مائدة إفطار “الزوافرة” لا تقل أهمية عن موائد كل الجزائريين وإعدادها يكون بالتضامن والتناوب

مائدة إفطار “الزوافرة” لا تقل أهمية عن موائد كل الجزائريين وإعدادها يكون بالتضامن والتناوب

يجمعون بين عمل الرجال في النهار وعمل النساء في الليل…الغربة توجب عليك تعلم كل شيء والطبخ والغسيل من أولويات ذلك

“رمضان هو أشد الشهور قسوة علينا، وتزداد معاناتنا مع حلوله رغم أنه من أفضلها عند الله”، كلمة يقولها كل من ابتعد عن أهله خلال شهر رمضان طالبا لقمة العيش له ولعائلته، لما يترتب عن ذلك من مشقة العمل بورشات العمل نهارا وأمور البيت والطبخ ليلا حتى يتسنى لهم توفير أطباق تكون صالحة لإبعاد شبح الجوع الذي تكبدوه طيلة اليوم تحت أشعة الشمس، زيادة على العمل الشاق الذي يمارسونه.
طبقان أوثلاثة دائما ينبغي أن يتم تحضيرها يقول “رابح”، أحد الذين استضافوا “النهار” على مائدتهم، وذلك بالتضامن مع بعضنا البعض فلا يمكن لأي فرد بعيدا عن أهله أن يتجاوز عقبة رمضان منفردا، لذلك يجتمع كل ثلاثة أو أربعة من أبناء المنطقة الواحدة حتى يتسنى لهم التعاون على أشغال البيت والطبخ بعد انقضاء وقت العمل مباشرة، حوالي الساعة الثالثة مساء ويكون ذلك عمدا لتوفير الوقت وإعداد فطور لائق يبعد عنا على الأقل شبح الغربة التي تزداد ضغطا كلما تعلق الأمر بالطبخ وغسيل الأواني.
الشربة فريك، طاجين الزيتون وأحيانا طاجين لحلو، كل هذه الأطباق يتم إعدادها عادة في مائدة الإفطار الخاصة بهذه الفئة والذين اصطلح عليهم “الزوافرة” بالنظر إلى الغربة وطبيعة العمل الذي يقومون به. وفي الزيارة التي قامت بها “النهار” إلى إحدى سكنات هؤلاء بدرارية، لأجل استطلاع الأمر ومعرفة عملهم عن قرب، وجدنا خمسة أشخاص داخل مسكن محترم يتكون من غرفتين ومطبخ، يحتوي المطبخ على كل الأواني التي تمكن من إعداد وجبة الإفطار خلال شهر رمضان بينما يوجد داخل إحدى الغرفتين تلفاز ملون من الحجم الكبير، مقرون بمقعر هوائي “ديمو نيميريك” وذلك لأجل مشاهدة برامج رمضان، حيث قال أحدهم إننا اشتريناه خصيصا لهذه البرامج بعدما تعطل جهاز التلفاز الأول بسبب عطل كهربائي.

إقامات بعضهم لا توحي بوضعيتهم

كل هذه الأجواء كانت توحي لنا بأننا لسنا في بيت يأوي هؤلاء الأشخاص الذين كثيرا ما تحدثوا عنهم في الصحافة الوطنية بخصوص الإقامة والمعاناة بشأن توفير لقمة العيش وغيرها، حيث وصفوا ما كتب حولهم في الصحافة، ليس خياليا، غير أنه لا ينطبق على الجميع فما نعيشه نحن الآن لا يقتصر علينا وإنما هناك غيرنا ممن يعيشون نفس الظروف وأفضل، تبادلنا معهم أطراف الحديث فلمسنا منهم الوعي بأمور المجتمع واهتماماته فتبين فيما بعد أن منهم من له المستوى الجامعي “ليسانس” والبكالوريا وغيرها فأغلبهم لهم شهادات ولو كانت ضعيفة.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف مساء عندما قال أحدهم “يا جماعة لا تنسوا أنفسكم يجب أن نعد الفطور”، حينها قام اثنان منهم بإعداد الخضر التي سيتم استعمالها في إعداد طبق ذلك اليوم، إلى جانب “الشربة فريك” التي تعد الطبق الرئيسي ولا يمكن الاستغناء عنه لأنه الطبق الوحيد الذي يجمع الجزائريين على مائدة الإفطار خلال شهر رمضان وعدا ذلك فكل بيت له ما يميزه.
تتوزع المهام بينهم في هذه اللحظات وتبدأ مرحلة أخرى من العمل اليومي الشاق، فضلا عن تلك التي انتهت قبل ساعتين بورشات البناء، يتجه بعضهم إلى السوق لجلب ما يكفي من الخبز، المشروبات والحلويات بينما يبقى الآخران يحرصان على طهي الطعام وإعداد المائدة، يتم ذلك في جو بهيج مليء بالسرور، الاستهزاء والمزاح رغم ما يحمله كلا منهم بداخله، الأمور التي تنكشف فقط عندما تحدث أحدهم عن العائلة وأجواء الصيام بالقرب من الأهل والأقارب، قال ساعد “الصيام في الدار وطياب لعجوز حاجة أخرى، دوك انا لي راني لعجوز”، يضحكان بقوة ويواصلان عملهما بتفان، هناك فقط تتضح المعاناة الحقيقية لهذا الشخص بتذكر الأيام الخالية التي قضاها بين أهله فلا يسعه حينها إلا سرد بعض مظاهر الصيام وحلاوته داخل جو عائلي، ليدعك بعدها تقارن بين ما تراه أمامك الآن وما أطلعك عليه مع كثير من الحرقة والشوق.

تضامنهم سر قوتهم وجو بهيج حول مائدة الإفطار

اجتمعنا معهم على مائدة الإفطار قبل 20 دقيقة من آذان المغرب بعدما دخل أولائك الذين خرجوا قبل ساعة لإحضار الخبز وحلويات السهرة، حيث كان الآخران قد أعدا طبقين “شربة فريك” و”طاجين زيتون” وجهزا المائدة، أخذوا حينها يتبادلون أطراف الحديث، حول طبيعة العمل من جهة وأجواء الصيام حاليا ببلدهم من خلال الاتصالات التي يجرونها كل ليلة مع الأهل والأصدقاء، ولا تنسى هذه الفئة بعضها البعض أثناء وبعد الفطور، إذ يتصل بعضهم ببعض لأجل الحديث واستطلاع الأجواء لدى كل واحد منهم مما مكننا من معرفة أمرا آخر يتعلق بجماعات أخرى، حيث يحظى البعض منهم بمبادرات المحسنين من الجيران الذين يقيمون بالقرب منهم إلى جانب أصحاب الورشات ممن يتفضلون عليهم بالفطور خلال شهر رمضان. ومن ناحية أخرى أشاروا في حديثهم أيضا إلى أولائك الذين يغتنمون فرصة إقامتهم بالقرب من ديار الرحمة التي تكون بمبادرات المحسنين في أغلب الأحيان وأخرى من طرف السلطات المحلية.

مشاهدة “عمارة الحاج لخضر” ضرورية والتعب يمنعهم من صلاة التراويح

يستمر تطبيق البرنامج اليومي لهم حتى بعد الإفطار، اثنان منهم يقومان بغسل الأواني وهما اللذان قاما بإعداد الفطور حيث يتفقون فيما بينهم على أن من يطهي الطعام هومن يتولى أمر الغسيل، وكذا الشأن بالنسبة للدفعة الأخرى في اليوم الموالي، إذ يتبادلان الأدوار وتسير الأمور على هذه الحال إلى غاية نهاية شهر رمضان أو العودة إلى البيت، خاصة وأنهم يفضلون صيام العشر الأواخر في كنف العائلة -حسب ما قاله ساعد ورابح- في حين قال رشيد إنه سيبقى إلى غاية ليلة السابع والعشرين من رمضان على الأقل.
يمثلون عائلة واحدة بالنسبة للناظر فلا يختلفون في أمر البرنامج المعد مسبقا لرمضان، يقول “جمال” نجمع مبلغا معينا من المال، بحيث يكفي لأسبوع على الأقل ويتكفل أحدنا بالميزانية فيكون له أن يشتري ما يشاء بعد أن نقرر ما الذي سنأكل اليوم، يقومون مباشرة إلى التلفاز لمشاهدة سلسلة “عمارة الحاج لخضر” وبعد انقضائها يأتي من كان دوره في الغسيل لتنظيف الأواني لأجل إعدادها ليوم الغد فكان بذلك دور “ساعد ورابح”، ومن جهة أخرى يحاول كل واحد منهم الاتصال بالعائلة للاطمئنان والترفيه عن النفس، خاصة وأن أحدهم كانت له شريحة “جازي ميلينيوم” مما يوفر لهم خدمة الاتصال المجاني بعد التاسعة مساء.
منهم من صلى صلاة المغرب بعد انقضاء الآذان، على غرار “رشيد” ومنهم من انتظر حتى انتهاء وقت الإفطار وأغلبيتهم فعل ذلك، ليصلي آذان العشاء حيث يتجه رشيد كعادته لأداء الصلاة بالمسجد وكذا التراويح. في حين يفضل البقية أدائها بالبيت بسبب التعب الشديد جراء يوم شاق جدا.     
“السحور” أمر ضروري وبدونه لن نستطيع مباشرة عمل اليوم الموالي

تستمر السهرة إلى غاية نهاية البرامج الفكاهية التي تبث على شاشة الجزائرية الثالثة وكذا المسلسل الذي يبث بعد نشرة الثامنة فمنهم بعدها من يفضل النوم وأخذ قسطا من الراحة، خاصة أن اليوم الموالي لن يكون أرحم من سابقه فالبرنامج يومي ولن يتغير، وهذا في الوقت الذي يفضل فيه البعض الآخر مواصلة السهرة مع الأفلام التي تبثها القنوات الفضائية على غرار “أم بي سي أكشن” ومن هؤلاء الذين يشتغلون كعمال مستقلين أي “البنائين”، “المصاوة”، بحيث يكون لهم الاختيار في الوقت الذي يباشرون فيه العمل وكذا الوقت الذي يتوقفون فيه. أما المساعدان، “المونوفريا” فلا يسعهم سوى النوم باكرا للاستيقاظ لأن العمل سيبدأ على الساعة الثامنة صباحا، بالإضافة إلى ضرورة القيام للسحور الذي يعد أمرا ضروريا، كما قالوا، لأن العمل شاق ولن يتمكنوا من العمل ليوم كامل ببطن خاوية. وعن المأكولات التي تستعمل في السحور يجيبنا ساعد قائلا إننا لن نعيد الطهي وإنما نتسحر بما بقي من أكل في الإفطار مع اللبن أو الحليب لمن أراد، ومنا من يفضل الشربة حتى يقوى على العمل في اليوم الموالي.


التعليقات (0)

أخبار الجزائر

حديث الشبكة