتذرع بالفقر والظروف الاقتصادية السيئة. وحسبهم، فإن المتتبع للمشهد يسجل أن العديد من هؤلاء المتسولين يملكون سكنات لائقة ليس بإمكان المواطن العادي شراءها، وهناك فئات أخرى أصبحت تملك محلات تجارية ورؤوس أموال.

..أولادي تحت جنح الظلام أريد مصباحا كهربائيا

هو شيخ في الخمسينات، فضّل جوار السوق المركزي للخضر والفواكه واختار الساعات الأخيرة لليوم، يبادرك بالقول بأن أولاده يبيتون تحت جنح الظلام وعندما تهم بوضع يدك في جيبك لمنحه 20 أو 30 دينارا ثمن مصباح كهربائي، فإنه يفضل أن تشتريه أنت، وهو ما يضعك أمام أمر إنساني وعاطفي، يجعلك تعتقد أن الشخص الماثل أمامك فقير فعلا وهو في حاجة إلى مصباح كهربائي، مما يؤدي بك إلى شراء مجموعة من المصابيح، حيث يقوم بوضعها لدى أحد التجار داخل أكياس بلاستيكية وفي نهاية كل شهر يكون قد جمع آلاف المصابيح وتكون الوجهة الأسواق الأسبوعية ببلديات الولاية.

ذات 8 سنوات تبكي وترتعد بحجة أنهم سرقوا منها 50 دج

هي بنت لم يتعد عمرها الـ 8 سنوات، بلباس محترم ونظيف، تجدها بالقرب من محطات النقل الحضري أو بجوار أبواب السور الروماني، تبكي وترتعد، وعند السؤال عن سبب البكاء والخوف تجيبك بعد إلحاح أن والدتها أرسلتها للشراء من المتجر المقابل، غير أن أحد الأطفال خطف منها الـ 50 دينارا وفر هاربا، وما عليك إلا أن تدفع لها 50 دينارا وتنصرف.. وهكذا.
 
تدني القدرة الشرائية للمواطن وراء الظاهرة

كشف تحقيقنا الميداني وبالاعتماد على العديد من المصادر المهتمة بالشأن المحلي، أن الأزمات التي عاشتها الجزائر خلال السنوات الماضية خلفت ميلاد العديد من المظاهر المشينة الطارئة على المجتمع، ومنها التسول بكثرة وبطرق بدأت تعرف أنماطا جديدة مست بما في ذلك قطاعا واسعا من فئة العمال وضعف القدرة الشرائية.
من ذلك أن التسول أخذ أنماطا متعددة، فهناك متسولون يلبسون البدلات الأنيقة ومنهم من يقدم العرائض للمسؤولين وكبار رجال الأعمال، وبعضهم موظفون عموميون من مختلف المستويات الاجتماعية. وحسب ذات المهتمين، فإن الإصلاحات الاقتصادية التي طبقتها الحكومات المتعاقبة لعبت دورا كبيرا في نقل مئات الآلاف من نشطاء الطبقة الوسطى، وهم في الغالب من الوظيف العمومي، إلى ما تحت خط الفقر، مما أجبر الكثير من أرباب الأسر أو أطفالهم وأفراد عائلاتهم الآخرين الى اللجوء إلى الاستنجاد بمداخيل إضافية لتلبية حاجياتهم اليومية، وكان التسول أسهلها لمواجهة أعباء الحياة المعيشية ومواجهة الأزمة.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة