قال للإمام قبل أربعة أيام من اغتياله.. “ادعي لي يا شيخ بحسن الخاتمة”

قال للإمام قبل أربعة أيام من اغتياله.. “ادعي لي يا شيخ بحسن الخاتمة”

لما هممنا أن نزور عائلة الفقيد خالد عياط كنا نتصور أن نجد بيته على الأقل يليق به كشهيد ضحى بروحه فداءا للوطن، كنا نتصور أن يستقبلنا باب كبير ونمر في رواق اكبر و نجلس على آرائك تليق بعائلة سيد من سادة الجزائر.

تحقيق: أ.ب

تصورنا العديد من البديهيات التي تميز بيوت المجاهدين و الشهداء .وما إن وصلنا إلى البلدية التي كان يسكنها وهي بلدية الحوامد الفقيرة التي تبعد عن مدينة بوسعادة بحوالي 15 كلم، كان الكل يعرف بيت فقيد المدينة كلها، ونحن نسلك المسلك الوعر الذي يؤدي لبيته كانت ذكرياته ملتصقة بكل جانب من جوانب المدينة التي تربى فيها و ترعرع بين أحضانها، كان الحجر والملعب والمقاهي ووجوه الأصدقاء التي ذبلت ساعة معرفة سبب زيارتنا لهم.

الطريق التي كانت ممرا لخالد في الرواح والمجيء تجملت علها تخبئ علينا معاناة خالد في المرور عليها حيث كانت طريق مدة صلاحيتها تنتهي بسقوط المطر حتى تصبح كارثة، أما الحرارة فقد كانت تشعل فتيل الغبار فيها .كنا نمني النفس أن البيت ستكون كما تصورنا ، لكن خارت قوانا ساعة مشاهدتنا لأخيه الذي استقبلنا على باب الحارة القديمة التي يتوسطها بيت قديم بالي، يحكي لك عن قصة معاناة عائلة دون الاقتراب منه، خطواتنا تثاقلت حقا، ونحن نهم بدخول البيت الذي ستره باب من الزمن الغابر اقتناه خالد رحمه الله من السوق الشعبية بثمن بخس، ساترا به العائلة الجزائرية الأبية التي أهدت للجزائر ابنها الغالي فداءا.

لم يكن البيت بيتا، بل كان سور يلف بهم، يحوي بين أركانه عائلة خالد عياط و التراب ملأ جله ، أو بالأحرى كله ، لأن أغلب ما بني من التراب .لم يكن أحد منا يستوعب ما يرى ،لأن البيت خالي من كل ضروريات الحياة البسيطة التي تعتبر حقا للمواطنين الجزائريين العاديين، ماذا لو كان خالد عياط الذي يعتبر شهيدا.. وأي شهيد !!!

حرارة الاستقبال من طرف العائلة الكريمة الوالد والأخوة و الأم كانت الأجمل في زيارتنا لأنها أثلجت صدورنا بعد تعرية واقع بات يؤرق العائلة التي ما عملت شيئا غير أنها تحيا بحب الوطن والإعلام الوطنية التي زينت البيت و صور خالد بالبلدية الزرقاء و هو في عنفوان شبابه، لم يكن احد يرى الصور لأنها كانت تشعرهم بالألم والحسرة، كانت تبكي قلوبهم في كل يوم و كل ساعة يرون فيها خالد، أما الأم الرحيمة التي غطت رأسها بوشاح اشتراه أيضا خالد لها ليلة العيد الكبير كما كانت تقول ، وهي تضع يدها على فمها لتغطي الألم البادي ، وعينيها تتحولان من مكان لآخر علها تنسي دموعها التي خطت خديها سوادا حرقة و حزنا على فقيد غاليها، وفي رجليها حذاء ترجم بكل صدق حالة الفقر المدقع الذي أكل الفرحة وانتزع الابتسامة من ثغور العائلة كلها .ولم نزل نحدثها عن خالد الذي أخذ كل حياتها معه ، وهي تواري الدمع وتستجمع بقايا قواها لإتمام حديثها معنا الذي امتزج بكل ألوان الحزن القاهرة ..

أم خالد لم تكن تحكي عن حالة معاناتها، بل ركزت جل كلامها عن ابنها الذي غدروه كما كانت تقول :… غدروه أولاد الحرام …الله ينتقم منهم …حسبنا الله ونعم الوكيل ..الله على الخونة… كلمات كانت ترددها ام خالد و الغضب يتجلى من خلال نظرتها الثاقبة ويديها الضعيفتين..

جلستنا كانت في مكان يدعى بيت الاستقبال – مجازا طبعا – لأنه يفتقر لكل شيء إن صح التعبير، حيث جلسنا على سرير يتأرجح بين اليمين و الشمال والقش الذي سكن السقف يتأثر بنسيم البرد الذي جمد أرجلنا، لولا حرارة الحديث لما استطعنا أن نبقى دقيقه واحدة ..

أبو خالد ذلك الرجل الطويل الذي أتى المرض عليه و نخر جسده ، لم يكن يرد الكلام أول مرة ، لأنه يحمل أثقالا من الهموم ويخاف إن تكلم فإنه لن يسكت ، لأنه لم يتوقع ما يحدث لهم الآن ، حيث أسر لنا بين طيات حوارنا معه أنه يتعجب لتصرف الدولة مع عائلته ، وكيف يتم هذا الصمت الرهيب عن حقوقه و حقوق عائلته و ابنه الصغير.. كان أب خالد يتوسط برنوسا رثا يحميه من شدة البرد القارص الذي تعرفه المنطقة ، كانت عيناه الصغيرتين تترجمان الكلام دون أن ينطق ، حيث يتراءى لك من الوهلة الأولى أحزانه التي امتزجت بين فراق السند القوي الذي استندت عليه كل العائلة و بين الفقر الشديد الذي ميز يوميات العائلة.

أما زوجته التي احتجبت عنا نظرا لخصوصيات العائلة في المنطقة، فقد أكدت لنا من خلال شقيقه أنها فقدت زوجها بعد سنتين من زواجهما، وكم كانت فرحته كبيرة يوم رزقه الله بابنه إسحاق الذي ملأ عليه الدنيا سعادة وأنساه كدر السنين التي عاشها ، و غير حياته ، زوجته تقول أن خالد رجل بمعنى الكلمة وأنه كان لا يخاف أبدا ، كما كان حريصا على عمله جدا ، حيث كانت تطلب منه التأخر في الإجازات لكنه كان يرفض بشدة ..

زوجة خالد و التي رجعت لبيت أهلها لا تختلف كثيرا عن عائلة زوجها لأنها فقيرة هي الأخرى ولا تكاد تسد رمق رضيعها الذي تركه أبوه في كنف عائلتين فقيرتين ، يدخلهما مرضه في أزمة بحثا عن الدواء وحق الطبيب الذي يكشف عليه .زوجة خالد تؤكد أنها تنتظر التفاتة الدولة لها و لابنها في إعطائها حقوقها التي ستربي بها إسحاق ..

جلستنا مع عائلة خالد عياط كانت اكتشافا لواقع عائلة جزائرية فقيرة جدا في زمن عزة الجزائر ، عائلة لا تقوى على شراء خبز ساخن في الصباح ، عائلة يغظ فيها الطرف الأب متجاهلا طلبات أبناءه العديدة ، وهو يبكي ألما و حسرة عاجزا عن منح أولاده ابسط حقوقهم ،وهم يكتم الغيظ ويعض شفتيه على حاله الذي طير النوم من عينيه مذ سقط ابنه خالد رميا برصاصة غدر مشؤومة.

وأكد أحد أصدقاء المرحوم أن رحيل خالد قلب البيت رأسا على عقب، فرسب كل إخوته، حتى أن المدينة افتقدته ككل لأنه كان كشافا وعضوا بالجمعية الرياضية حيث كان لاعبا ماهرا ونشطا للغاية.

غير أن المثير في قصة هذا الشرطي الشهيد ما أورده أحد أقاربه الذي ذكر بأن الراحل خالد عياط كان معهم في جنازة جدته قبل أربعة أيام من اغتياله ولما رافق خالد الإمام الذي حضر للتعزية قال له: “ادعيلي يا شيخ بحسن الخاتمة”، ولم يكن يدري أن الله سيتقبل دعاء الشيخ كلمح البصر.

 

 

 

والد الراحل خالد عياط لـ “النهار”

ماذا أطلب ما دام ابني لن يعود إلي مجددا..

يتحدث والد الشرطي الشهيد خالد عياط عن الظروف الصعبة التي يعيشها رفقة أفراد العائلة التي فقدت الكثير باغتيال الابن الذي يعتبر السند الأساسي للعائلة.

* نحن آسفين جدا للقاءك في مناسبة مثل هذه.

– لا عليكم، هي ما فتئت تتحدث عن خالد حتى تجهش بالبكاء ، كانت تحبه جدا ولا تتصور كم تأثرت يوم وفاته، حتى كلنا أصيب بصدمة كبيرة. لأنه لم يكن مجرد ابن فحسب، بل كان أب العائلة كلها بروحه العالية وهمته التي عانقت السماء، وتركتنا نتعلق به لحد بعيد.

* نرجع لحادثة شهادته..قيل لنا أنه استشهد في حاجز مزيف نصبه الإرهابيون؟

– أكيد …اقصد هذا ما سمعنا وما رددته وسائل الإعلام، حيث كان على متن سيارة نقل جماعية يوم الخامس من شهر افريل 2008 وعلى الساعة السابعة والنصف صباحا، وبالضبط في منطقة حاقات التي تبعد عن تقزيرت بحوالي 4 كلم، أين أوقف السيارة مجموعة من الإرهابيين الذين تنكروا بلباس عسكري وانزلوا كل من كان على متن الرحلة.

* وماذا بعد؟

– ابني خالد عرفهم، فأراد أن يهرب سالكا الوادي المحاذي للمكان ، لكن الغدارين أطلقوا النار عليه فأصابته رصاصتهم المسمومة ، انهوا بها حياة ابني الذي تركني أصارع مرارة الدنيا أواجه كدرها لوحدي خاصة وأن الدولة تخلت عنا وعن عائلة ابني، فمن المبلغ الذي استفادت منه زوجته بعد وفاته، لم نرى فلسا واحدا، حتى مرتب عائلته لحد الآن هو رهن الوعود التي طال انتظارها.

* هذا يعني أنكم لم تستفيدوا من أي شيء لا أنتم ولا عائلته؟

– أكيد لم نستفد أبدا، وكما ترى فالبيت لا يقوى على حمل أعمدة الاسمنت التي امتزجت بالتراب، ولم تراعي الدولة حالتنا المزرية، فأنا كما ترون مريض من 30 سنة وأبنائي يدرسون في الجامعة وتلزمهم مصاريف كثيرة..

* هل لك أبناء آخرون يعملون غير المرحوم؟

– نعم، لي ابن يعمل هو أيضا في الأمن الوطني، لكنه متزوج وبابنه، يعني لا يقوى على كفالتنا، والظروف تغيرت خاصة أن الحالة الاجتماعية متدهورة جدا.

* حقا نحن نتضامن معك سيدي و نأمل أن يسمع نداؤك المسؤولين، فماذا تقول في كلمة أخيرة؟

– ماذا أطلب ما دام ابني لن يعود إلي مجددا. ما أود قوله هو أنني أتمنى من الدولة التي ضحى ابني خالد بحياته من اجلها ولدي خالد أن تنظر إلينا، فنحن لا نملك شيئا ، كما نشكر جريدة النهار الجديد التي ملأت قلوبنا اليوم أملا في أن تكون سببا في وصول صرختنا للمسؤولين.

 

 

 

 

 

والدة الراحل خالد عياط لـ “النهار”

“فقيدي رحل و تركنا عاجزين حتى على شراء الدواء”

كانت ترتجف تشد يدها بيدها وتضغط عليهما من شدة الألم والحسرة التي صاحبت ذكرى وليدها الذي قطفت زهرته في ربيع العمر، وعيناها يملأهما الدمع الحار الذي جفف أنفاسها العميقة بعدما ملأت حياتها شجونا ..تبلغ من العمر الستة و الخمسين لكنها تبدو اكبر من ذلك بكثير، بعدما أنهك كدر العيش قوامها وملأ حياتها فقرا وحزنا على حبيبها وفلذة كبدها الأكبر خالد، لم يكن من السهل أن تتحدث عنه لولا كرم ضيافتها الذي حتم عليها الجلوس بمعيتنا والحديث عن خالد …..

* كيف حال الوالدة الكريمة ؟؟

– الحمد لله على كل حال

* قراء “النهار” يريدون أن يشاركوك فراق خالد

– أشكرهم جدا، فخالد لم بكن ابني فحسب، بل كان ابن الحي و المدينة والجزائر كلها لأنه كان يحب الناس، ولا تتصور كم تعلق قلبه بالوطن، مدافعا عن حبه بكل ما يملك.

* ماذا عن حياته معكم وكيف التحق بالأمن الوطني؟

– خالد ابني منذ أن فتح عينيه تحمل المسؤولية وصار يعمل بجهد لكي يعيلنا، لأنه كان الوحيد الذي يستطيع العمل، خاصة وان أبوه كان مريضا، أما عن ظروف التحاقه بالأمن، فقد قرر العديد من المرات أن ينخرط في الجيش، وكنا نرفض خائفين عليه، لكنه بات مصرا على تنفيذ ما أراده، فسلمنا الأمر، ولم نكن ندرك أن نهايته ستكون بذلك الشكل ..كنا دائما نطلب منه الاستقالة و نقول له أن الحالة خطرة و الوضع اخطر، لكنه كان يرد علينا مبتسما أن الأعمار بيد الله ، ويقول مقولته المشهورة “الجزاير عيطت يا لميمة”

* أكيد انه تحمل المسؤولية وأراد أن يساعدكما؟

– أكيد ، أذكر مرة انه أخذ راتبه ووضعه بين يدي قائلا لي خديه وعيلي به إخوتي و قال لي أنا يكفيني قبلة من أمي الرائعة..

هنا تجهش أم خالد بالبكاء تاركة مجلسنا لأنها لم تقوى على إكمال حديثنا الذي جعلها تتأثر لحد تركها تطلب العذر منا ليكمل الأب الحوار…

 

 

العناصر الإرهابية نكلت بجثة “خالد عياط” حتى بعد موته ولم ترحمه كونه كان مريضا

كان أعزلا.. بدون سلاح وبدون بطاقة مهنية وفي فترة عطلة مرضية

كشف التنظيم الإرهابي “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” في الشريط الفيديو الخاص بتصفية الشريط خالد عياط أن عون الأمن العمومي كان في فترة عطلة مرضية ولم يكن يحوز لا على سلاحه ولا على بطاقة مهنية وإنما ما كان بحوزته هو مجرد وثيقة طبية رسمية بأن الرجل يعاني من المرض وبطاقة السياقة فقط.

وتؤكد هذه المعلومات التي أوردها التنظيم الإرهابي أن الراحل خالد عياط الشرطي الذي اغتالته أيادي الغدر في حاجز مزيف، كان في عطلة مرضية ساعة تعرضه لعملية الاغتيال من قبل الجماعة الإرهابية، بمعنى أنه كان أعزلا بدون سلاح وبدون بطاقة مهنية، وهي الفرصة التي استغلتها العناصر الإرهابية للتنكيل بجثة الضحية حيث ورغم أنه توفي فور مباغتته بالرصاص في ظهره، إلا أن الإرهابيين الذين حضروا الحادثة واصلوا إطلاق الرصاص على الجثة الهامدة دون رحمة أو شفقة بها ورغم مرضه إلا أنهم نكلوا به أمام الملأ وحتى بعد أن سلم الروح لبارئها.

ويظهر في الشريط الذي بثه التنظيم “القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي” كل أطوار العملية الإجرامية دون أن تعترف بأن هذا الشاب الأعزل بدون سلاح كان في عطلة مرضية وأنه رغم أنه ينشط ضمن جهاز الأمن الوطني إلا أنه كان في فترة مرض دون سلاح يدافع به عن نفسه، وهو ما يظهر المروءة الغائبة لدى العناصر الإرهابية التي استغلت فترة ضعفه للتنكيل به.

ويعتبر الشريط الذي بثه التنظيم الإرهابي مؤخرا والذي يرد بصفة مباشرة عن السؤال الذي طرح منذ بداية العشرية الحمراء “من يقتل من”، الأول من نوعه الذي فضح تنكر الإرهابيين في زي أعوان الأمن والجيش بغرض الترصد للعزل واغتيالهم بأبشع الطرق، حيث وبعد ان كانت منشوراتها تقتصر على الكمائن والاغتيالات بالزي الأفغاني ووجوه مكشوفة نشر التنظيم لأول مرة صورا عن إرهابيين متنكرين في زي عسكري وهي الطريقة التي اعتمدها منذ البداية في التضليل والتمويه بأن عناصر الأمن هي من تغتال المواطنين، وبهذا يكون الشريط قد أماط اللثام عن تساؤلات كانت إجابتها واضحة غير أنها تأكدت هي أن الوحيد الذي كان يقتل العزل هي العناصر الإرهابية.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة