صراعات، شد عصبي، وقلة أدب فرعونية دفنت الوحدة العربية

صراعات، شد عصبي، وقلة أدب فرعونية دفنت الوحدة العربية

ظلت مقابلات المنتخبين الشقيقين الجزائري والمصري

 طوال عقود من الزمن، عبارة عن صراعات تستخدم فيها جميع الجوارح والمشاعر فضلا عن الأرجل والأيدي والرؤوس داخل المستطيلات الخضراء التي احتضنت هذه المواجهات والتي خرج كثير منها عن إطاره الرياضي، وللأمانة وجب القول أن مرد ذلك هو المكانة التي تحتلها كل من مصر والجزائر على السواء على الأصعدة العربية والإفريقية والعالمية عموما، فحب الزعامة على هذه المستويات انعكس آليا على مقابلاتهما التي ظلت منذ أول مواجهة ودية بين الفريقين بملعب 20 أوت في عيد الإستقلال الأول للجزائر يوم 04-07-1963 عبارة عن داربيات كبيرة عجز القائمون على شؤون الكرة في البلدين على تحويلها إلى أعراس كما هو الحال عند بعض الشعوب التي عرفت كيف ترفع من وتيرة الرياضة وكرة القدم بالخصوص لتحولها إلى أحد أهم العوامل المساعدة على غرس الروح الوطنية لدى شعوبها، دون التقليل أو التسفيه أو احتقار المنافس وشعبه.

الجزائر   مصر هذه الثنائية المميزة جدا حولت مقابلات المنتخبين إلى داربيات كثيرا ما حبست أنفاس عشاق الكرة على سطح المعمورة، وإذا كانت الفرجة مضمونة عند الشعوب الأخرى التي تشبعت بشتى أنواع الصراع الكروي وتلذذته كأحد أهم العوامل الصانعة للمتعة، فإن الحال لم يكن كذلك عند الشعبين الجزائري والمصري، بل كثيرا ما كانت هذه الداربيات مدعاة للخوف لديهما، ومصدرا للقلق جراء الحرب النفسية التي صاحبت دوما مواجهات المنتخبين التي بلغت لحد الآن 19 مباراة انتهت 7 منها لصالح الجزائر و5 لصالح مصر بينما تعادل المنتخبان في 7 مواجهات مع أفضلية طفيفة لصالح الجزائريين الذين هزوا شباك الفراعنة في 22 مناسبة مقابل 19 لمصر. وقد انتهت أول مواجهة جزائرية   مصرية بتأهل المصريين إلى نهائيات كأس أمم إفريقيا التي أقيمت بالسودان سنة 1970 بعد أن عجز الجزائريون عن الرد على هدف حسن الشاذلي المسجل في ملعب القاهرة واكتفوا بتعادل إيجابي بالجزائر 1-1 سجله مدافع جزائري بالخطأ في مرماه، قبل أن تتجدد المواجهة بين الفريقين برسم ألعاب البحر الأبيض المتوسط التي احتضنتها الجزائر سنة 1975، وهي السنة التي حققت فيها الجزائر أول ألقابها الدولية بعد الفوز على فرنسا في اللقاء التاريخي الذي أبدع فيه عمر بتروني وزملائه الذين كانوا قبل ذلك قد فازوا على مصر 1-0. ولم تمض سوى 3 سنوات حتى التقى الفريقان ثانية في الألعاب الإفريقية التي احتضنتها الجزائر أيضا قبل أن يفترق الخصمان الشقيقان على التعادل 1-1.  بداية المواجهات في النهائيات القارية

وكان أول موعد للفريقين في النهائيات الإفريقية في نيجيريا سنة 1980 حين التقى المنتخبان في الدور نصف النهائي الذي عرفت فيه الجزائر كيف تقلب تخلفها في النتيجة بهدفين نظيفين إلى تعادل 2-2 قبل أن يحسم الحارس الأسطوري للجزائر مهدي سرباح الموقف بالتأهل إلى الدور النهائي بعد أن صد ضربيتين ترجيحيتين لمصر ليتأهل محاربو الصحراء آنذاك إلى أول نهائي لهم في “الكان” بـ4 ضربات مقابل 2 قبل أن يسقطوا في جحيم ملعب لاغوس 3-0 أمام أزيد من 100 ألف متفرج.

الألعاب الأولمبية… مصر إلى لوس أنجلس على حساب الجزائر

في سنة 1983 كان الموعد هذه المرة مع منافسة غير معتادة بين الفريقين، فهي المرة الوحيدة في تاريخ المواجهات بين البلدين التي تعلقت بمنافسة عالمية وهي الألعاب الأولمبية التي احتضنتها لوس انجلس الأمريكية، فبعد لقاء أول بين النتخبين بالجزائر انتهى بالتعادل 1-1 استطاع المصريون أن يفوزوا بلقاء القاهرة بهدف يتيم سمح للفراعنة بالمرور إلى النهائيات الأولمبية، وهي أول مقابلة بين الفريقين صعدت فيها اللهجة بشكل كبير جدا ما انعكس بشكل مباشر على مجريات اللقاء الذي اتسم بالخشونة بين اللاعبين وباندفاع بدني جاوز حدود الكرة في الكثير من اللحظات، خصوصا من الجانب المصري الذي كان يريد المرور بأي شكل للوس انجلس بعد أن عجز عن المرور إلى المونديال منذ أول مشاركة له سنة 1934 يإيطاليا، عكس الجزائر التي كانت عائدة حديثا من مونديال إسبانيا، ولا بد أن كل من شاهد هذه المباراة يتذكر جيدا وصف المعلق الجزائري لإحدى اللقطات التي وضع فيها قاسي سعيد بين لاعبين مصريين في تدخل خشن منهما حيث شبه اللقطة بـ”السوندويتش” في إشارة إلى وضعية اللاعب الجزائري بين اللاعبين المصريين.

 مرتبة ثالثة دون هزيمة في “كان” 84

في كان 84 وهو أحد أروع المشاركات الجزائرية في الكؤوس الإفريقية على الإطلاق التقى الفريقان الجزائري والمصري لتحديد صاحب المرتبة الثالثة، بعد أن خرجت الجزائر في الدور نصف النهائي أمام حامل اللقب آنذك الكامرون بالضربات الترجيحية 5-4 بعد أن ضيع قندوز الضربة الترجيحية للجزائر، ولم تكن الجزائر قد انهزمت خلال هذه الدورة بعد فوز على مالاوي 3-0 ثم غانا 2-0 ثم تعادل في اللقاء الثالث أمام نيجيريا 0-0 في اللقاء الثالث، لتنهي المقابلة أمام الكامرون في 120 دقيقة لتحافظ الجزائر على نظافة شباكها طوال المنافسة، قبل أن تفوز على مصر 3-1 في اللقاء الترتيبي بأهداف بلومي وماجر وياحي للجزائر وهدف وحيد لمصر ضد الجزائر وهو الوحيد أيضا في المرمى الجزائري بقدم مجدي عبد الغني.

تصفيات مونديال إيطاليا… الأهم في المواجهات الجزائرية المصرية

ولأن القدر شاء أن تتشعب المواجهات بين الفريقين لأكبر من التي لعبت لحد الآن، فقد كان الموعد مع الدور الأخير من التصفيات المؤهلة لكأس العالم سنة 1990 بإيطاليا، المصريون تفاءلوا خيرا باسم إيطاليا التي كان أول وأوحد أرض يطؤها المصريون في المونديال، فبعد عجز الجزائريون على هز الشباك المصرية في الجزائر واكتفائهم بالتعادل، زادت آمال المصريين في رؤية فريقهم في المونديال، وهو ما رفع درجة التأهل إلى القصوى برسم لقاء العودة الذي احتضنه ستاد القاهرة يوم 17 نوفمبر من سنة 1989، يومها خرجت المواجهة تماما عن إطارها الرياضي لتفتح الأبواب على مصرعيها لعمل الكواليس والحرب النفسية التي برع فيها المصريون، ما مكنهم من حجز مقعد التأهل إلى إيطاليا بعد هدف حسام حسن الذي قاد فريقه رفقة المدرب محمود الجوهري إلى المونديال بعد غياب دام 56 سنة كاملة.

حادثة بلومي والطبيب المصري

ولم تنته مخلفات هذه المواجهة إلا حديثا بعد أن أصدر القضاء المصري حكما ضد اللاعب لخضر بلومي بالتوقيف، ما حرم نجم الكرة الجزائرية من مغادرة التراب الوطني طيلة هذه الفترة قبل أن يتم العفو عنه بعد مفاضات تمت على أعلى المستويات بين مسؤولي البلدين سمحت أخيرا لصاحب الكرة الذهبية الإفريقية لسنة 1981 بأداء مناسك العمرة نهاية سنة 2009.

الجزائر بطلة إفريقيا ومصر تفسد العرس القاري

شهران فقط بعد هذا الإقصاء والحكم القضائي، كانت الجزائر على موعد مع النهائيات القارية التي احتضنتها لأول وآخر مرة سنة 1990، وقد ارتأى المصريون أن يشاركوا بالمنتخب الأولمبي، ما دفع بالناخب الجزائري الشيخ عبد الحميد كرمالي إلى إشراك الاحتياطيين في مواجهته الثالثة أمام مصر بعد أن ضمن تأهله إلى نصف النهائي إثر فوزه على نيجيريا 5-1 وكوت ديفوار 3-0 ولم يتمكن المصريون من مجاراة احتياطيي الجزائر الذين تغلبوا عليهم بـ20 سجلهما عماني وصايب.

 جنبا إلى جنب إلى جنوب إفريقيا

في سنة 1995 التقى المنتخبان مجددا برسم تصفيات كأس أمم إفريقيا التي احتضنتها جنوب إفريقيا سنة 1996، وتمكن المنتخب الجزائري من الفوز في 5 جويلية بقيادة رابح ماجر 1-0 قبل أن يتعادل المنتخبان في القاهرة 1-1 ليحتل الفريقان مرتبتين مؤهلتين إلى هذه النهائيات وهي إحدى “ألطف” المواجهات المصرية الجزائرية على الإطلاق.

5-2 ومع ذلك الإقصاء من المونديال

وسيبقى تاريخ 11 مارس من سنة 2001 الأسوأ بالنسبة للجزائريين في تاريخ المواجهات الجزائرية المصرية حين تمكن المصريون من هز شباك الجزائر 5 مرات كاملة مقابل مرتين فقط لصالح الجزائر، ومع ذلك لم يتمكن المصريون من المرور إلى اليابان وكوريا الجنوبية بعد أن فرض عليهم المنتخب الجزائري التعادل بعنابة 1-1 ورفضوا رفع الأرجل مثلما أكد ميدو بنفسه.

 آشيو يحدث ثورة في الكرة المصرية

في سوسة التونسية أبدع أحد الجزائريين أمام مصر بشكل لم يسبق أن حدث بين المنتخبين فلا الجزائر ولا مصر استطاعتا أن تسجلا طوال عقود بالطريقة التي سجل بها حسين آشيو في المرمى المصري على طريقة مارادونا أمام انجلترا. هو هدف سيبقى الأشهر في تاريخ المواجهات المصرية الجزائرية، وقد سمح بمرور الجزائر للدور ربع النهائي وأحدث ثورة في الكرة المصرية بإقالة الطاقم الفني وتغيير عدد من أعضاء الاتحاد المصري وإحالة عدد من اللاعبين المصريين على التقاعد بعد أن أخرج هدف آشيو الفراعنة في الدور الأول. 

أم درمان تحكم بين البليدة والقاهرة لصالح “الخضر

أما ما حدث نهاية السنة الفارطة فلا يمكن أن يخطر على قلب بشر، فقد بلغت الحرب النفسية والإعلامية حدا لا مثيل له في تاريخ أية مواجهة منذ أن بدأ بنو البشر في ممارسة الكرة، لم يترك حجر مصري إلا وقلب من طرف الجزائريين ولم يترك حجاب جزائري إلا وهتك من الجانب المصري، والسبب هو ما قيل أولا، مكانة البلدين على الصعيد العربي والقاري والعالمي، ورغبة كل طرف في التفوق لتخرج كرة القدم من الحساب كلية ويفتح المجال أمام شتى أنواع التعصب والعنف اللفظي وما يمكن تصوره وما لا يمكن تصوره قبل أن يحسم عنتر يحيى الموقف لصالح الجزائريين الذين انصرفوا إلى الاحتفال الذي لن تنغصه سوى بعض القنوات المصرية التي تجاوزت الخطوط الحمراء بالتطاول على بعض المقدسات الجزائرية.

 


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة