مؤذّنون وأئمّة ينتحرون .. والوزارة في ورطة
ظروف اجتماعية قاهرة أدت إلى انتحار كثير من عوام الناس
انتقلت عدوى وحمى الانتحار داخل المجتمع الجزائري إلى الأئمة والمؤذنين، بعدما كانت مقتصرة على التلاميذ والعوام ممن يعيشون ظروفا اجتماعية قاهرة، وآخرين يضعون حدّا لحياتهم نتيجة مشاكل وعراقيل تعترضهم، إلا أن وصول الأمر حد انتحار إمام أو مؤذن فتح العديد من التساؤلات عن الأسباب التي تقف وراء ذلك، وما هي المعايير التي تعتمدها الوزارة في اختيار من يكون قدوة للشعب.اهتزت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف للمرة الثانية على التوالي، بعدما أقدم مؤذن في الستين من عمره نهاية الأسبوع المنصرم على الإنتحار بولاية الطارف، في الوقت الذي سبقه إمام بمعهد تكوين الأئمة بتيزي وزو قبل شهرين أو ثلاثة، الأمر الذي خلق العديد من التساؤلات وأخلط أوراق وزارة الشؤون الدينية التي كان معوّلا عليها في إعادة التوازن داخل المجتمع، وإيقاف هذه الظاهرة التي حصدت عشرات الأرواح في زمن قياسي. واستطاعت الوزارة احتواء الحادثة باعتبارها الأولى من نوعها في القطاع، زيادة على الرسالة التي تركها الإمام يقول بأنه يعلم بأن الأمر حرام إلا أن الظروف التي قادته إلى ذلك كانت قاهرة، وطالب الوزير خلالها كل المديرين الولائيين ومديري المراكز التكوينية بضرورة الإحاطة بسير المتربصين وكل الأئمة والمؤذنين، حتى يتم اجتناب أي مفاجأة من هذا النوع نظرا لتأثيرها الكبير على سمعة القطاع. وقال المستشار الإعلامي بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف ”عدة فلاحي” في اتصال مع ”النهار” أمس، أن الوزارة لم تتلق أي تقرير بشأن عملية الانتحار التي أقدم عليها مؤذن بولاية الطارف، وأنه لا يمكن التعليق على الحادثة قبل الإحاطة بالأسباب والدوافع بناءً على تقرير رسمي من قبل المديرية الممثلة للقطاع في الولاية. جدير بالذكر أن الأسباب التي أدت إلى انتحار العوام من الناس حتى الآن، أبلغ بكثير من تلك التي أودت بحياة الإمام والمؤذن، حيث تعود جل أسباب الانتحار لدى الجزائريين إلى الظروف الإجتماعية القاهرة، وعدم تمكن رب العائلة مثلا من إعالة أفراد أسرته، فضلا عن إحساسه بنوع من الحرمان وغيرها من الأمور التي يراها بعضهم سببا مقنعا ليضع حدا لحياته، نتيجة ضعف الإيمان و قلة الثقة بالله عز وجل. ونجد في الجهة المقابلة بأن الأسباب التي أدت إلى انتحار الإمام المتربص بمعهد التكوين بتيزي وزو، كانت غامضة رغم إشارته في رسالة إلى أن ذلك كان نتيجة ظروف قاهرة، حيث أشار والده وإخوته إلى أنه لم تكن هناك أية مشاكل في العائلة قد تؤدي به إلى ذلك، في الوقت الذي انتحر المؤذن بسبب محاولة السلطات المحلية انتزاع إحدى مزارعه، التي كان في الإمكان اللجوء إلى العدالة واستعادتها إن كانت حقا من حقوقه.
الشيخ نسيم بوعافية إمام مسجد عقبة بن نافع في ميلة: ”الإنتحار جرم عظيم سواء صدر عن شخص عادي أو عن رجل دين”
قال الشيخ ”نسيم بوعافية” إمام مسجد عقبة بن نافع بولاية ميلة، إن الإنتحار فعل حرام ولا يجوز شرعا، وقد اختلف العلماء في كفر قاتل نفسه أم أنه يبقى على الإسلام، مشيرا إلى أن بعض العلماء يرفضون الصلاة على المنتحر زجرا وعبرة لمن يُفكّر في ذلك.وأضاف الشيخ، أن حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واضح إزاء هذا الفعل حين قال: ”مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَنْتَخِعُ بِهَا بَطْنَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ فَوْقِ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا”. وأشار الشيخ نسيم بوعافية، إلى أن الإنتحار فعل منكر ينبغي تجنّبه مهما كانت الظروف التي يعيشها المرء، فالمنتحر يعني أنه قد قنط ويئس من رحمة اللّه عز وجل، والله تعالى يقول ”إنه لا ييأس من روح اللّه إلاّ القوم الكافرون”، ولهذا على المؤمن أن يثق في اللّه عزّ وجل، رافضا التفريق بين الإمام أو المؤذن وغيره في هذا الفعل، لأن الإنتحار هو انتحار، سواء صدر عن شخص عادي أو إمام، قائلا، لقد حدث هذا على عهد رسول الله بين الصحابة، فكيف بنا اليوم في هذا الزمن الذي امتلأ بالفتن، وعدّ الإمام والمؤذن شخصين عاديين ولهما من الظروف ما لغيرهما من الناس، وأن ذلك لا يُعدّ تبريرا.. ولكن يجب ألاّ ننظر إلى انتحار الشخص العادي على أنه أقلّ جرما من انتحار الإمام أو المؤذّن.
وهيبة سعيدي خبيرة في علم الإجتماع لـ”النهار”:الأسباب النفسية وضعف قدرة التأقلم مع الوضع سبب انتحار رجال الدّين
قالت خبيرة علم الإجتماع الدكتورة سعيدي وهيبة أن الأسباب التي تدفع أي رجل دين إلى الإنتحار، تختلف عن أسباب انتحار أي شخص عادي، كون الإمام له من التشبع الديني ما بمنعه من وضع حد لحياته لأسباب دنيوية، إلاّ أن السبب قد يعود إلى أسرار تخالج أنفسهم أدت بهم إلى تأنيب الضمير. وأضافت سعيدي في اتصال مع ”النهار” أمس، أن الأئمة والمؤذنين هم أفراد من المجتمع ولهم ظروف وعلاقات منبثقة من الواقع المعيش، وقد تتسبب لهم في أزمات نفسية حادة، أو خلل في الشخصية بناء على نقاط ضعف، مشيرة إلى أن الإمام والمؤذن قد يقعان في أكثر من ذلك، نتيجة حالات نفسية معقدة، كأن يقدم الإمام مثلا على اغتصاب قصّر، وهو الفعل الذي صدر عن بعضهم مؤخرا. وأشارت إلى أن الشخص الذي قام بهذا الفعل بناء على ظروف نفسية معينة، قد يُقدم على الإنتحار، هربا ربما من عذاب الضمير أو ستر أحد الأفعال التي أنّبته، لاعتقاده بأن حقيقة الأمر ستدفن معه، في الوقت الذي أشارت إلى أنه يمكن أن يقدم الإمام أيضا على الإنتحار لأسباب اجتماعية، لأنه خرج من رحم المجتمع وله ظروف وقيم نشأ فيها، تُستّمد من صحبته، وتعاملاته وقوة الإيمان بالمبادئ التي ترعرع وسطها.