''صعب أن تشاهد والدك يبكي وأحيانا أتمنى لو لم نتأهل إلى المونديال !''

''صعب أن تشاهد والدك يبكي وأحيانا أتمنى لو لم نتأهل إلى المونديال !''

التقيته صدفة في مطار كاب تاون وأنا أستعد لامتطاء الطائرة المتوجهة إلى جوهانسبورغ..

اقتربت منه وسألته عن وجهته فكان مسافرا في نفس الطائرة معي، فكانت الفرصة مواتية للخوض معه في الجانب الخفي من حياة الناخب الوطني.. عز الدين خليل ابن رابح سعدان يفتح قبله لـ”النهار” ويكشف الكثير من الامور الخاصة عن حياة الرجل الذي كان له شرف إعادة الجزائر الى نهائيات كأس العالم بعد 24 سنة من الغياب، تحدث بمرارة عما شاهده سنة 86 وهو لم يتجاوز الثامنة من عمره حينها.. ساعتان بين السماء والأرض كانتا كافيتين لـ”النهار” لنقل الكثير من الحقائق المثيرة عن رجل سلاحه الوحيد هو عشقه للجزائر مثلما أكده نجله

 كيف عشت مباراة الجزائر وانجلترا خاصة وأنها كانت خاصة لك على اعتبار أن والدك هو الذي يشرف على الجهاز الفني للمنتخب الوطني؟

مثل كل الجزائريين فقد عشت المباراة على أعصابي لأنها كانت مصيرية للمنتخب الوطني الذي كان يواجه خطر الخروج من سباق التأهل الى الدور الثاني في حال تلقيه الهزيمة.. كنت متواجدا في المدرجات الى جانب آلاف الانصار الجزائريين حيث كنت أحمل ”الفوفوزيلا” من أجل التشويش على الانجليز الذين لا يحبذون سماع صوتها وشعرت بافتخار كبير بعد نهايتها ليس لكون والدي هو من قاد المنتخب وإنما للآداء البطولي الذي قدمه اللاعبون أمام المنتخب الانجليزي الذي استهزأ بعض لاعبيه بـ”الخضر”.

 لكن المباراة كانت خاصة لوالدك ؟

سأكشف لك ما قله لي والدي قبل المباراة، عندما تحدثت معه بدا واثقا من تحقيق نتيجة ايجابية، حيث قال لي بالحرف الواحد: ”غير الجزائر لي مانبهدلوهاش أمام انجلترا”، حيث لمست من خلال كلامه أن اللاعبين مجندين من أجل الدفاع عن ألوان الجزائر الى آخر دقيقة وهو ما وقف عليه كل الجزائريين وكل العالم عندما خرج لاعبو انجلترا ورؤوسهم في الأرض بعد الاداء البطولي الذي قدمه الجزائريون.

 أجبني بصراحة، هل كنت تشاهد مباراة ”الخضر” في الجزائر من المدرجات أم في البيت ؟

أنت طالبتني بالصراحة وسأكون صريحا معك، في الجزائر لم أشاهد المباريات الخاصة بوالدي في المدرجات منذ أن كان مدربا لنادي وفاق سطيف، حيث هجرت المدرجات بعدها بسبب الأمور غير الرياضية التي أضحت تحدث فيها.. لا يعقل أن أكون متواجدا في الملعب والبعض يشتم والدي وعائلتي أمامي لكن كانت هناك مباراة كنت أريد مشاهدتها ولم أتمكن من ذلك.

 ماهي ؟

مباراة الجزائر وصربيا حيث وصلت الى ملعب خمس جويلية لكني لم أستطع الدخول حيث عدت خائبا من أمام الملعب الذي كان مكتظا عن آخره. لكن الحمد لله أني لم أتمكن من الدخول بالنظر لما حدث بعد ذلك (يتوقف عن الكلام).. أنا جزائري وصدقني أحيانا كنت أقول ”لوكان غير لم نتأهل للمونديال” لأني أشعر بمرارة كبيرة عندما أسمع البعض يقول ”الفريق الوطني كبير عليه بزاف”.

 تبدو متأثرا كثيرا بعد الذي حدث لوالدك الذي طالب البعض برحيله ؟

للأسف الناس تنسى بسرعة عندنا في الجزائري فمن شتم والدي عليه أن يتذكر أين كان المنتخب الجزائري قبل سنتين فقط أين كنا لا نقوى حتى على التأهل الى نهائيات كأس إفريقيا، وكانت كل المنتخبات تفرح عندما تضعها القرعة مع المنتخب الجزائري الذي كان رقما زائدا في التصفيات الافريقية ولن أتحدث عن المونديال.. كنا نتمنى أن نشارك في كأس افريقيا.. لكننا اليوم في كأس العالم، لكني أريد أن أتحدث على أمر يؤرقني كثيرا.

 تفضل ؟

أحيانا عندما أسير في الشارع أسمع الناس تقول أن سعدان لا يهمه أي شيء باستثناء الأموال التي يتحصل عليها، وهنا سأكشف لك أمرا خاصا، فوالدي تلقى عرضا من سلطنة عمان براتب يفوق سبع مرات ما يتحصل عليه في الجزائر لكنه رفض لإحساسه أن الواجب الوطني أهم من أموال الدنيا وسأحكي لك القصة الحقيقة لقرار عودته للعمل في الجزائر..

 ماهي ؟

سنة 98 كان والدي مدعوا من مجموعة من المغاربة في فرنسا لمشاهدة إحدى مباريات المنتخب المغربي في المونديال وعند بداية المباراة اعتذر منهم بحجة شراء الدواء لوالدتي التي لم تكن أصلا مريضة، لكنه انعزل في مكان بعيد وراح يبكي بحرقة، قبل أن يعود إليهم، وفي المساء شاهدته والدتي غير عادي وعرفت أن أمرا ما يشغله وعندما سألته قال لها أنه تأثر كثيرا عندما شاهد تونس والمغرب في المونديال ولم يشاهد الجزائر، وعندها اتخذ قرارا بالعودة للعمل في الجزائر من أجل تقديم الاضافة والحمد لله فقد حقق حلمه بعد 12 سنة والجزائر اليوم هي الدولة الوحيدة التي تمثل العرب في أكبر تظاهرة رياضية في العالم.

  يبدو أن ”الشيخ” متعلق كثيرا بالجزائر ؟

بطبيعة الحال أكثر مما تتصور فهو يعتبر المنتخب الوطني مثل عائلته وأحيانا الوالدة تمازحه وتقول له اذهب الى عائلتك الأخرى.

 بحكم أنك قريب منه كيف يتصرف قبل المباريات المصيرية ؟

في بعض الأحيان كنت أشاهد القلق باديا على محياه لكن ليس خوفا من اللقاءات ولكن بسبب البعض الذي كان يحاول التدخل في عمله وهو الأمر الذي كان يحز فيه كثيرا، خاصة وأن البعض كان يريد تحطيمه دون أي سبب

 عندما يكون في الملعب هل يتصل بكم قبل المباريات أم بعدها ؟

والدي لا يفوت أية فرصة للاتصال بالعائلة والاطمئنان عليها خاصة قبل كل مباراة سواء مع المنتخب الوطني أو مع الاندية التي سبق له تدريبها، حيث يتحدث دوما مع والدتي وشقيقتي الكبرى ونفس الأمر يفعله بعد كل مباراة وذلك للاطمئنان خاصة على الوالدة التي عانت الكثير.

 وماذا كا يقول لهما ؟

كنا يطلب منهما الدعاء لأنه إنسان مؤمن كثيرا.. كان يتحدث دوما بالدين ويؤكد للوالدة أن ”واش يكتب ربي هذيك هيا” حتى يخفف عنها الضغط باعتبارها تعاني من المرض فهو يخشى كثيرا على صحتها.

 يبدو أن العائلة كانت تعيش الضغط أكثر من الوالد ؟

صدقني أحيانا تحدث بعض الأمور غير العادية، تصور أن بيتنا تحول إلى مكان يقصده الجميع ومن كل أنحاء الوطن والمفارقة العجيبة أن البعض يتقدم بطلبات غريبة فواحد يأتي لطلب المساعدة من أجل الحصول على مسكن والآخر يطلب وساطة للاستفادة من عمل والبعض الآخر يطلب الأموال من أجل العلاج وغيرها من الأمور التي تضايقنا في الكثير من الأحيان.

 الحديث عن الضغط يجرني لسؤالك عن بعض الأمور الخاصة جدا فهل ممكن ذلك ؟

بطبيعة الحال، لا يوجد أي مشكل.

 قبل مباراة مصر في البليدة، بكى الوالد على المباشر في ندوة صحفية، كيف شعرت عندما بلغك هذا الأمر ؟

أصعب شيء أن تشاهد دموع والدك، ”لأن دموع الرجال غالية”، لكن بكاءه جاء بسبب الضغط الذي كنا نعيشه في تلك الفترة التي سبقت مباراة مصر.

 لكن البعض ربط ذلك بتذكره شقيقك الأصغر الذي كان مقبلا على اجتياز شهادة البكالوريا ؟

بالفعل لأن شقيقي في تلك الفترة كان مقبلا على اجتياز شهادة البكالوريا ولم يكن متعودا على الضغط مثلنا حيث كان بعيدا عن مثل هذه الأمور وأول مرة شاهد ذلك كان سنة 2004 وبالضبط خلال المباراة التي جمعت بين الجزائر ومالي بملعب 5 جويلية قبل انطلاق نهائيات كأس افريقيا للأمم، أين عاد مندهشا للبيت بعد الذي حدث معه في الملعب حيث بدا غير مصدق لما يحدث لوالدي وسأله لماذا شتمه الأنصار وهو لم يمض على توليه المنتخب سوى فترة قصيرة جدا.

 لكن ما حدث سنة 82 كان له تأثير على الوالد ؟

لقد ذكّرتني بجرح عميق فما عشناه في تلك الفترة لا يمكن نسيانه وأنا أتذكر كل ما حدث رغم أني لم أكن أتعدى سن الثامنة في ذلك الوقت، تصور أنني كنت ”نضارب ثلاثة مرات في الصباح وثلاث مرات في المساء”، أما شقيقي كانت تحدث له أمور غريبة فالمعلم كان لا يتردد على ضربه باستمرار دون أي سبب، دون أتحدث عن المضايقات التي كنا نتعرض لها في الشارع والتي كانت تأتي في الغالب من ”ناس كبار” رغم أني كنت طفلا صغيرا، وسأقص لك مشهدا يختصر كل شيء..

 تفضل

قبل مباراة إسبانيا جاءنا بعض أفراد العائلة لمشاهدة المباراة معنا وبعد نهايتها راح البعض يطالب بمحاكمته على المباراة قبل أن نتفاجأ ببعض الناس يحملون النيران متجهين صوب بيتنا ومن حسن حظنا كان معنا في البيت أحد أفراد العائلة الذي كان يملك بنية مرفولجية هائلة والذي قام بإنقاذنا، كل هذا انعكس سلبا على صحة الوالدة التي قضت ستة أيام في غرفة الانعاش، بعدما تأثرت كثيرا وأصيبت بضغط الدم لكن رغم كل ما حدث فإن الوالد لبّى نداء الوطن وهو اليوم يشرف على الخضر ويقودهم الى المونديال وهو ما يزيدني افتخارا به.

 نبتعد الآن عن الماضي ونتحدث عن المنتخب الحالي، من  يعجبك من اللاعبين الحاليين؟

دون تردد هو مراد مغني، فحتى والدي يتحدث عنه كثيرا، فهو ليس فنانا فوق الميدان فحسب بل أخلاقه العالية تفرض على الجميع احترامه ووالدي يحترمه الى درجة لا تتصورها، وهو ما يبرر ربما بكاءه بعد تأكد عدم مشاركته في المونديال لأن مراد إنسان رائع قبل أن يكون لاعبا.

 هل سبق لك وأن تمنيت أن يقحم والدك لاعبا ما ولم يقم بذلك ؟

سابقا نعم، كنت في كل مرة أسأله بعد العودة الى البيت عن سبب عدم اقحام اللاعب الفلاني لكن عندما يشرح لي السبب أقتنع بذلك وأحترم وجهة نظره لأنه يملك معطيات لا يملكها البعض الآخر.

 هل أنت متفائل بتحقيق نتيجة ايجابية في المباراة القادمة أمام أمريكا ؟

بطبيعة الحال، وسأكون متواجدا في الملعب من أجل تشجيع اللاعبين على تحقيق الفوز والمرور الى الدور الثاني الذي سيكون انجاز كبيرا إن شاء الله يتحقق ذلك من أجل بث الفرحة في قلوب الجزائريين.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة