لو قمت ببيع الصور التي التقطتها لأصبحت من أغنى الأغنياء
وكالات أجنبية تطلب من المصورين تصوير رموز الدولة بطريقة مهينة
منح 31 سنة من عمره للصورة، تنقل إلى جل ولايات الوطن من أجل الإنفراد، يعشق آلة التصوير التي لا تفارقه وتظل معه أينما حل، هو أقدم مصور صحافي… رشيد خناش
تعدّ من المصورين الذين صوّروا مشاهد في العشرية السوداء ونالت تلك الصور شهرة كبيرة، حدثنا عن الظروف التي عملت فيها؟
نعم قمت بتصوير العديد من المشاهد الفظيعة، رؤوس مقطوعة، أرجل من دون أجسام، فراش يقطر بالدم والعديد من الصور التي تعكس الفترة الصعبة التي عاشت فيها الجزائر في تلك الفترة، وبالرغم من أن الصورة تنقل نوعا من الحقيقة المرّة، إلا أنني لا أستطيع وصف تلك المشاهد.
عندما كنت تصور تلك المشاهد، ألم تكن خائفا وأنت تقتحم دائرة الخطر؟
لا.. لم أكن خائفا، لكني كنت أتأثر بتلك المشاهد، وأحاول دائما الضغط على نفسي من أجل مواصلة العمل، لا لشيء إلا لإظهار الحقيقة المرّة التي كان يعيشها الشعب الجزائري.
ما هي أصعب صورة قمت بتصويرها وانتابك الخوف والتأثر؟
أتذكر أنه في أحد الأيام وفي مدينة “حمر العين” بتيبازة، نجحت إحدى الفتيات في نيل شهادة “البكالوريا“، وبعد نجاحها وفرحة عائلتها، تم استدعاؤها من قبل أقاربها إلى ولاية تيبازة من أجل الإحتفال بهذا النجاح، لكن بعد عودتها إلى بيتها، وجدت جميع أفراد عائلتها “مذبوحين“، تلك الصورة لم تمحَ من ذاكرتي إلى حد الساعة، فقد كانت تلك الفتاة جد متأثرة، كما أن رؤيتها لأفراد عائلتها وهم يسبحون في الدماء أبكمها، فلم تستطع لا الحديث ولا الحركة.
وصورة أخرى التقطها في ولاية عين الدفلى، حيث صوّرت رجلي مواطن مذبوح تم فصلهما عن جسمه، إضافة إلى سرير مليء بالدماء يرقد فيه رضيعان صغيران لا يعرفان ماذا حصل لعائلتهما.
الصور التي كنت تلتقطها ذات قيمة كبيرة، ألم تفكر في بيعها؟
لا.. أبدا، زنا لا أتاجر في دماء الجزائريين، ولو عملت بهذه الطريقة التي ينتهجها الكثير، لكنت من أغنى الأغنياء، ولأني مقتنع أن الصور التي التقطها أمانة ولا يمكن أبدا خيانة الأمانة، والخيانة هنا تكون عندما أبيع صورة أو صورتين تخص الجزائريين لوحدهم.
هل تلقيت اتصالات من قبل جرائد أو وكالات أجنبية طالبتك ببيع صور؟
نعم تلقيت العديد من الاتصالات، لكن في كل مرة كنت أرفض، لأنني لا أتاجر في أبناء جلدتي.
ألم تفكر في العمل في إحدى هذه الوكالات؟
في هذه النقطة بالذات أريد أن أوضح شيئا مهما، وهو أن الوكالات الأجنبية لا تريد أبدا الخير للجزائر، وإذا قبلت العمل فيها، فحتما ستجبرني على تصوير مشاهد لا تخدم بلدي، وأنا لا أقبل مثل هذه الممارسات، لأن الجزائر التي مات من أجلها مليون ونصف مليون شهيد، لا يمكن أن أخونها بهذه الطريقة، كما أن هذه الوكالات تطلب منا تصوير أحد رموز الدولة بطريقة مهينة، وهذا ما أرفضه جملة وتفصيلا.
أين تعمل الآن؟
اليوم أعمل في يومية “لوكوتيديان دورون” لمدة 15 سنة، وقد عملت سابقا في العديد من الجرائد، على غرار “اليوم” و“الخبر” وكذلك عملت في السينما، وأنا لدي 31 سنة من العمل في مجال التصوير.
ما رأيك في المصورين حاليا؟
من دون تجريح، الصورة اليوم فقدت مصداقيتها، والمصورون يقومون بعملهم من دون إبداع، وهنا أدعوا إلى إنشاء مدارس لتلقين هذه المهنة التي تتطلب الكثير من الجهد والعناية، كما أن الصور الرقمية قتلت الصورة الحقيقية، فنرى أن الصورة ذهبت روحها الحقيقية، وهنا أريد أن أوضح شيئا.
ما هو؟
في الجرائد غالبية مالكيها لا يقدرون الصورة، ويوجد شخص واحد أشهد له بذلك، وهو السيد “أنيس رحماني” المدير العام لمجمّع “النهار” وحرمه السيدة “سعاد عزوز” مسؤولة النشر في جريدة “النهار“، اللذان يعطيان قيمة للصورة أكثر من أي شيء آخر، لأنهما يعلمان قيمتها وتأثيرها على القارئ، ولقد عملت في سنوات الإرهاب مع السيد “أنيس رحماني“، وأشهد أنه كان من أحسن الصحافيين، يخاطر بنفسه من أجل جلب المعلومة. كما أنه عند صدور العدد الأول من جريدة “النهار” ، قلت له بالحرف الواحد:” يا أنيس، هذه الجريدة ستنجح وستنافس كل من تسمي نفسها جريدة معروفة“، وفعلا بعدها أصبحت الجريدة رقما مهما في الساحة الإعلامية.
من هم الرؤساء الذين صوّرتهم في صور خاصة؟
أتذكر أنه أثناء تربصي، ذهبت إلى مقبرة “العالية” التي كان فيها الرئيس الراحل هواري بومدين، أين ألقى خطابا مؤثرا وبعدها نزع نظارته السوداء وبدأت الدموع تنهمر من عينيه، وهذا الأمر أثر فيّ كثيرا.