كل شيء مباح في مفرغة وادي السمار.. وداخل حدودها تتلاشى الوطنية وكرامة الفرد

كل شيء مباح في مفرغة وادي السمار.. وداخل حدودها تتلاشى الوطنية وكرامة الفرد

الكحول والتبغ متنفس عمال “إمبراطورية وادي السمار” و”الشقيقة” تفجر رؤوسهم

لم يكن من السهل علينا اختراق الحدود الخارجية للمفرغة العمومية لواد السمار، هذه المستعمرة المظلمة الواقعة شرق الجزائر العاصمة، والتي تؤوي بين جوانبها مجتمعا كاملا يعيش في الظل، مجتمع فتي همه الوحيد الجري وراء عربات نقل النفايات أو شاحنات النظافة التابعة لـ”ناتكوم” لعلهم يظفرون ببعض المواد التي يمكن استرجاعها وإعادة بيعها إلى بارونات النفايات بمختلف أنواعها. “النهار” قصدت المفرغة وعادت لكم بحكايات تدمي القلوب وتقشعر من لسماعها الأبدان. فلدى حدود هذه المستعمرة تتلاشى الوطنية وتضيع كرامة الأشخاص. كيف لا وهنا يتساوى الإنسان والحيوان، والبقاء للأقوى دائما وأبدا…
وصولنا إلى المفرغة تزامن مع دخول شاحنات “ناتكوم” وحتى شاحنات تابعة للبلديات المجاورة، وحتى من بعض الولايات المجاورة، والتي امتد طابورها إلى غاية المدخل الرئيسي للمفرغة على حافة الطريق السريع، حيث كان هناك حشد من الشبان والفتيان يجلسون تحت الجسر المؤدي إلى قلب المفرغة، يترصدون الشاحنات الداخلة حتى أنهم لم يأبهوا في البداية لوجودنا، إلا قليل منهم دفعهم الفضول لمرافقتنا إلى أمام المدخل الرئيسي للمفرغة، أين اصطدمنا برفض أعوان الأمن لمرورنا بدعوى أنه لابد لنا من ترخيص، كما أنهم نبهونا لخطورة المكان وما يحويه من شباب منحرف ومدمنين.
ابتعدنا عن الباب، ولم تزدتنا تحذيراتهم إلا إصرارا على ولوج هذا العالم الذي يعتبره الجميع بؤرة هامة من بؤر الانحراف ومأوى للمتسولين والخارجين عن القانون، وما كان منا إلا أن نادينا أحد الشباب الذي رفض الإدلاء لنا باسمه، كان حافي القدمين ويرتدي زوجين من الجوارب لتحميه ربما من بقايا الزجاج والحجارة المتناثرة هنا وهناك. كان يرتدي ثيابا رثة يظهر أن الصابون والماء لم يعرفا الطريق إليها منذ زمن بعيد، أما عن جسده النحيل فحدث ولا حرج.. أوساخ متراكمة تحت أظافره، شعره منكوش وبشرته من كثرة الأوساخ التي علقت بها صارت تبدو على شكل طبقات.. في البداية امتنع عن الكلام معنا ولكننا وعدناه بأن لن تكون هناك صور فقبل بالأمر وراح يسرد يومياته في هذه المستعمرة التي تحوي في داخلها ما يربو عن الـ1200 شخص، يعملون جميعا في جمع النفايات ويعيشون عيشة ظنكى وسط النفايات السامة وبقايا النفايات المنزلية وحتى جثث الحيوانات، وأشياء أخرى لا يسعنا ذكرها، حفاظا على مشاعر قرائنا، ولدى استفسارنا عن سنه ومنزله ابتسم قائلا “اسمي غير مهم وعمري 16 سنة، لم أدرس في حياتي لاعتبارات اجتماعية وأنا آتي كل صباح إلى هنا في الساعات الأولى من النهار حتى أمارس عملي اليومي وأجري وراء لقمة العيش”. استغربنا من رده وسألناه عن وضعيته الاجتماعية، فقال إنهم ستة إخوة إلى جانب الأب والأم، وبما أن والده يعمل بالأجرة اليومية اضطر وهو أكبر إخوته إلى الخروج ومساعدته في توفير لقمة العيش.

رجال في أجساد أطفال جرّتهم الظروف الاجتماعية للانتحار ببطء

وجوده معنا بعث بعض الشجاعة في نفوس أصدقائه الذين لم يكونوا أكثر نظافة منه وأدخلونا عالمهم الخاص الذي يغيب فيه مفهوم “الدولة”؛ فالمفرغة هي مملكتهم والويل لمن يخالف أعرافهم أو يحاول التدخل في شؤونهم أو التجسس عليهم أو حتى العبث معهم، اقترب منا عاشور وبلال وحسين ومحمد وآخرون، تعددت الأسماء وصورة المعاناة واحدة، وجوه فتية أتعبها الجري وراء الشاحنات وأجساد هزيلة حملت هموم الدنيا قبل أوانها، وأصدقكم القول إنهم “رجال في أجساد أطفال”، الجميع هنا يعرفهم، أعوان أمن وسائقو الشاحنات وحتى أولئك التجار وأصحاب عربات النقل العمومي المترددين على سوق الجملة للخضر والفواكه لبلدية الكاليتوس، الذين كثيرا ما يزودونهم بقارورات الماء البارد وبعض الفاكهة، وفي أحيان كثيرة بالخبز.
شباب فضلوا المخاطرة في هذه الحفرة التي وعدت السلطات الوصية بردمها مطلع السنة الجارية، إلا أنها تزال شامخة تمتص دماءهم ومعها شبابهم بالنظر لتفاقم درجات التلوث بها نتيجة تسرب الكثير من المواد السامة والمياه الراكدة التي تحيط بالمكان، والتي تشبعت ببقايا القاذورات وجعلت المكان يغشاه ضباب كثيف طيلة فترات السنة، مما خلق جوا من الرطوبة التي تفوق هنا كل الحدود.
كان يقف بعيدا عنا، يرقب تصرفاتنا وفجأة “تنازل” وجاء إلينا، شاب قوي البنية، ببشرة سمراء نتيجة تعرضها المتواصل للهيب أشعة الشمس، كان يحمل هاتفا نقالا مثل الكثيرين ممن تجاذبنا معهم أطراف الحديث؛ اسمه “عاشور”، يبلغ من العمر 23 سنة. وعن ظروف التحاقه بهذا الجحيم قال “قضيت 13 سنة من عمري هنا في هذا المكان، قادما إليه من ولاية المدية، الجميع هنا يعرفني وهناك الكثيرون يعملون تحت إمرتي، نجمع النفايات المختلفة معا ونبيعها معا ونقتسم الغلة في آخر النهار أو كل يومين، وكما ترون فهم يطيعونني في كل شيء لأني أكبرهم وأكثرهم علما بخبايا هذا المكان، كما أنني من يقوم بالوساطة بينهم وبين “المعلم” (كان يرقبنا من بعيد.. كهل في العقد الرابع تقريبا والذي نادى الشاب عاشور أكثر من مرة).
وقد جرنا الحديث معه إلى إطلاعنا على ظروف عيشهم في هذه المزبلة العمومية “يقيم هنا وسط هذه القاذورات أكثر من 400 شخص، يقضون ليلهم هنا، وحتى نهارهم، وقلما يخرجون إلى العالم الخارجي (في زيارة إلى أهاليهم فقط) أكثرهم قدموا إلى هنا من الولايات الداخلية مثل تيارت، المدية، الجلفة، معسكر وغيرها بالإضافة إلى أبناء المناطق المجاورة على كالحراش، الكاليتوس، الأربعاء، باش جراح وبراقي وحتى مفتاح وبومرداس، وجميعهم ينحدرون من أسر فقيرة، مما جعلهم يغادرون مقاعد الدراسة مبكرا، والغريب في الأمر أن أغلبهم يتمتع بصحة جيدة وكأنهم اكتسبوا مناعة ضد الأوبئة والأمراض الفتاكة التي قد تصيب شخصا عاديا.

الكحول والتبغ متنفس عمال “إمبراطورية وادي السمار”

حاولنا معرفة ما يجنيه هؤلاء من هذا العمل المضني الذي، أحال ألوانهم، فرد علينا “عاشور” بأن المدخول يتراوح ما بين 200 و1000 دج، وفي بعض الأحيان لا يجنون أي شيء سوى التعب والإرهاق وآلام “الشقيقة” التي غزت رؤوسهم وحطمت أعصابهم. وعن الأثمان التي وضعوها للخردة التي يجمعونها قال إن “الحديد بـ7 دج للكلغ الواحد، النحاس بـ200 دج، الدلاء البلاستيكية بـ15 دج للواحدة والكارتون بـ4 دج”. وعن وجهة النقود التي يجمعها سكت هنيهة، أراد إخفاء الشعور بالأسى الذي قرأناه في عينيه بابتسامة عريضة مصطنعة، بأنه يحرقها كل مساء في اقتناء المشروبات الكحولية التي ترد له القليل من كرامته التي ضاعت في هذا الوطن الذي حرمه من أدنى حقوقه كمواطن، فهو “يشرب” لكي ينسى همومه خصوصا وأنه بعيد عن بيته وعن أهله ولا يزورهم إلا بعد أشهر طوال “عائلتي تعلم بمكان عملي وأنا لا أخجل به لأنه أفضل من السرقة والسطو على أموال الناس، ومع هذا أجد صعوبة في العيش مثل بقية البشر، حتى أنني لم أتمكن من الارتباط، فمن سترضى بي زوجا؟ وكيف سأعيلها وأنا ضائع هنا أقيم رفقة رفاقي في مقبرة الأموات هذه؟ فكما ترون منزلنا من الكارتون والأخشاب، والأسرة عبارة عن خردوات ألقاها الناس، أما الأفرشة والأغطية فهي مما يتخلص منه سجن الحراش”.
وإن اختار عاشور الكحول فهناك من يستهلك “الزطلة” ويتعاطى الحبوب المهلوسة، والبقية يفضلون الشمة و”الدخان” هروبا من الواقع المر الذي جعلهم يحرمون من كرامتهم.
وفي هذا السياق بدا معظم من صادفناهم ناقمون على المجتمع الذي صورهم كوحوش بشرية وكخارجين عن القانون. وهنا تدخل بلال الذي رفض الحديث معنا إلا إذا أحضرنا له قالب حلوة مكتوب عليه اسمه مع قارورة عصير “رامي”  ليفضي إلينا بما يدمي القلب “أنا هنا للعمل وهذا أفضل من تهديد أرواح الناس في الخارج والاعتداء عليهم، نحن أناس عاديون ولسنا وحوشا، الفاقة فقط هي التي دفعت بنا إلى هذا الجحيم، فمن يرض بربكم بالعيش في هذا الكابوس الذي لا يعترف إلا بالأقوى، فهنا لن تتمكن من العيش إذا كنت ضعيفا ولابد لك من المقاومة والدفاع بشراسة عن سريرك وعن منطقة عملك، حتى إننا كثيرا ما ندخل في حروب ضارية لا يتدخل فيها أي كان، خصوصا مع أبناء تيبازة الذين يحاولون جرنا إلى مشاكل نحن في غنى عنها، ويحاولون ابتزازنا وأكل عرقنا، وإلا فإن مصيرك يكون النفي من هنا أو الموت، والحالات كثيرة إن لم تكن مقصودة فهي قضاء وقدر، مثلما حدث مع طفل في عامه الثالث عشر والذي لقي حتفه هنا تحت عجلات إحدى الشاحنات كالكلب، فلا تحقيق ولا شيء، باستثناء سيارة الإسعاف التي حملته والسلام.

عائلات تقتات من المزابل

هو واقع وقفنا عليه مع كل أسف من أشخاص كانت وجهتهم “مزبلة” وادي السمار، للبحث عما يسد الرمق، وسط أكياس القمامة. التقيناهم هنا وهناك قريبا من مدخل المزبلة، أحدهم “عيسى” الذي جاء من منطقة الأربعاء وكان مرفوقا بشخصين، يتأبطون أكياسهم، بادرناهم بالسلام فلم يردوا علينا، ولما أخبرناهم بأن غايتنا واحدة معهم، وأننا نبحث عن سبيل لدخول المكان لاقتناء ما يصلح استعماله ارتاحوا إلينا وكلمونا، فعرفنا أن صاحبنا متزوج وأب لخمسة أطفال، وأنه بطال، “أنا بدون عمل وما يجود به الناس علي لا يكفي 5 أفواه جائعة، ولهذا أقصد هذا المكان رفقة صديقي هذين للتنقيب بين النفايات عما يصلح للأكل، وأحمله إلى زوجتي التي تنظفه وتطهوه، فنحن البطاطا اشتقناها وهناك من يرميها في الزبالة، وحتى ولو كانت مسوّسة آخذها معي إلى البيت وهو الحال مع باقي الخضار التي تأتي معبأة في الأكياس البلاستيكية، فهي محمية نوعا ما، كما أنني كثيرا ما أجد ثيابا ونعالا وأشياء أخرى لا تقل أهمية والتي يمكننا إعادة  تنظيفها واستغلالها في البيت.
الحال نفسه بالنسبة للكثيرين ممن أثقلهم الفقر ونخر جيوبهم وجعلهم يعيشون عيشة أقرب إلى حياة الحيوانات منها إلى، حيث ضاعت هيبة الأشخاص وكرامتهم، فالأفراد يتهافتون على هذا المكان مخاطرين بأرواحهم وسلامتهم الجسدية وحتى الصحية، في سبيل تأمين مصدر إضافي لإطعام عائلاتهم، ولو كان هذا المصدر خطرا ووباء في حد ذاته، والمفارقة الكبرى أن أغلب الجزائريين ينافسون الحيوانات الضالة في أوكارها وفي المزابل إلى درجة أن هذه الأخيرة انقرضت من المكان.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة