لماذا يكره المثقفون قناة “النهار”؟

لماذا يكره المثقفون قناة “النهار”؟

هذا المقال كُتب لحلّ مفارقة موجودة بخصوص قناة “النهار”، وسؤال هذه المفارقة هو: لماذا قناة “النهار” لها شعبية وتعدّ مصدر الأخبار الأول لدى الجزائريين، وفي نفس الوقت، يشنّ المثقفون والمتعلمون الناشطون اجتماعيا في الشبكات حملات مضادة، لها تهجمية وعدوانية ضدّها؟.

في هذ المقال، سأحاول أن أعطي بعض التفسيرات التي تسهم في حلّ مفارقة قناة “النهار”، وأعطي الأسباب من وراء نجاحها، وهذا انطلاقا من مفهوم المقاولاتية بالمعنى الأصلي والواسع، كما هو معروف في عالم الأعمال وعالم البحث الاقتصادي والاجتماعي، فنجاحها وعدم فهم أسباب نجاحها، هو نتيجة لمفهوم “المقاولاتية الإعلامية”، الذي هو غائب من منظور النقّاد والمثقفين والملاحظين للمشهد الإعلامي لدينا، وحاضر بقوة في ممارسة هذه القناة الجزائرية.

أولا، مؤسسة قناة “النهار” هي مؤسسة خاصة وليست عامة، ونجاحها يفسر جزئيا انطلاقا من كونها قناة ليس لها التزامات الإعلام الحكومي، الذي يفرض عليها تغطية أخبار الأنشطة الحكومية وعرض وجهة نظر الحكومة حول القضايا العامة، فالمحتوى الحكومي بطبعه، هو محتوى ممل وغير مطلوب من قِبل المشاهدين، ولكن بالعكس من ذلك، قناة “النهار” تنتمي إلى القطاع الخاص، الذي له التزامات تجاه جمهور المشاهدين، ويحرص على إخبارهم وعرض آراءهم وانشغالاتهم، حيث تعتمد القناة على دعم الإشهار التجاري الذي يذهب إلى القنوات التي يشاهدها الناس، ولا تستفيد القنوات الخاصة من أيّ دعم حكومي، بل تعتمد على دعم ساعات المشاهدة التي يمنحها لها المشاهدون.

وإضافة إلى الطبيعة القانونية الخاصة لقناة “النهار”، فهي مؤسسة شبابية بامتياز، أين تعتمد على المورد البشري الشاب، حيث أن معدل عمر العاملين في القناة هو 27 سنة، وصغر سن العاملين يمنح المؤسسة ديناميكية خاصة، ويجعلها تستثمر في الرأسمال البشري لطاقمها، حيث أن الشباب لديهم القدرة على المبادرة والإبداع واستخدام التكنولوجيا وتحمّل المخاطر والساعات الطويلة من العمل، والالتزام الدائم واليومي مع القناة، حيث أن الشباب عموما يكونون من دون التزامات عائلية، تجعلهم يتفرغون أكثر من غيرهم للمؤسسة التي توظّفهم، وهذه الصفة الشبابية لقناة “النهار” تمنحها ميزة تنافسية على باقي المؤسسات الإعلامية الخاصة والعامة.

ثم إن العنصر الشبابي الطاغي على المؤسسة، هو خرّيج الجامعة الجزائرية، والتي رغم غلبة الطابع النظري على تكوين الجامعيين، إلا أن المؤسسة يظهر أنها منحتهم فرصة التدريب واكتشاف أنفسهم وتطوير قدراتهم، من خلال العمل المهني والتعلّم من الممارسة المهنية، وبهذا، فإن قناة “النهار” تسهم في معالجة مشكلة ضعف جودة خرّيحي الجامعات.

ثم إن هناك ميزة أخرى في كوادر المؤسسة تفسر نجاح القناة، وهي أن خلفية العاملين الشباب الجامعية الناطقين باللغة العربية، إضافة إلى أن تنوع الأصول الجغرافية للشباب العامل في القناة، تجعل من خلفياتهم أقرب إلى خلفيات الجمهور الجزائري، الذي هو جمهور يغلب عليه الشباب المعرّب ذي الخلفية المحافظة، وهذه ميزة تنافسية لقناة “النهار”، فالكثير من وسائل الإعلام الأخرى تعتمد على جيل الكبار من المستخدمين للغة الفرنسية أو المعرّبين، الذين لهم توجهات تحديثية نخبوية، ولهم خيارات قيمية غير محافظة، مما يشكّل عامل نفور للجمهور، في حين أن قناة “النهار”، نجحت عفويا من حيث أن خلفية كوادرها هي أقرب إلى خلفية الجمهور وحساسيته.

عامل آخر مهم يفسر نجاح أيّ مؤسسة تجارية، وهو دور القادة، وفي حالة قناة “النهار” كمؤسسة إعلامية تجارية، يلعب المؤسس والقائد الرئيس المدير العام أنيس رحماني، دورا كبيرا في نجاح مؤسسته، ومساره المهني كما يحكيه هو نفسه من خلال برنامج جديد تلفزيوني، هو مسار قائد شاب طموح ومغامر ومخاطر، وهو شاب عاصمي من حي شعبي فخور بأصوله العربية الهلالية “قبيلة الكرارمة في المحرة قرب الشلالة الظهرانية في البيّض”، وأصول أمازيغية من جهة أمه، وهذه الأصول المتنوعة تعطي للشخص رؤية ومعلومات متنوعة، تجعله يتعامل مع عدد كبير من الناس ذوي الخلفيات المتعددة وكأنها جمهور واحد.

ويبدو أن أنيس رحماني كان دائما شخصا مستقلا في تجاربه المهنية، يريد أن يخطّ لحياته خطا مستقلا خاصا به، وربما يجد هذا تفسيره الأنتربولوجي في أصوله العربية الهلالية والأمازيغية، التي تؤكد على قيّم الاستقلالية وعدم الخضوع وتدبر الحياة من دون مساعدة.

فمن زاوية الدراسات المقاولاتية، يبدو أن خصائص “المقاول الرائد” تتوفر فيه، حيث أنه استطاع أن يخلق قيمة مضافة في سوق الإعلام بإبداع منتوج إعلامي يلقى تجاوبا عند الجمهور. ورغم كل المطبات والصعاب، فيبدو أنه يتعلم من تجاربه ولا يستحي أن يعترف بأخطائه، وأحيانا يبدو أنه يهين نفسه من منظور آخرين، وهذه القدرة على التواضع والتعلّم، هي قدرة “المقاول الناجح” الذي يعتبر نفسه أنه في مرحلة تعلم مدى الحياة. لقد اعتُبرت السلطة ودعمها لقناة “النهار” هي العامل الوحيد لنجاح القناة في نظر الكثيرين، وهؤلاء لا يحددون ماذا يعنون بدور السلطة، ولا يحددون كيف تدعم السلطة قناة “النهار” ولماذا قناة “النهار”. أولا، كانت السلطة يتغير معناها عند المشككين في القناة، مرة كان “الجنرال توفيق” هو السلطة، وبعد ذلك أصبحت السلطة هي السعيد بوتفليقة، وبعد “خرجة” السعيد بوتفليقة التضامنية مع بوجدرة، لا نعرف بالضبط ما هي السلطة التي تدعم قناة “النهار”؟!.

ثم إن الذين ينسبون نجاح قناة “النهار” إلى دور السلطة، لا يوضحون لماذا اختارت السلطة هذه القناة وليس غيرها؟ على كلٍ، في كل دول العالم هناك علاقات بين كبار الصحافيين وكبار المسؤولين في الحكومة، وإذا لم يكن للصحافي مصادر داخل السلطة، فمن أين يأتي بالمعلومات عن القرارات الكبيرة التي تهم المواطن؟، ومن هنا، فإن تحصل قناة “النهار” على أخبار عن قرارات السلطة هو أمر يُحسب لصالحها مهنيا وليس ضدّها.

ولما أصبحت قناة “النهار” هي القناة الإخبارية رقم 1 لدى المشاهد الجزائري، فقد دفع هذا بالسلطة إلى أن تستخدم هذه القناة لإيصال الرسالة أو الخبر إلى الجزائريين عبر هذه الوسيلة وليس غيرها، إذا، السلطة تستعمل القناة مثل ما تستخدم القناة السلطة لصالحها، أي لعبة ذات نتيجة إيجابية للطرفين.

هذا وتتلقى قناة “النهار” أكبر كمية من النقد الحاد والتشكيكي من قبل المثقفين، وظهر مؤخرا ذلك من خلال وقفتهم مع رشيد بوجدرة ضدّ القناة، ولنفهم موقفهم، علينا أن نعرف أن المثقفين في العالم عموما، لهم نظرة سلبية للإعلام، ويعتقدون أنه يقوم بدور سلبي في المجتمع، رغم أنهم يستخدمون الإعلام لتوجيه النقد للإعلام!.

والمثقفون يعتقدون أن الجمهور في حاجة إلى أن يتعلم ويعرف أفكارهم، ويرون أن الإعلام يركز على الأخبار والترفيه، وهدفه تجاري أساسا، ولا يعطي مساحة كبيرة لآراء المثقفين، وهذا يعكس تضخم الذّات الذي يصاب به المثقفون الذين يتصرفون كأوصياء على المجتمع والجمهور، ويعتقدون أن قيّمهم وقناعاتهم يجب أن يتبناها الجمهور، ويتوقعون من الإعلام أن يساعدهم في هذه المهمة.

لكن لحسن الحظ، فالإعلام وُجد لخدمة الجمهور، وقناة “النهار” هي قناة لخدمة جمهورها وليست موجودة لتوجيه الجمهور تحت إشراف المثقفين، كما كان حال الإعلام الدعائي في زمن الحزب الواحد (مجلات الوحدة، الثورة الإفريقية،…).

هذه بعض العناصر الموضوعية والذاتية، الشخصية والقانونية والمهنية والسياقية التي تفسر نجاح قناة “النهار” بصفتها “مقاولة شبابية رائدة في ميدان الإعلام”، ونحن تعوّدنا في الجزائر أن ننسب أيّ نجاح مقاولاتي إلى دعم السلطة، وهذا ما يجعل المثقفين والمشككين لا يفهمون لماذا نجحت قناة “النهار” في ظرف قصير، حيث فشل الآخرون الذين كانوا موجودين لسنوات قبلها!؟. 

التعليقات (5)

  • حبيب

    لأنهم غير موضوعيين

  • ahmed

    للاسف جئت تكحل عينك فعميتها!!!!!

  • Micheline Abi Khalil

    انا اتابع قناة النهار بإستمرار عبر التويتر وعبر application ، لقد تفاجأت بالتعليقات السلبية عن القناة، انا اجدها قناة عصرية ،شبابية، تواكب كل الأحداث في البلد وهي ليست فقط قناة سياسية ، كما ان مواضبعها ليست روتينية ، فإنها تشبه الى حد كبير قناة ال MTV اللبنانية ، so don't care and GO AHEAD.

  • محمد

    هذه سياسة القنوات الاباحية بامتياز. نفس الدوافع ونفس الأهداف التجارية.

  • إبراهيم

    المقاولاتية شيء والرداءة شيء آخر وتوجيه المجتمع وفق منحى تختارونه ، ثم إنكم تعتمدون أحيانا على أشباه مثقفين وأشباه فقهاء فتلمعون صورتهم وتجعلون منهم وجوها معروفة ومرموقة مستغلين في ذلك قلة العلم لدى عموم الجمهور ،ثم إنكم تتكلمون عن المثقف وكأن دوره سلبي في المجتمع مع أن هذا المثقف هو الذي يصنع التوجهات الصحيحة لدى المجتمع ،كما أن الكثير من مواضيعكم تكون أحيانا خادشة للحياء وتبث سموما لدى الشارع الجزائري في الوقت الذي تزعمون فيه أنكم محافظون ،فهلا عملتم فعلا على نشر القيم والفضائل بين الناس بدلا من الإنجرار وراء الرغبات والأهواء الهدامة.

دير لافير

أخبار الجزائر

حديث الشبكة