عندما يتحول الهم العربي إلى مصدر إبداع

تتحدث الكاتبة الشابة “خالدة مختار بوريجي” في أول أعمالها الأدبية – التي جمعتها في مجموعة قصصية بعنوان ” أب للمحبة كلها” – عن الجرح العربي في مختلف الأقطار العربية التي تتعرض للسلب و الاستعمار

مرورا بقصة الدم الجزائري المراق طوال عشرية كاملة من الزمن ، إضافة إلى  نفحات رومانسية تتناول العاطفة المجردة تارة و العاطفة المتصلة بالآخر و بالمعاناة العربية بشكل عام .

و تتأرجح هذه المجموعة بين الذاتية الخالصة و الذاتية المشبعة بالآخر،  حيث يهيمن ضميرالـ” أنا” على لغة التعبير باعتباره أقوى وسائل استنباط الذات، و إيصال المشاعر اتجاه ما يقع خارجها و الأقوى كذلك على شرح الموقف ،
و هكذا فان المجموعة تفتتح بقصة عن فلسطين  “أب من الناصرة” حيث تتناول علاقة الفتاة الجزائرية سلمى بكهل من فلسطين يقرأ بصمت عن بلاده و يتأثر بصمت كلما سمع عنها شيئا ، نستقري من خلالها مدى تناسى القضية الفلسطينية و حصر العلاقة بها في الشكليات و العاطفيات و الغفلة التامة عما يجري من مآسي داخل هذا الوطن كما نلمس حجم مأساة المبدعين فيه ، أما البطل فيرمز إلى فلسطين الشتات لكنه يتميز عن عدد كبير، لكونه ظل مرتبطا بالقضية إلى آخر يوم من حياته عكس الكثير  من الذين انغمسوا في الحياة المرهقة في الغربة .
و من أبرز محطات المجموعة قصة “من مفكرة يوم عراقي” تتحدث عن فتاة عراقية تدعى “عبير قاسم الجنابي” التي تعرضت إلى الاغتصاب و هي ميتة على يد مار ينز أمريكي بعد أن قتل كل أفراد أسرتها و أضرم النار فيهم لإخفاء آثار الجريمة ، من خلال هذه القصة تحاول الكاتبة فضح التعتيم الأمريكي على الواقع الدموي العراقي و التطرق إلى الواقع الحقيقي   و الإشارة إلى أبرز المحطات التي عاشها الشعب الأعزل بدءا بسقوط التمثال و نهب المتحف القومي العراقي مرورا  بالأكاذيب و وعود الديمقراطية و أساليب الغش و التحايل الغربي للسيطرة على ثروات العراق و انتهاء بالتنكيل البشع بالعراقيين.
كما تشير الكاتبة في أول أعاملها الأدبية إلى غياب الدور العربي كليا في كل ما يجري على مستوى التحرك و الاكتفاء بالكلمة .
و في محطة ثانية و قصة أخرى ” فسيفساء ذات” تعالج بنوع من الرمزية علاقة الأمة العربية بلبنان بين نيران الحرب و مسدسات الإخوة و الصواريخ الإسرائيلية و التي تدور في سلم تناسلي و سطحية حتى لا يغدو من هذه العلاقة غير المصالح الشخصية و المشاعر السطحية هذا من خلال البطلان سالم و ليلى و تشير القصة إلى الصوت العربي بإشارة صريحة مباشرة عندما تدفع لبنان ثمن صمودها العربي و تمسكها بصلة الهوية .
و تعرضت الكاتبة إلى المأساة الوطنية التي عاش فصولها الدامية كل الجزائريين بمختلف فئاتهم الاجتماعية و توجهاتهم الثقافية فنجدها في قصة “زمن للموت و آخر للندم” تشير إلى  معاناة المبدعين الجزائريين ، خلال العشرية السوداء حيث قتل منهم من قتل فيما عاشت البقية تحت وقع الملاحقات و التهديدات بالتصفية الجسدية و اتخاذ الغربة ملجأ لهم ، تتضمن القصة نصيب المرأة الجزائرية من المأساة و معاناة الأسرة الجزائرية مثل ما تمثله تلك الأسرة التي فقدت ابنها على يد أخيه الإرهابي الذي تسبب كذلك في بتر ساق صهره و أراد أن يقتل أخته الكاتبة المبدعة التي هربت إلى الغربة لتتكلم عن القضية من منبر أوربي كباقي المثقفين ،  هذه العائلة التي تستقبل ابنها الإرهابي في إطار المصالحة الوطنية و تبيين كيف أن الجرح لم تلتئم بعد و أن صور العشرية تظل دائما محفورة في ذاكرة كل الجزائريين .
 إضافة إلى مجموعة من القصص التي تتناول العلاقة مع الآخر فنجدها في قصة “لم يشبه الآخرين ” تتناول بأسلوب رومانسي مغرق في الذاتية العلاقة مع الطرف الآخر و نجدها في قصة “هي و هو” تتناول المضايقات التي تتعرض لها المرأة في المجتمع الجزائري من قبل رئيسها في العمل من خلال استحضار إسقاطات لقصص قرآنية على الواقع ، و تقارب بين ما تعرض له يوسف عليه السلام و ما تعرضت له بطلة القصة.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة