للتفوق شروط

للتفوق شروط

حفظ الإمام مالك بن أنس القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره، أي في العام الثالث من القرن الهجري الثاني. ذات يوم من أيام ذلك العام، جمعه أبوه مع بقية إخوانه وامتحنهم في سؤال فقهي، فعرف جوابه كل الأولاد إلا مالك، وجر عليه ذلك لوما وتقريعا وتأنيبا من أب غيور حريص مثل كل الآباء في كل عصر

بكى مالك مما جرى له، ولجأ إلى أمه، وكانت امرأة صالحة حكيمة، فطيبت خاطره، وووضعته صباح اليوم التالي في أول سكة النجاح. ألبسته أحسن الثياب، وعطرته بأجمل الطيب، ثم أرشدته إلى أن يأتي المسجد النبوي الشريف ويجلس إلى حلقات العلم المنتشرة فيه، يسمع العلم من مشائخ موثوقين، ودعت له بأن يشرح الله صدره للعلم ويفقهه في الدين.
كانت النتيجة خيرا كلها. فقد “أدمن” الولد الشاب طلب العلم، وثابر في هذا المضمار، واجتهد، حتى أنه كان إذا أعياه أمر علمي لم ينتظر إلى الغد ليسأل عنه، وإنما يمضي إلى شيوخه في منازلهم، يتحين الوقت المناسب، ليسألهم ويتعلم منهم.
من أشهر علماء المدينة المنورة في ذلك العصر عبد الرحمن بن هرمز، وقد صحبه الإمام مالك ولزم مجلسه وتعلم منه الفقه لسبع سنوات. كما تعرف بعده على نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعا وكان عالما في الفقه والحديث فاستفاد منه كثيرا. ثم تعرف على الإمام الزهري وتتلمذ عليه، حتى أنه قال: كنت أخرج من وقت الظهيرة وليس للأشياء ظل أتيمم درسا عند الزهري.
وقيل أن الزهري روى في مجلس من مجالسه العلمية أكثر من أربعين حديثا من أحاديث نبي الهدى والعدل والرحمة صلى الله عليه وسلم. فلما كان اليوم التالي قال لطلابه: هل أحضرتم كتابا تدونون فيه ما أرويه لكم؟ فقال الطلاب: ينبؤك عنها هذا الأشقر، في إشارة إلى الإمام مالك الذي كان رجلا أبيض صبوحا حسن الوجه. فامتحن الزهري مالكا في أحاديث الأمس فأعاد روايتها كلها عن ظهر قلب مع أسانيدها.
في سيرة الإمام مالك عبرة لكل طالب يقرأ هذه الزاوية. من أراد النبوغ العلمي في الفقه أو الرياضيات، أو في أي شعبة من شعب العلوم، فإن عليه أن يواظب على طلب العلم ويكد ويجد في الأمر، ولا يقضي جل أوقاته في اللهو واللعب والعبث. وتذكروا أن الإمام مالكا لم يشتهر ولم يعل قدره ومقامه بين الناس وعلى مدار الأزمان لنسبه أو لوفرة أمواله أو لمنصب رفيع تقلده في الدولة، وإنما بالعلم النافع وحده.
هذا اختبار مني لقراء هذه الزاوية: من منا جميعا يذكر أعضاء الحكومة التي ولد في عهدها الإمام مالك عام 93 هجرية؟ من منا يذكر هوامير السوق في عهده وكبار رجال الأعمال وأصحاب العمولات الضخمة؟ أظن أن 99 بالمائة من قراء هذه الزاوية لن يذكروا من هؤلاء أحدا. أما مالك بن أنس فعلم على رأسه نار، في زمانه وبعد مماته.
درس مهم وعبرة نافعة للمعتبرين.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة