عندما تسير التكنولوجيا بسرعة السلحفاة بسبب البيروقراطية في‮ ‬الجزائر‬

عندما تسير التكنولوجيا بسرعة السلحفاة بسبب البيروقراطية في‮ ‬الجزائر‬

في عام 2005، أعطى رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة،

إشارة انطلاق مشروع حاسوب لكل عائلة أو ما يعرف باسم ”أسرتيك” بعد أزيد من 18 شهرا من فوزه بعهدة رئاسية ثانية، وقد كان ذلك بالتحديد في 22 أكتوبر، بهدف الدفع بقطاع تكنولوجيا الإعلام والإتصال بالجزائر إلى الأمام.

ورغم إعطائه إشارة الإنطلاقة الرسمية للمشروع بالجزائر، والتي كانت بمثابة مفخرة للرئيس وأدت به إلى الإعلان رسميا عن ميلاد المشروع الأول من نوعه في البلاد في قمة المجتمع المعلوماتي المنعقدة بتونس يوم 16 نوفمبر من 2005، إلا أن المشروع ”المفخرة” لم يُكتَب له أن يُعمَّر طويلا لأسباب عدة شائكة ومعقدة صعّبت من مهمة الكشف عن هوية المتسبب في فشله..!

كان ميلاد مشروع حاسوب لكل عائلة ”أسرتيك” يوم 22 أكتوبر2005، من أجل بلوغ هدف واحد ووحيد لابد وأن يتحقق على أرض الواقع بعد مرور 12 شهرا، يتمثل في تسويق مليون حاسوب بنوعيه ”مكتبي ومحمول”، حتى تتمكن الجهة المشرِفة عليه من إحصاء مليون أسرة متوغلة في خبايا تكنولوجيا الإعلام والإتصال وتعلن أن الانطلاقة كانت ناجحة، لكن الهدف المسطر مرت عليه أربع سنوات وخمسة أشهر ولم يتحقق لأسباب يصعب أو بالأحرى يستحيل تحديدها، حيث يتنصل كل مشارك في المشروع  عن المسؤولية عنه بخصوص ”فشل” المشروع ويحمّلها لآخر، ففيما يحمّل المتعاملون الأربعة المساهمون في المشروع وهم ”كورتي أنفورماتيك”، ”ساكومي”، ”ألفترون” و”كينغ لاين كمبيوتر” البنوك العمومية مسؤولية فشل مشروع الرئيس ويتهمونها بالتماطل في دراسة ملفات الزبائن الراغبين في الحصول على قروض لاقتناء الحاسوب، تقذف البنوك العمومية المسؤولية تجاه هؤلاء المتعاملين وتؤكد على أنهم ينقصون من قيمة خدماتها ويفضلون خدمات البنوك الأجنبية مثل ”سوسيتي جنيرال” و”سيتيلام”، أما شركتا إنتاج البرامج المعلوماتية ”ميكروسوفت” و”إنتال” فتؤكدان على أنه لا دخل لهما، لا من بعيد ولا من قريب، في عدم بلوغ الهدف المسطر في مشروع ”أسرتيك”، مشددة على أن همها الوحيد هو ضمان تسويق شرائح الحاسوب.

تراشق التهم بين المشاركين في مشروع حاسوب لكل عائلة، يجعل من الصعب تحديد هوية من له مصلحة في إفشال مشروع الرئيس بوتفليقة، وتبقى الضربة الصاعقة التي قضت على المشروع عند إعلان الحكومة عن توقيف القروض الاستهلاكية في قانون المالية التكميلي لسنة 2009، وهنا يتَّحِد كافة المشاركون في مشروع الرئيس ويحمّلون الحكومة مسؤولية الفشل!.

الحكومة حاولت إنقاذ المشروع بمساهمتها في دفع 6 بالمائة من أرباح البنوك

حاولت الحكومة، سعياً منها لإنقاذ مشروع حاسوب لكل عائلة من الفشل، من خلال اتخاذها قراراً قضى بمساهمتها في دفع نسبة 6 بالمائة من الأرباح التي تتقضاها البنوك في إطار عملية حاسوب لكل عائلة بداية جوان 2008، وهو إجراء يعتبر فريداً من نوعه منذ انطلاق مشروع الرئيس في 22 أكتوبر عام 2005، غير أن قرار الحكومة لم يُنفَّذ بسبب التعديل الحكومي الذي عصف بالوزير السابق للقطاع، بوجمعة هيشور، وتعيين حميد بصالح خلفاً له.

بصالح فتح تحقيقاً حول أسباب فشل ”أسرتيك” بعد تعيينه في الوزارة

كلّف، وزير البريد وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، حميد بصالح، بعد أقل من شهر من تعيينه في المنصب في جوان 2008، مركز البحث العلمي في الإعلام العلمي والتقني ”سيريست” بمهمة تقييم مشروع حاسوب لكل عائلة، للخروج بنتائج تكشف عن المتسبب الحقيقي في عدم بلوغ مشروع الرئيس الأهداف المتوخاة منه في الفترة التي كان فيها نظيره بوجمعة هيشور على رأس القطاع، كما أعلن آنذاك عن ما أسماه بـ”منهجية الأعمال” بغرض التتويج بتوصيات تتماشى والأعمال التي أعلن من أجلها رئيس الجمهورية المشروع الأول من نوعه في تاريخ تكنولوجيا الإعلام والاتصال. لكن الغريب في الأمر، هو أن الإعلان عن نتائج التقييم لم يفصح عنها.

الوزير هيشور: ”لم أعد وزيراً حتى أكشف أسباب فشل أسرتيك”

تقربت ”النهار” من الوزير السابق للبريد وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، بوجمعة هيشور،  كون مشروع ”أسرتيك” انطلق في عهدته، لمعرفة الأسباب التي كانت وراء عدم تعمير مشروع حاسوب لكل عائلة طويلا، لكن الوزير رفض الرد، واكتفى بالقول ”لم أعد أحمل قبعة وزير البريد، وواجب التحفظ يمنعني من التحدث عن ذلك”.

أسباب فشل مشروع ”أسرتيك” أو من سبق الآخر في الوجود.. البيضة أم الدجاجة؟!

للتأكد من مدى محاولة المشاركين في رفع المسؤولية عنهم بخصوص فشل مشروع ”أسرتيك”، تقربت ”النهار” من البعض منهم، وكانت ردة فعلهم لا تخرج عن إطار تراشق التهم فيما بينهم، حيث أرجع، حسين جادي، مدير شركة ”كورتي أنفورماتيك” التي تعد واحدة من أكبر المتعاملين المشاركين في مشروع الرئيس بوتفليقة، الأسباب الرئيسية التي كانت وراء عدم بلوغ الهدف المسطر من الإعلان عن مشروع حاسوب لكل عائلة، إلى البنوك العمومية، وقال ”إن البنوك العمومية لم تقم بالدور المنوط بها على أحسن وجه، وإلا كيف يتم تفسير تحديد حجم مبيعات الحاسوب بنوعيه المحمول والمكتبي في أدنى المستويات”، ومقابل ذلك أثنى على المجهودات التي بذلتها البنوك الأجنبية مثل ”سوسيتي جنيرال” و”ستلام”.أما، محمد يحياوي، المشرف على مشروع ”حاسوب لكل عائلة” على مستوى مجمع ساكومي، فقد أكد أن فشل المشروع يعود إلى قلة مبيعات المؤسسة التي يمثلها، حيث تمكنت من تسويق 30 ألف وحدة منذ الإعلان عن ميلاد المشروع إلى الإعلان عن توقيف القروض الاستهلاكية بسبب عراقيل عدة أبرزها البنوك، علاوة على تأكيده أن انطلاقة المشروع في حد ذاتها لم تكن مبنية على أسس متينة.

البنك الوطني الجزائري: ”قمنا بواجبنا والمتعاملون فضلوا سوسيتي جنيرال على البنوك العمومية”

وللتأكد من صحة الاتهامات التي وجهها كل من ”كورتي وساكومي” للبنوك العمومية، تقربت ”النهار” من واحدة من أكبر البنوك التي حمِّلت مسؤولية فشل مشروع حاسوب لكل عائلة ويتعلق الأمر بالبنك الوطني الجزائري، حيث أكد، عبد الوفي رحال، مدير دائرة منح القروض، أن الهيئة التي يمثلها قامت بواجبها في إطار مشروع الرئيس بوتفليقة على أحسن وجه، وإلا كيف يتم تفسير المساهمة في تسويق أزيد من 10 آلاف حاسوب وتحملت تبعات ذلك؟، حيث رفض العديد من الزبائن تسديد الديون المترتبة عليهم رغم الإعلان عن انتهاء المشروع”.إلى جانب ذلك، استفسر عن الأسباب التي كانت وراء اتهام المتعاملين الأربعة البنوك العمومية في فشل المشروع، في وقت كانوا قد فضلوا فيه التعامل مع البنوك الأجنبية وفي مقدمتها ”سويتي جنيرال” دون البنوك العمومية.

سوسيتي جنيرال: ”المشروع انتهى فور الإعلان عن توقيف القروض الاستهلاكية”

حاولت ”النهار” التقرب من مسؤولي الإعلام على مستوى بنك ”سوسيتي جنيرال” لمعرفة ما إن كان المتعاملون الأربعة ”كورتي أنفورماتيك، ساكومي، ألفترون وكا أل سي” قد فضلوا التعامل معها وتجاهلوا بذلك البنوك العمومية، إلا أن أحد المسؤولين بالبنك الذي رفض الكشف عن هويته، اكتفى بالقول ”مشروع أسرتيك انتهى بالنسبة لنا بمجرد الإعلان عن توقيف القروض الاستهلاكية”.

وزارة البريد لا ترد!

اتصلنا بالسيد خياط، المكلف بالإعلام على مستوى وزارة البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، لمعرفة الأسباب التي كانت وراء فشل مشروع حاسوب لكل عائلة، لكنه أكد استحالة الإجابة عن سؤالنا، واكتفى بتوجيهنا إلى السيدة بورويس بصفتها المشرفة على المشروع بالوزارة.. لكن دون جدوى!.”

هل ينجح مشروع ”أسرتيك 2”؟

سبق لوزير البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال وأن عبّر عن آماله في أن لا تصادف مشروع ”أسرتيك2” نفس العوائق التي واجهها ”أسرتيك1” وفي مقدمتها القروض، حتى يتمكن من بلوغ هدف أكبر من السابق، ويتمثل في تسويق 10 ملايين حاسوب لعمال التربية والتعليم العالي والتكوين المهني، حيث أكد آنذاك أن المرحلة الأولى من ”أسرتيك2” على حد تعبير الوزير تتمثل في تزويد المؤسسات التربوية بأجهزة إعلام آلي ومخابر متنقلة، فيما يخص المرحلة الثانية تطوير قاعدة المحتويات، أما المرحلة الثالثة فتهدف إلى تحديد الإمكانات للوصول إلى هدف كمبيوتر لكل تلميذ.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة