ضغوطات ''أبي'' تحول دون تحقيق أحـلامي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: سيدتي الفاضلة نور.. أشكرك جزيل الشكر على وقتك الذي تخصّصينه لنا وعلى مجهوداتك الكبيرة التي تبذلينها فقط للرسوّ بنا على برّ الاستقرار وراحة البال، هذه الراحة وهذا الشعور الذي أفتقده بسبب الضغوطات التي يمارسها أبي علينا في البيت..
سيدتي.. أنا فتاة في العقد الثاني من العمر، طالبة جامعية أحلم مثلي مثل أية فتاة في سني بأن أؤسس بيتا وأصبح أمّا في يوم ما، ومن الطبيعي أن يلتفّ حولي المعجبون ذوي النيات الحسنة، لكن كلما تقدّم أحدهم لخطبتي أجد أبي يرفض دون تفكير؛ وبل دون أن يأخذ حتى رأيي في الموضوع، في كل مرّة كنت أواسي نفسي وأقول في قرارتها أنه النصيب وعلّه خير، فالزواج مهما كان رزق والإنسان لن يأخذ سوى ما كتب اللّه له، لكني لا أنكر أني في كل مرة كنت أتألم وأتساءل لماذا يرفضهم ماداموا ذوي دين وأخلاق والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ”إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه..”، فأنا أرى أنه من حقي أن تكون لي أسرة ويكون لي سند أتوكؤ عليه في الحياة، لكن في كل مرّة يحول أبي دون تحقيق تلك الأحلام، فحاولت البحث في الموضوع وتكلّمت مع أمي التي أراها دائما مغلوبا على أمرها، لتفاجأني بقولها أن والدنا لا يريد تزويجنا لأنه يخاف علينا وعلى مستقبلنا، وجدته عذرا غير مقنع لأننا في الأصل نعاني الكثير من الخناق والضغوطات التي يقيمها علينا، فأحيانا أظن أن الدراسة التي سمح لي بمتابعتها حلم وسيأتي اليوم الذي سأستفيق منه. سيدتي.. إن أكثر ما يرهقني في الآونة الأخيرة هو كالعادة رفض أبي لشاب في غاية الأخلاق ومن أصل طيب، لكن هذه المرّة بحجة أنه يريدني أن ألتفت إلى دراستي وأتخرّج أولا، تقبّل الشاب الأمر وقبل بشرطه إلا أن أبي يرفض التحدّث في الموضوع جملة وتفصيلا، صدّقيني إن قلت لك سيدتي أني أتمزّق من اليأس والألم؛ لكن ما من أحد يشعر بي، أرجوك سيدتي أنيري دربي فأنا في أمس الحاجة إلى لمستك الحنون فلا تبخلي عليّ..
فتاة من الوسط
الرّد:
بنيتي، أنا من يشكرك على ثقتكم هذه التي هي في حقيقة الأمر تكليف أكثر منه تشريف، لأنني في كل مرّ أعالج فيها رسالة من رسائل القراء التي تردنا أجد نفسي أمام مسؤولية كبيرة تخصّ مستقبل إنسان ومشاعره وأحلامه، فألف شكر لك. بنيتي.. لقد قرأت رسالتك بتمعّن كبير فأنا جد متأسفة على موقف والدك حيال مستقبلك، فعوض أن يكون والدك ذلك الولي الذي يحرص على منفعة ابنته وسعادتها؛ سوّلت له نفسه بأن يمارس سلطته الأبوية في اتخاذ كل القرارات حتى عوضا عنكم وفي أموركم التي تخصّكم، لا ألمح هنا أنه علينا أن نلغي الولي من حياة الفتاة؛ لأنه ومهما كان يبقى شرطا من شروط الزواج في ديننا الحنيف، لكن على الأقل على الولي استشارة ابنته في رغبتها وفي أمر زواجها أو استشارة أمها، فغالبا ما تكون البنت أقرب من الأم في هذه المواضيع، ولعل ما زاد من تأزّم الأمور هو تلك الأعذار التي يقدّمها والدك في كل مرّة، فإن كان حقا يخاف على مستقبلك ويحرص على سعادتك لاختار لك ذا الدين والسيرة الحسنة.. لكن عزيزتي مهما كان.. يبقى والدك وعليك الحفاظ على هدوئك معه، فإياك ثم إياك والدخول في أي نقاش حادّ معه يمكن أن يؤدّي إلى نفور أو إلى خلق شرخ كبير بينكما ولربما أثّر ذلك على أواصر الأسرة عامة، بل ادفعي بالتي هي أحسن، لأني لا أظن أن والدك يكرهك؛ فلعلّه يرى أن مصلحتك هي في إتمام الدراسة والتألّق فيها، فهو ودائما على طريقته يخشى عليك من مفاجآت الحياة، فهو وإلى حدّ اليوم لم يرى في من تقدّموا لك من يمكنه أن يؤمنه عليك وعلى راحتك ولم يجد سوى الرفض بلا نقاش كحل أمامه، لأنه ومهما بلغت بنا درجة العلم يبقى للكبار لمسة من نوع خاص في حياتنا وعلى مستقبلنا بحكم تجاربهم وخبرتهم في الحياة، كما أنصحك بكسر حواجز الصمت مع والدك وأن تتودّدي إليه وأن تخلقي أواصر جديدة بينكما تمكنك من الغوص في أفكاره لتفهميه ولتجدي في نفس الوقت طريقة تسهّل عليك توضيح الصورة لديه، خاصة في أمر الشاب الذي تقدّم لك مؤخرا وتقنعيه به مادام الشاب يتمتع بأخلاق وسمعة طيبة. لهذا وحتى تنقذي نفسك من اليأس والاستسلام للأشجان حاولي أن تأخذي الأمور ببساطة ومن جانبها الإيجابي، فمهما تعدّدت الأسباب يبقى الزواج رزق بيد الله وحده لا بيدك ولا بيد والدك، وعلى الإنسان أن يرضى وأن يرحب بذاك الرزق كيفما كان، فلا تقنطي من رحمة الله التي وسعت كل شيء ولتضعي دائما نصب عينيك قوله تعالى: ”وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم فالله يعلم وأنتم لا تعلمون..” ردّت نور