فى أحدث مهرجان من نوعه فى مصر والدول العربية .. وربما العالم

فى أحدث مهرجان من نوعه فى مصر والدول العربية .. وربما العالم

أثار أحدث مهرجان مسرحى فى مصر فى دورته الثانية نوبة من الجدل بين الرجال والنساء بل بين كل فريق وبعضه؛

ومن المدهش أن هذا الجدل ممتد على مدى عام منذ عقدت الدورة الأولى له فكانت بمثابة حدث مدهش فتح دفاتر المسكوت عنه؛ لا فى علاقة المرأة والرجل فحسب بل فى علاقة المجتمع بالإثنين معا؛ ممتدا إلى أعلى أفقه فى مناقشة قضية توزيع السلطة والتصارع عليها على المستوى السياسى والتى يتجلى أحد أهم مظاهرها فى العلاقة بين الرجل والمرأة !.فعلى مدى عشرة أيام أقيمت مؤخرا فى القاهرة وعلى المسرح المكشوف بدار الأوبرا الدورة الثانية لمهرجان المخرجة المسرحية ؛ وشاركت فيه عشرة مخرجات مسرحيات من  كل محافظات مصر بدأ من العاصمة و وصولا إلى الصعيد، كما أقيمت ندوات نقدية لمناقشة العروض فور انتهائها فى حضور المخرجات شارك فيها جمع كبير من النقاد  من مختلف الاتجاهات والثقافات وكذلك الجمهور ، كما أقيمت موائد مستديرة لمناقشة ظاهرة المخرجة المسرحية فى مصر وجلسات بحثية لمناقشة أبحاث تخص الظاهرة ، كما أصدر المهرجان نشرة يومية لمتابعة وقائعه والتعليق النقدى على العروض كما نشرت أيضا نصوص العروض، وكتابا توثيقيا لأعماله، وكتابا أخر عن المكرمات . المهرجان كرم فى افتتاحه وتتابعا لتقليده فى العام الماضى عددا من السيدات اللاتى قدمن جهودا فى مشوار حياتهن للحركة المسرحية عموما؛ يأتى فى مقدمتهن الفنانة”سميحة أيوب”رئيسة المهرجان على الرغم من تكريمها فى العام الماضى؛  إلا أن تكريمها هذا العام تكريم شرفى لرئاستها للمهرجان.
كرم المهرجان أيضا الفنانة “فردوس عبد الحميد”، الكاتبة “فتحية العسال” التى تعد أول سيدة من الوطن العربى تختار لكتابة كلمة المسرح فى اليوم العالمى للمسرح منذ ثلاثة أعوام، د. “هدى وصفى” مديرة مركز الهناجر للفنون والتى أدارت المسرح القومى لعدة سنوات،  الناقدة “أمال بكير” التى رأست صفحة المسرح بجريدة الأهرام لسنوات طويلة ومازالت تتابع نشاطها، الناقدة والكاتبة “فوزية مهران” واحدة من المؤسسات فى مجلة صباح الخير المصرية، الناقدة والمخرجة والممثلة”منحة البطراوى”وإحدى المؤسسات لمهرجان الفرق الحرة بل إن الدعوة له بدأت من فكرة لها، كما كرم المهرجان اسم الفنانة الكبيرة الراحلة”مارى منيب”.
المهرجان بين الفن والسياسة

حكاية مهرجان المخرجة المسرحية بدأت بفكرة اقترحها -ضمن عدة اقتراحات لتطوير العمل المسرحى – الناقد والباحث المسرحى “عبدالناصر حنفى” وتقدم بها إلى الشاعر والناقد والكاتب المسرحى د. “محمود نسيم” مدير إدارة المسرح بالهيئة العامة لبيوت وقصور الثقافة التى يرأسها الفنان التشكيلى د. “أحمد نوار”؛ والتابعة لوزارة الثقافة المصرية، وتمت الموافقة على هذه الفكرة من كل الجهات لأنها من جهة تقدم مهرجانا نوعيا جديدا؛ ومن جهة أخرى لأنها تتوافق وسياسة الدولة حيث تتبنى السيدة “سوزان مبارك” حرم رئيس الجمهورية دعم المشروعات التى تخص المرأة والعمل النسائى؛ ولعل هذا رأى أغلب المخرجات المشاركات فى المهرجان حيث رأين فى استبيان أجريته أثناء المهرجان بغرض الدراسة العلمية؛  أن سبب اهتمام الدولة ممثلة فى وزارة الثقافة بالمرأة  كمخرجة مسرحية وإقامة مهرجانا لأعمالها ليس بسبب تنامى ظاهرة اشتغال المرأة بالإخراج المسرحى مما يمثل ظاهرة تستوقف الدراسة والبحث وإقامة المهرجانات ولكن بسبب سياسى!.
على جانب أخر رفضت بعض المخرجات الفكرة والمشاركة باعتبارها فكرة رجعية تعود بالنساء لعصر الحريم وأن هذا التقسيم النوعي يسئ للمرأة  ويعتبر إسهامها طفوليا بحاجة إلى الرعاية حتى يكبر بينما يرين أن المرأة المخرجة تساهم بقوة فى المشهد المسرحى؛ وعلى الرغم من رفض بعض المخرجات لهذه التقسيم النوعى ورؤيتهن أن التنافس الحر بين المخرجين والمخرجات فى مهرجان يجمع بينهم معا أفضل وأكثر منطقية؛ إلا أنهن شاركن بعروض فى المهرجان فى دورتيه(!)؛ وقد فسرن هذا التناقض بسبب غياب المساحات المتاحة لهن مثل الرجال أيضا وبخاصة من الشباب فى التواصل مع الجمهور بإتاحة فرص للعرض، خاصة وأن إنتاجهن دوما من نوع الإنتاج الفقير-تكلفة إنتاجية صغيرة- وغالبا على نفقتهن أو جهات ثقافية لا تستطيع أن تتحمل إلا هذا النوع من الإنتاج وعدد  محدود من ليالى العرض توفره جهات العرض المنتجة أو جهات ثقافية أخرى؛ بينما البيت الفنى للمسرح لا يمنح فرصا للإنتاج لا للنساء ولا للشباب عموما  ولا يدعم الفرق الحرة والإنتاج الفقير حتى بفرصة عدد من ليالى العروض على خشبات المسارح التابعة لها ولو لعدد محدود من الأيام فى الفترات التى تطفئ فيها أنوار مسارحها لعدم وجود إنتاج أو استعدادا لإنتاج جديد، ولذلك ترى المشاركات رغم اعتراضهن على فكرة المهرجان أنه يعتبر فرصة جيدة للتواجد والتواصل مع الجمهور والحركة النقدية والإعلام بما يسمح بإلقاء الضوء عليهن لا باعتبارهن نساء ولكن باعتبارهن فنانات مساهمات فى صياغة المشهد المسرحى المصرى.

صراع السلطة
من ناحية أخرى أبدى بعض الرجال سواء من المخرجين أو النقاد أو الجمهور وبخاصة الشباب دهشتهم من فكرة هذا المهرجان النوعى باعتبار أن المسرح فنا يضم النساء والرجال معا بل ويتسم بأكثر من غيره من الفنون بأنه لعبة جماعية إحراز الهدف فيها يحسب للجماعة وإن سجله فرد تماما مثل لعبة كرة القدم ، بينما بلغت قمة الاعتراض وإن أتت فى شكل (إفيه) بإطلاق البعض على المهرجان اسم(مهرجان النسوان) ساخرين باعتباره محاولة لإقصاء الرجل وسيادة النساء؛ ولعل (إفيها ) أخر لم يغادر ذاكرتى أطلقه أحد الممثلين الشباب فى الدورة الماضية يلتقى مع سابقه فى المعنى حيث قال (الدورة القادمة من المهرجان لابد تكون بعنوان الرجل الديكور) ؛ وهو ما يكشف بشكل أعمق عن الصراع المسكوت عنه بين الرجل والمرأة فى التنازع التاريخى على السلطة متجليا على الصعيد الاجتماعى فى العمل من ناحية والعلاقة داخل الأسرة من ناحية أخرى، وهو ما يعد جزءا ولو بشكل غير واع من الصراع والتنازع على السلطة على المستوى السياسى .
بينما لم تمنع مشاركة مبدعون ونقاد رجال فى فى فاعليات المهرجان المختلفة من التساؤل حول الهدف من إقامته؛ بل والتساؤل حول الظاهرة نفسها وهل بإمكان  المرأة أن تتحمل عبء مهنة الإخراج؛ فنرى المخرج الكبير”أحمد عبدالحليم” عضو لجنة التحكيم يقول فى أحد الحوارات معه يقول بأنه تعلم من أساتذته أن (مهنة الإخراج تحتاج لعضلات) وهو ما لمسه خلال تجربته؛ ولكنه لم  يصادر حق المرأة فى أن تجرب وتطرح ما عندها، بينما تساءل مبدع ومسئول ثقافى وأحد أعضاء لجنة التحكيم عن قدرة المخرجات للتصدى لعرض جماهيرى كبير يمكن أن يصب فى الحركة المسرحية المصرية.

الموقف النقدى
الحركة النقدية بدورها انقسمت تجاه هذا الحدث البعض رفضه بشدة  ورأى أنه زائد عن الحاجة وأن وزارة الثقافة  أصبحت وزارة مهرجانات دون اهتمام بالثقافة نفسها، بينما رأى البعض أنه خطوة تقدمية جدا وأن المهرجانات عموما مفيدة لحركة الثقافة، ورأى الناقد د. “محمود نسيم” مدير المهرجان و إدارة المسرح التى أقامت المهرجان أن مشاركة المرأة فى مهنة الإخراج المسرحى  تراكمت بحيث مثلت ظاهرة وأن إقامة المهرجان يسمح  بتناول هذه الظاهرة علميا ونقديا واستكشاف جمالياتها وموقع مساهمتها من الحركة المسرحية المصرية، بينما نفى الناقد”عبد الناصر حنفى” صاحب فكرة إقامة هذا الحدث أن إقامته لغرض سياسى أو أنها تمثل فكرا لا رجعيا ولا تقدميا ؛ ولكن لأن المسرح أكثر حساسية من غيره للنشاط الاجتماعى السائد فإن اقتحام هذا النظام من نقطة مثل (المخرجة المسرحية) سيؤدى لنتائج مهمة، كما يمثل انفتاحا على الظواهر المسرحية بصفة عامة.
بينما دافعت عن فكرة المهرجان  الفنانة “سميحة أيوب” رئيس المهرجان و التى قدمت عددا من التجارب الإخراجية فى مشوارها؛ والتى رأت أنه يدعم الحركة المسرحية بعامة، كم أن المهرجانات تحقق التواصل الفنى والثقافى والفكرى بين الأجيال.

وزير الثقافة يدافع عن سياسة المهرجانات!
الفنان “فاروق حسنى ” وزير الثقافة  دافع فى كلمته للمهرجان عن فكرته باعبار أنه “إضافة نوعية فى إطار رؤى الوزارة الهادفة إلى جعل الثقافة جزءا من حراك اجتماعى عام”، كما داافع عن تبنى الوزارة سياسة المهرجانات التى باتت مثار نقد
عنيف فى الحركة الثقافية؛ بقوله” لانرى فى المهرجانات نشاطا شكليا أو دعائيا يبرق لحظات ثم ينتهى،ولكننا نراه ثقافيا يلقى الضوء على ظواهر بعينها ويطرحها بشكل مكثف أمام الحركة الثقافية لكى ينمو الحوار ويتواصل بين الاتجاهات والتيارات المختلفة”، أما تحديدا  عن المهرجانات المسرحية التى تقيمها الوزارة فقال” إنها تخلق مناخا مسرحيا قائما على التجديد والابتكار فى الأشكال المسرحية والتقنيات والأساليب”.

لقد أثار المهرجان فى حد ذاته كل هذا الجدل على الرغم  من أن خروج المرأة للعمل عموما وتوليها المناصب القيادية فى مصر قد مر عليه أكثر من قرن من الزمان، بل واشتغالها بالفن عموما ظاهرة قديمة ، وفى مجال الإخراج المسرحى هناك تجارب تحفظها السجلات التاريخية للمسرح المصرى منذ إقدام “فاطمة رشدى” على الإخراج وهى تلميذة “عزيز عيد”أول مخرج مسرحى مصرى بالمعنى الحديث للمصطلح، ثم ماقدمته بعض الممثلات من تجارب مثل “نعيمة وصفى”، “سميحة أيوب”، والدكتورة”ليلى أبوسيف” التى هاجرت إلى أمريكا، ود.”سميرة محسن”، وغيرهن إلا أنها تجارب متقطعة ، ولكن انفتاح مساحة الحرية بظهور الفرق الحرة وفرق نوادى المسرح ، وتنامى عدد المتخرجات من فى تخصص الإخراج من معهد الفنون المسرحية ، وزيادة مواقع الدراسة بوجود أقسام تدرس المسرح فى كليات أخرى بعد أن كان المعهد هو جهة الدراسة الوحيدة؛ كل ذلك بدون شك زاد من عدد المتخصصات وفتح الباب أمام الموهوبات للولوج إلى عالم الإخراج المسرحى؛ بل واقتحام مجال كان تقريبا مقصورا على الرجال؛ لاكتشاف الذات والإسهام فى المشهد الاجتماعى بعامة والفنى المسرحى بخاصة، ولكن كل هذا لم يثر الضجة التى أحدثها وجود المهرجان ذلك لأنه وضع هذه التجارب والمساهمات فى إطار محدد يمثل اعترافا بوجودها كظاهرة تستأهل البحث والدراسة والتدعيم، ومازال صراع السلطة على خشبة المسرح دائرا بين المخرجين والمخرجات وأعتقد أن كفاحا طويلا ستخوضه المخرجات حتى ينتزعن اعترافا بحقهن وبقدرتهن على السلطة على خشبة المسرح، اعترافا مرهونا بقدرتهن على الاستمرار وإضافة الجديد.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة